التقارير

واصلت الجغرافيا السورية تفاعلها مع عدة ملفات في آن واحد. ففي الوقت الذي استكملت فيه خطوات "الدمج العسكري" في الشمال الشرقي واستعادة موارد النفط، استمر تصاعد تكتيكات "خلايا الظل" لداعش والنزاعات العشائرية والجرائم المنظمة. التداخل بين محاولات تثبيت السيطرة الميدانية وبين التصعيد على الجبهات الحدودية والتوغلات الإسرائيلية، جعل من أحداث هذا الشهر امتداداً طبيعياً لحالة التجاذب بين الرغبة في الاستقرار وبين الاضطرابات الأمنية والاجتماعية المتلاحقة.

شمال شرق سورية ... هندسة الدمج واختبار السلم المجتمعي

شهدت منطقة شمال شرق سورية منذ توقيع اتفاق 29 كانون الثاني 2026 مساراً سيادياً جديداً يستهدف إنهاء الحالة العسكرية المستقلة لقوات قسد، حيث كشفت الوقائع الميدانية في نهاية شباط عن تنفيذ عملية تسليم صامتة للترسانة الثقيلة لآلاف المقاتلين الذين تحولوا إلى وحدات دفاع محلي منزوعة القدرة الهجومية، وخاضعة إدارياً لهيئة الأركان بدمشق عبر نقاط قيادة مشتركة بإشراف مباشر من المبعوث الرئاسي العميد زياد العايش. وبموازاة هذا التفكيك الممنهج، استعادت الدولة السورية رئتها الاقتصادية بتسلم قاعدة رميلان الاستراتيجية عقب انسحاب التحالف الدولي، وشرعت الشركة السورية للنفط فوراً في ترحيل /200/ ألف برميل من خام تل عدس نحو مصافي حمص وبانياس، مع دخول فنيين من شركات أمريكية بموجب عقود تأهيل رسمية للوصول لإنتاج يومي عتبته /150/ ألف برميل، مما أعاد للدولة السيطرة الفعلية على /90%/ من موارد الطاقة الوطنية وتحويلها إلى رافعة اقتصادية مركزية.

ومع حلول النصف الثاني من آذار، دخل الاتفاق مرحلة الاختبار الفعلي بوقوع أحداث ميدانية وسياسية متسارعة؛ فعلى الصعيد العسكري، أعلن مصدر في قسد توجه /28/ ضابطاً إلى الكلية الحربية بدمشق لإعدادهم كقادة ألوية وكتائب برتب عميد وعقيد، مع تعيين "حجي محمد نبو " نائباً لقائد "الفرقة 60" في الجيش السوري، في خطوة دمج عسكرية غير مسبوقة. أما ملف المعتقلين، فقد شهد "خطوات إيجابية" بحسب المتحدث باسم الفريق الرئاسي أحمد الهلالي، الذي أكد البدء بعملية تبادل واسعة في الحسكة شملت إطلاق سراح دفعة كبيرة ليلة عيد الفطر، بالإضافة لقرابة /300/ عنصر من منتسبي قسد.

واجهت جهود الاستقرار في مناطق شمال وشرق سورية تحديات بنيوية - أمنية، حيث كشفت الأحداث الدامية خلال احتفالات عيد النوروز في القامشلي والحسكة والمالكية، والتي أسفرت عن وقوع ضحايا وإصابات جراء إطلاق نار عشوائي، عن هشاشة الضوابط المؤسسية في الفضاء العام.

تعمقت الأزمة إثر تصاعد الاستقطاب الهوياتي الناتج عن واقعة إزالة العلم السوري في عين العرب من قبل عنصر محسوب على قوات قسد، مما أدى إلى انتقال الصراع من بعده الرمزي إلى مواجهات ميدانية تمثلت في سيطرة تشكيلات عشائرية على حاجز العطو بمنطقة الشيوخ، وفرض إجراءات عزل مكاني عبر حظر التجوال في عفرين لاحتواء الصدامات البينية. ومع تصاعد حدة الاحتقان التي بلغت ذروتها باقتحام مقر وزارة الداخلية في الحسكة وتدمير آليات الأمن الداخلي.

تنظيم الدولة ... منهجية ضرب الأهداف الرخوة والرموز الاجتماعية

تشير المعطيات الميدانية المتلاحقة إلى دخول تنظيم داعش مرحلة متقدمة من الاستنزاف العملياتي تستهدف تفكيك المفاصل العسكرية والإدارية والاجتماعية في المنطقة الوسطى والشمالية والشرقية من سورية. تبرز هذه المنهجية من خلال سلسلة اغتيالات تبناها التنظيم رسمياً عبر معرفاته، طالت المجند محمد خيري عبد الرزاق الخلف من الفرقة 86 في الميادين، وحمزة محمد مريضي من الفرقة 44 بريف حلب الغربي، وعنصرين من قوات النخبة على طريق الباب، بالإضافة إلى تصفية شرطي المرور سالم بسبس العثمان في الصبحة وجندي في القورية والاستيلاء على سلاحه الفردي، وصولاً إلى الهجوم الدموي على دورية الجمارك في السفيرة الذي أدى لمقتل عنصرين أحدهما مصطفى عجم. وتتكامل هذه الهجمات مع عمليات أخرى نفذها مسلحون مجهولون يرجح انتسابهم للتنظيم بناءً على انتقائية الأهداف، حيث سجلت المنطقة تصفية عنصرين من الفرقة 80 في المريعية واغتيال جنديين قرب بلدة الراعي واستهداف مقر الفرقة 42 في حي أمن الدولة بالرقة بالقنابل والرصاص، فضلاً عن إصابة القيادي في استخبارات الفرقة 66 أبو فاطمة الشويطي في بلدة سعلو واغتيال الشرطي علاء العبد المحمد الخلوف في الصبحة وإصابة عنصر آخر من الفرقة 66 في الكشكية.

لا يقتصر خطر هذه الخلايا على الاغتيالات الفردية، بل يمتد إلى محاولات تقويض الاستقرار العام عبر استهداف البنية التحتية والرموز المحلية، وهو ما ظهر في حرق سيارات الخدمة العامة والشرطة في تل أبيض، واستهداف صيدلية أبو مؤيد الزايد في الحوايج بالرصاص والقنابل، وقصف منزل القيادي العشائري أحمد عواد الكشمة في ذيبان بقذيفة صاروخية لإحداث شرخ في التحالفات المحلية. وفي سياق المواجهة الأمنية، كشفت عملية القبض على الإرهابي جاسم إبراهيم الأحمد في جرابلس عن نشاط خلايا نائمة متمرسة في زرع العبوات الناسفة استهدفت سابقاً زكريا حميدي ومسؤولين في الشرطة العسكرية، بينما تعكس العمليات الانتحارية في جزرة البوحميد واللطامنة وكمين طريق الفرقلس إصراراً عقائدياً على المواجهة حتى الموت لتجنب الاعتقال. إن ترابط هذه الأحداث ابتداءً من استهداف المقرات الأمنية في موحسن ومحيميدة والسباهية وصولاً إلى قتل المدنيين بذرائع واهية قرب كلية الآداب بالرقة، يؤكد أن التنظيم يعيد بناء نفوذه عبر تكتيك "خلايا الظل" التي تضرب الأهداف الرخوة والسيادية في آن واحد بلامركزية عالية تجعل من الجهد الاستخباري الوقائي وتفكيك الخلايا في مهدها الضرورة الأمنية القصوى للمرحلة الحالية.

المشهد الأمني المعقد ... تقاطع التهديدات الإرهابية والتوترات المحلية

تشهد الجغرافيا السورية تصعيداً أمنياً معقداً تتداخل فيه التهديدات الإرهابية والجنائية مع التوترات العشائرية والتمرد الداخلي،  ففي محافظة حمص، أدى مقتل المدعو عمر المشهداني، المحسوب على وزارة الدفاع والمتهم بجرائم تصفية طائفية، إلى هجوم ذويه على مبنى إدارة المنطقة في تل الشور وتخريبه وإحراقه، مما أسفر عن اعتقال 7 متورطين وفرض حظر تجوال مؤقت شمل 9 قرى وهي المشاهدة ونويحة والحلبية وجديدة العاصي ورتية البحرة وخربة غازي وتل الشور ودنحة وعيصون، وتزامن ذلك مع إنجاز جنائي تمثل في تفكيك عصابة لسرقة السيارات مؤلفة من 4 أشخاص وضبط 4 مركبات مسروقة، فضلاً عن إصابة عنصر أمني واحد برصاص مشتبه بهم بالسرقة في حي السبيل.

وفي العاصمة دمشق وريفها، تدرجت الخروقات من إحباط مخطط إرهابي كبير بالتنسيق مع الاستخبارات التركية، مروراً بمطاردة أمنية بدأت بإطلاق نار من سيارة مجهولة في ساحة الأمويين وانتهت باعتقال المنفذ في حي المالكي ومطعم المنشية وسط نفي رسمي قاطع لشائعة محاولة اغتيال العميد عبد الرحمن الدباغ، وصولاً إلى إلقاء قنبلة يدوية واحدة على حاجز عش الورور من قبل فلول النظام السابق دون وقوع إصابات. في حين سجلت مدينة يبرود سابقة خطيرة تمثلت باعتقال عنصر أمني شكّل بمفرده عصابة من 6 أشخاص ملثمين، مما أثار وقفة احتجاجية شعبية ضد المسؤول الأمني في المدينة.

وعلى الصعيدين الشمالي والساحلي، تم تفكيك سيارة مفخخة واحدة كانت معدة للتفجير في محيط حي الشيخ مقصود بحلب، بينما أُحبطت أعمال تخريبية في طرطوس بعد اعتقال مجموعة من فلول النظام السوري ومصادرة عبوات ناسفة جاهزة للاستخدام، بالتزامن مع استهداف مباشر لدورية أمنية في بلدة بيت ياشوط بريف اللاذقية أسفر عن وقوع إصابات.

 أما في المنطقة الشرقية، فقد سُجل استنفار أمني حاد في الرقة إثر هجوم مزدوج بتفجير واشتباك مسلح بين دواري القادسية وأمن الدولة، ترافق مع إلقاء قنبلة على مبنى لوزارة الدفاع، وتدمير حراقات نفط بدائية في بادية شنان بعد رفض أصحابها إزالتها.

وفي الجنوب السوري، قُتل عنصران من الأمن الداخلي بانفجار لغم في مقر الفرقة التاسعة سابقاً بمدينة الصنمين، وألقيت قنبلتين يدويتين في بصرى الشام، في حين سَلّمت اللجنة الوطنية للتحقيق بأحداث السويداء تقريرها الصادم الذي استند إلى 769 استمارة توثيق، تضمنت 123 إفادة شاهد و437 إفادة ضحية، كاشفة عن حصيلة دموية بلغت 1760 ضحية و2188 مصاباً من جميع الأطراف.

الجريمة المنظمة ... استهداف الفئات الهشة وقطاعات الثروة

شهدت الساحة السورية تصعيداً حاداً في معدلات الجريمة المنظمة، حيث تصدرت عمليات السرقة والقتل تحت دافع السلب المشهد الجنائي العام. في مدينة حلب، قُتل المواطن عبد الحميد رحمو /66 عاماً، من ذوي الاحتياجات الخاصة/ طعناً في حي بستان القصر لسرقة مصاغ ذهبي، كما قُتلت السيدة مارال خشفجيان داخل منزلها وسط المدينة طعناً للهدف ذاته.

 وفي ريف اللاذقية، عُثر على طبيب الأسنان علي محمد أيوب /25 عاماً/ مقتولاً في عيادته بقرية قسمين، بينما تعرض مقام الخضر أبو العباس في دمسرخو للنبش والتخريب.

 أما في حماة، فقد فُجعت المدينة بمقتل شابة /19 عاماً/ بـ 12 طعنة بعد 20 يوماً من زواجها بدافع السرقة، فيما عُثر على الشاب علي عبد الحميد محمود مقتولاً على طريق اللاذقية، وسُجل اختطاف الطالب الجامعي جوزيف ميلاد في منطقة دمر بدمشق للمطالبة بفدية مالية كبيرة.

وفي قطاع استهداف الصاغة والعاملين بقطاع الذهب، قُتل الصائغ محمد سعد على طريق القطيفة-الضمير وسُلب ما بحوزته، وقُتل 3 شبان يعملون في بيع الذهب بمنطقة جنديرس بريف عفرين، وتعرض الصائغ بدر هاشم المشهور لإطلاق نار وسلب في سويدان جزيرة بدير الزور، بينما نجا الصائغ رائد العامودي من القتل لكنه سُلب ذهبه وأمواله أمام منزله في المخرم بريف حمص.

أحبطت إدارة مكافحة المخدرات تهريب 180 ألف حبة كبتاغون كانت مخبأة في أحذية وسروج خيل متجهة للسعودية، وتم إلقاء القبض على المدعو م. ج، كما أوقف شرطة المحطة بحمص السارق ع. ز وبحوزته 12 ألف دولار و124 غرام ذهب، وأُلقي القبض على علي عبيبو "متزعم في ميليشيا الطراميح" أثناء محاولته الفرار للبنان.

فيما شهدت قرية عياش بريف دير الزور مقتل مدين خلف الصالح وبشار عساف الخلف، وقُتل ماجد الشعلان في بلدة درنج إثر نزاع عشائري.

وفي حلب، أدى اشتباك عائلي في حي السكري لمقتل عنصر أمن وإصابة 3 مدنيين، بينما تسببت مشاجرة في حي الفردوس بمقتل شخص وحرق عدة منازل.

قُتل أحمد محمد فوزي الأحمد "الفرقة 80" على يد زوجته التي قطعت جثته في الدانا بإدلب، بينما سُجل مقتل الشاب يعرب يوسف معتوق /19عاماً/ تحت التعذيب والخنق في محل عمله بصحنايا، والعثور على جثة السائق إسماعيل مصطفى سفر مقتولاً في ريف حمص بعد استدراجه وسرقة سيارته، بالإضافة إلى مقتل الشاب خلف العكلة في الرقة برصاص مسلحين ظنوا خطأً أنه شخص آخر.

الجغرافيا الحدودية ... مهددات عابرة

أفادت مصادر أمنية عراقية بإطلاق ما لا يقل عن 7 صواريخ من بلدة ربيعة باتجاه قاعدة رميلان الأمريكية شمال شرقي سوريا، وقد ضُبطت منصة الإطلاق فوق شاحنة محترقة غرب الموصل.

 وفي دمشق وريفها، أحبط حرس الحدود في جرد فليطة محاولة تهريب أسلحة وذخائر عبر الحدود اللبنانية إثر كمين محكم أدى لاعتقال 4 أشخاص /بينهم لبنانيان/، في حين نفت مصادر رفيعة وجود خطة لدخول لبنان، مؤكدة أن الانتشار العسكري على الحدود دفاعي تماماً.

أما في الجبهة الجنوبية، فقد استمر التوغل الإسرائيلي المكثف بريف القنيطرة، حيث توغلت قوة مؤلفة من 50 جندياً و15 آلية في قرية كودنة ونفذت حملة تفتيش للمنازل واعتقلت شاباً صغيراً، كما تم اعتقال 4 صغار من قرية العشة أثناء رعيهم للمواشي، واحتُجز عدد من الشبان من موكب زفاف في رويحينة مع التعدي عليهم لفظياً. وامتد التحرك الإسرائيلي إلى ريف درعا عبر توغل قوة بآليات ودراجات /همر جبلي/ من ثكنة الجزيرة باتجاه وادي الرقاد وسد سحم، مما دفع أهالي قريتي معرية وكويا لقطع الطرق بالحجارة احتجاجاً على التوغلات المتكررة، بينما قصف المدفعية الإسرائيلية منطقة وادي الرقاد، فيما أوردت مصادر إعلامية عبرية خبراً يؤكد سقوط صواريخ من سورية في مناطق مفتوحة بالجولان.

وفي محافظة السويداء، برزت خطوات للتهدئة الاجتماعية عبر عملية تبادل موقوفين في بلدة المتونة بإشراف العميد حسام الطحان وحضور الصليب الأحمر الدولي، أُفرِج خلالها عن 61 موقوفاً مقابل تسلم الأمن الداخلي 25 موقوفاً. ميدانياً، تصدت القوى الأمنية لمحاولات تسلل لعصابات في محاور برد / بصرى الشام وريمة حازم، وشهد الريف الغربي اشتباكات عنيفة على محاور عريقة ونجران وداما ولبين، كما تعرضت دورية أمنية لهجوم مسلح على الحدود الإدارية مع درعا /بين أم ولد وجبيب/. وفي تطور جوي، استهدفت طائرة حربية أردنية شاحنة مخدرات وأسلحة جنوب قرية العانات، ترافق مع تحليق مروحي مكثف لتأمين الشريط الحدودي.

علي العبد المجيد
تمهيد يُشكّل دور البنى المجتمعية الوسيطة في سورية أحد المفاتيح الأساسية لفهم السياسات المحلية والوطنية،…
الثلاثاء آذار/مارس 24
نُشرت في  أوراق بحثية 
أيمن الدسوقي
تمهيد باتت عملية تشكيل مجلس الشعب في مراحلها الأخيرة، سيما عقب التطورات الأخيرة في شمال…
الخميس شباط/فبراير 26
نُشرت في  أوراق بحثية 
محسن المصطفى
ملخص تنفيذي شكّل سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة تأسيسية أعادت فتح سؤال…
الأحد شباط/فبراير 22
نُشرت في  أوراق بحثية 
محسن المصطفى
يفرض مرور عام على سقوط نظام الأسد وحل الجيش والأجهزة الأمنية السابقة اختباراً عملياً لفكرة…
الإثنين كانون1/ديسمبر 29
نُشرت في  مقالات الرأي