ملخص تنفيذي
- شكّل سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024 لحظة تأسيسية أعادت فتح سؤال "الجيش" بوصفه مؤسسة دولة لا ذراعاً سلطوياً. وفي سياق فراغ أمني وتعدد فصائلي تراكم خلال سنوات الثورة، جاءت وزارة الدفاع كأداة سيادية لتوحيد القرار العسكري، وحصر القوة المسلحة، وإعادة بناء التراتبية والانضباط ضمن منظومة واحدة.
- تعكس خطة وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة مقاربة متعددة المستويات: إجراءات لدمج الفصائل وتنظيم الرتب وتوزيع القوى، ومسارات استراتيجية لإعادة بناء التعليم العسكري، وتشكيل عقيدة وطنية ، والانتقال نحو نموذج "جيش أصغر وأكثر مهنية" قائم على التطوع، لا التجنيد الإلزامي بوصفه أداة ضبط اجتماعي.
- تمكنت وزارة الدفاع من دمج أكثر من 130 فصيلاً تحت مظلتها، مع تأكيد إلزامية الانخراط وعدم الاعتراف بأي خصوصيات مناطقية أو دينية أو عرقية داخل البنية العسكرية. بالمقابل، بقيت ملفات الدمج غير المكتمل خصوصاً ما يتعلق بمسار "قوات سوريا الديمقراطية" نقطة اختبار مركزية لوحدة السلاح وسلسلة القيادة، وأحد أهم محددات السيادة الأمنية في المرحلة الانتقالية.
- يُعد ملف الضباط المنشقين والتراتبية العسكرية أكثر مسارات الخطة حساسية، لأنه يمزج بين الاعتبار المهني والرمزي والسياسي. وتظهر الخطة محاولة موازنة بين إعادة تفعيل كفاءات نظامية منشقة وبين تأهيل قادة ميدانيين بخلفية مدنية عبر مسارات تدريبية تمنح الشرعية المهنية للرتبة، مع إبقاء "الاستثناءات" ضمن نطاق مقيد. نجاح هذا المسار مرتبط بقدرة الوزارة على تقليص الاستثناءات، وتوحيد معايير الترقية والتعيين، وبناء آلية تقييم شفافة لا تخضع لشبكات الوساطة أو المحاصصة المقنعة.
- تشير تجربة العمليات مطلع 2026 إلى انتقال تدريجي من "استخدام القوة" إلى "إدارة القوة" عبر انضباط أعلى، وتدرج في التنفيذ، وممرات آمنة، ومخرجات قانونية لمن يلقي السلاح. لكن هذا المكسب يظل هشاً ما لم يتحول الانضباط إلى سياسة مؤسسية دائمة عبر محاسبة ورقابة دائمة، وقواعد اشتباك، وضبط للمجال المعلوماتي داخل الوحدات.
- إقليمياً، تتحرك وزارة الدفاع ضمن بيئة قلقة تتطلب موازنة دقيقة: الاستفادة من شراكات تدريب وتبادل خبرات (تركيا/السعودية/مسارات تفاوض مع روسيا/تعاون ضد داعش) بوصفها رافعة لبناء القدرات، من دون الارتهان لأي محور، ومن دون تحويل الدعم إلى بوابة لتدخل سياسي في بنية الجيش.
- تمثل المرحلة الحالية فرصة تاريخية لتأسيس جيش وطني مهني خاضع للرقابة المدنية، قائم على الكفاءة لا الولاء. فنجاح الخطة مرهون بدمج العدالة الانتقالية مع الإصلاح العسكري، واعتماد معايير شفافة للتجنيد والترفيع، وضمان خضوع الجيش للدستور والقوانين والرقابة.
تمهيد
أعقب سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، دخول البلاد مرحلة انتقالية معقدة اتسمت بتفكك في البنى العسكرية والأمنية التقليدية للجيش والقوات المسلحة السابقة، قابله من الطرف المنتصر تعدد في الفصائل العسكرية التابعة للثورة والمعارضة ذات المرجعيات الإيديولوجية والسياسية والمناطقية المختلفة، وهو ما شكل لسنوات طويلة مهدداً استراتيجياً للثورة ولانتصارها العسكري لاحقاً، خصوصاً أن محاولات طويلة من توحيدها أو دمجها ضمن كيانات أكبر باءت بالفشل أكثر من مرة.
سارعت القيادة الجديدة إلى ترفيع عدد من الضباط العسكريين ممن شغل مناصب قيادية في الفصائل العسكرية المشاركة في غرفة عمليات "ردع العدوان" ومن ثم تعيين وزير للدفاع وبدء مشاورات موسعة مع مختلف تلك الفصائل بما فيها فصائل الجيش الوطني لإعادة هيكلة وزارة الدفاع، وذلك في محاولة لخلق مركزية للقرار العسكري وتوحيد السلاح تحت سلطة الدولة الجديدة. وقد مثّل المهدد الأبرز في غياب مؤسسة عسكرية موحدة أحد أهم تحديات هذه المرحلة، ما دفع إلى بلورة جهود رسمية لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، والعمل على بناء جيش وطني قادر على فرض الاستقرار والمساهمة في مشروع الدولة الجديدة.
لاحقاً، بعد أشهر من الاجتماعات والمشاورات كانت قد بدأت بوادر الجيش الجديد في الظهور للعلن، من خلال تأسيس فرق عسكرية جديدة بتسميات مختلفة عن الجيش السابق، وكذلك تسمية قادة ثوريين كقادة لتلك الفرق بعد منحهم رتب استثنائية بالإضافة لتعيين ضباط على ملاك تلك الفرق، وكذلك ترفيع ضباط آخرين بعضهم من المنشقين سابقاً وتسميتهم في مناصب قيادية في مختلف الوحدات العسكرية.
وفي هذا الإطار والجهود المبذولة ضمن إعادة الهيكلة، قدم وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة خلال مقابلة متلفزة بتاريخ 26 أيار/مايو 2025، ملامح أولية لخطة إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية السورية. شملت الخطة محاور متعددة أبرزها: دمج الفصائل العسكرية ضمن هيكلية الوزارة، وتحديث نظام التدريب العسكري، وتفعيل الضباط وصف الضباط المنشقين، وبناء عقيدة وطنية جديدة، بالإضافة إلى ضبط السلاح وتطوير منظومة الرتب والترقيات([1]). ولا تُعبّر هذه الخطوات فقط عن محاولة تقنية لإعادة تشكيل الجيش، بل تمثل في جوهرها مقاربة سياسية لإعادة بناء واحدة من أهم وأخطر المؤسسات التي كانت في قلب الصراع العسكري السوري منذ بداية الثورة السورية بشكل فعلي وقبلها في قلب الصراع السياسي منذ الاستقلال تقريباً.
تهدف هذه الورقة إلى تحليل مضمون الخطة التي طرحتها وزارة الدفاع، وقراءتها ضمن السياق السياسي والمؤسساتي الجديد في سورية ما بعد الصراع، مع التركيز على فرص نجاحها والعقبات البنيوية التي قد تعيق تنفيذها، من خلال تفكيك مدلولاتها السياسية والأمنية، وربطها بمسألة بناء الدولة والحوكمة المدنية للقطاع العسكري نظراً لأهميته في مستقبل الدولة وشكل مؤسستها العسكرية.
السياق السياسي والعسكري لإعادة الهيكلة
مثلت لحظة سقوط النظام السوري نهاية مرحلة اتسمت بتمركز السلطة في يد أجهزة أمنية وعسكرية مغلقة، حكمتها بمنطق الولاء الطائفي وكذلك السياسي والعقائدي أكثر من الكفاءة والاحتراف. ومع حلّ هذه الأجهزة، وجدت البلاد نفسها أمام فراغ أمني واسع، سرعان ما ملأته عشرات الفصائل المسلحة التي نشأت خلال سنوات الثورة، وتفاوتت في بنيتها التنظيمية، ومرجعياتها الأيديولوجية، ومدى التزامها بضبط السلاح تحت سلطة الدولة الجديدة. هذا التعدد، وإن كان تعبيراً عن المشاركة الواسعة في إسقاط النظام، إلا أنه حمل معه دائماً خطر التنازع والفوضى، وهدد إمكانية بناء مؤسسة عسكرية موحدة.
أمام هذا الواقع، شكّل تأسيس وزارة دفاع جديدة إحدى أبرز ركائز بناء الدولة الجديدة، ليس فقط بوصفها جهازاً تنفيذياً، بل كأداة لفرض السيادة وتوحيد القرار العسكري. وقد وضعت الوزارة بعد تأسيسها أمام تحدٍ مزدوج: من جهة، استيعاب الفصائل بأيدولوجيتها المختلفة والتي سبق أن قاتلت النظام وضمان عدم تهميشها، ومن جهة أخرى، فرض انضباط مؤسساتي ينقل الجيش الجديد من حالة التشظي الثوري إلى حالة الاحتراف النظامي. ويُعد هذا التحول شديد الحساسية، بالنظر إلى التوازنات المحلية والإقليمية، وإلى الحاجة الملحة لتفادي أي انقسامات جديدة داخل البنية العسكرية الوليدة.
كانت قد أعلنت إدارة العمليات العسكرية في سورية بتاريخ 24 كانون الأول/ديسمبر 2024، أنها توصلت إلى توافق يقضي بحل جميع الفصائل العسكرية استعداداً لدمجها تحت مظلة وزارة الدفاع، وذلك عقب لقاءات جمعت قائدها – آنذاك – أحمد الشرع بقادة الفصائل العسكرية الثورية([2]).
تمهيداً لذلك، عينت القيادة العامة المهندس مرهف أبو قصرة وزيراً للدفاع بعد ترفيع لرتبة لواء في حكومة تيسير الأعمال([3])، كما عيين علي نور الدين نعسان بمنصب رئيس هيئة الأركان العامة بعد ترفيعه أيضاً لرتبة لواء([4]). وبعد هذا التعيين مباشرة، بدأت وزارة الدفاع بعقد جلسات تنظيمية مع القيادات العسكرية للفصائل للبدء بعملية انخراطها في الوزارة. عُقدت مئات الاجتماعات منذ 4 كانون الثاني/يناير 2025، بما فيها اجتماعات مع فصائل "الجيش الوطني السوري" التابع للحكومة المؤقتة سابقاً، أو فصائل من السويداء، أو "جيش سوريا الحرة"، حيث أبدت أغلب تلك الفصائل استعدادها للانضمام إلى الجيش الجديد تحت مظلة وزارة الدفاع الوليدة.
كما أصدر القائد العام أحمد الشرع بتاريخ 29 كانون الأول/ديسمبر 2024 قراراً بترفيع مجموعة من الضباط إلى رتب مختلفة تحت شعار "بناء جيش وطني قوي وفعال". أثار هذا القرار جدلاً واسعاً، خاصة بسبب إدراج ضباط أجانب من غير السوريين، ضمن المرفعين. واعتبر البعض أن هذا الإجراء غير قانوني، أو أن القيادة العامة قد منحت هؤلاء الأجانب الجنسية السورية([5])، استناداً إلى تصريح سابق للشرع تحدث فيه عن إمكانية منح الجنسية للمقاتلين الأجانب الذين ساهموا في دعم الثورة([6]).
لاحقاً، طالبت وزارة الدفاع بالاطلاع على لوائح بأسماء عناصر وقادة الفصائل العسكرية واختصاصاتهم، وكذلك قوائم بالمعدات والآليات العسكرية التي بحوزتهم، ليتم توزيعها بطريقة مناسبة لإعادة الهيكلة. كما رفضت الوزارة أي طرح يشير إلى خصوصية دينية أو جغرافية أو عرقية لأي فصيل عسكري، رداً على مقترح قدمته بعض الفصائل العسكرية في درعا لوضع خصوصية مناطقية لها، بالإضافة لرفض أي خصوصية لدمج "قسد" أيضاً ككتلة واحدة، وذلك في ظل المفاوضات التي جرت قبل التوصل لاتفاق عام بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي بتاريخ
10 آذار/مارس 2025([7]) وقبل العمليات العسكرية التي جرت في بداية عام 2026 والتي أنهت وجود قسد العسكري في عدد كبير من المناطق التي كانت تسيطر عليها لسنوات([8]).
على مسار موازٍ، تم العمل على استيعاب عدد كبير من الضباط المنشقين عن جيش النظام ضمن الهيكلية الجديدة، للاستفادة من خبراتهم ووضعهم في مناصب تتناسب مع رتبهم العسكرية وسنهم وحالتهم الميدانية على أن تكون الأولوية في البداية للضباط العاملين في الفصائل العسكرية ثم الضباط المنشقون الموجودون خارج البلاد. أما القادة العسكريون من ذوي الخلفية المدنية فسيخضعون لدورات في الكليات العسكرية لتأهيلهم كضباط. تجدر الإشارة إلى أن وزارة الدفاع تعمل على تكوين جيش محترف قائم على التطوع بدلاً من الاعتماد على الخدمة الإلزامية، التي لم يُبت بأمرها بشكل نهائي حتى الآن.
وبدا بشكل واضح بأن وزارة الدفاع لا تتجه إلى دمج الفصائل العسكرية ككتل صلبة داخل هيكلية الجيش. بدلاً من ذلك، سيتم توزيع العسكريين من هذه الفصائل حسب الاختصاص والحاجة ضمن قطاعات عملهم الجديدة وأن عمليات الدمج الحاصلة حتى الآن هي عمليات مؤقتة وضرورية بالتزامن مع المرحلة الانتقالية.
على الرغم من الخطوط العريضة المرتبطة بالخطة المعلنة إلا أنه من غير الواضح ما هي الآلية المتبعة أو الخطة الموضوعة لذلك، خصوصاً أن تحديات جمة ما زالت موجودة أمام الإدارة السورية الجديدة ككل. ما زال تحدي وجود قوات خارج سلسلة القيادة والأوامر كـ "قوات سوريا الديمقراطية" كقوة عسكرية تابعة لـ "الإدارة الذاتية"، أو حالات استعصاء لفصائل عسكرية محلية في الأطراف، كحالة الاستعصاء في السويداء، خصوصاً بعد أحداث المحافظة التي جرت بعد 13 تموز/يوليو 2025 وتعنت حكمت الهجري ومحاولته الاستئثار بقرار المحافظة ككل واستجلاب التدخل الإسرائيلي.
تزامنت جهود وزارة الدفاع مع انخراطٍ دولي في الملف السوري، حيث أبدت عدة دول فاعلة مثل تركيا والسعودية والأردن وحتى بريطانيا في عدد من الجوانب اهتماماً مشروطاً بدعم مشاريع إعادة الهيكلة العسكرية والأمنية، شريطة مراعاة مبادئ الشفافية، وعدم حدوث انتهاكات وإرساء أسس خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية.
مع ذلك، لا تزال التجربة السورية محكومة بإرث ثقيل من عسكرة السياسة وتسييس الجيش وكذلك خلفية متنوعة للفصائل العسكرية بالإضافة للمشاكل والتحديات التي ما زالت قائمة، ما يجعل عملية إعادة البناء رهينة بتوازن دقيق بين استحقاقات المرحلة الانتقالية، وضرورات الاستقرار الأمني، ومتطلبات الإصلاح البنيوي طويل الأمد.
قراءة في ملامح خطة وزارة الدفاع
تعد خطة وزارة الدفاع التي عرضها وزير الدفاع أول تصور رسمي عام لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية في سوريا ما بعد الصراع، وقد جاءت في وقت دقيق تحاول فيه الدولة الوليدة فرض منطق المؤسسات على واقع ما زال يملك سمات من التشظي والتسلح غير المنضبط. كشفت مضامين الخطة عن مقاربة متعددة المستويات، تجمع بين إجراءات فورية لدمج الفصائل وتنظيم الرتب والمناصب، وخطوات استراتيجية لتطوير البنية التعليمية والعقيدة العسكرية. وفيما يلي تحليل لأبرز محاور الخطة، مع قراءة في دلالاتها العملية والتحديات المحيطة بها.
توحيد القيادة العسكرية وجمع السلاح
مثّل الإعلان عن دمج أكثر من 130 فصيلاً عسكرياً ضمن هيكلية وزارة الدفاع خطوة بالغة الأهمية في مسار إعادة بناء وهيكلة وزارة الدفاع([9]). فقد تم شرح الهيكل التنظيمي الجديد لهذه الفصائل، وجرى نقل تبعيتها بشكل مباشر إلى الوزارة، مع تأكيد واضح على أن الانضمام ليس اختيارياً، بل إلزامياً، وأن أي فصيل يرفض الاندماج سيُعتبر خارج إطار الدولة. يعكس هذا التوجه سعياً حثيثاً لإنهاء مرحلة "اللامركزية العسكرية" التي تكرست خلال سنوات الحرب، وتثبيت سلطة الدولة على القرار العسكري، إلا أن حجم الفصائل وتباين خلفياتها العقائدية والتنظيمية يطرح تساؤلات حقيقية حول قدرة الوزارة على ضمان انضباطها الفعلي ضمن بنية موحدة.
إن عملية تجميع الفصائل من أصعب العوائق لتوحيد القيادة العسكرية سواء على المستوى العام أو على المستوى الفردي، وما زالت بعض الحالات تطفو على السطح كل فترة، وهي نتيجة طبيعة خلال السنة الأولى من عملية التوحيد، ومرشحة للاستمرار حتى فترة قادمة ريثما تترسخ القيم المؤسساتية بشكل أعمق وتنتقل من الأعلى إلى الأسفل لتتحول لالتزام مباشر وعرف مؤسساتي موروث([10]).
رغم شمول غالبية الفصائل العسكرية في خطة الدمج، أشار الوزير إلى أن مسار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) يُدار بشكل منفصل، استناداً إلى "اتفاق عام" بين الطرفين. هذا الاستثناء يسلط الضوء على صعوبة مشروع التوحيد الشامل، ومازالت قسد خارج الإطار المؤسسي للوزارة. ورغم أن الفصل المؤقت قد يكون ضرورياً لأسباب تفاوضية، إلا أن استمراره يحد من قدرة وزارة الدفاع على فرض سيادتها الكاملة، ويؤجل استحقاقاً سيادياً مركزياً يتعلق بوحدة القيادة والسلاح.
أما فيما يتعلق بضبط السلاح فإن ضبطه يعد أحد المرتكزات الأساسية لنجاح أي عملية لإعادة بناء الدولة، وخصوصاً في سياق ما بعد الصراع، حيث تنتشر الأسلحة بشكل واسع خارج سلطة المؤسسات الرسمية. وفي هذا الإطار، كشف وزير الدفاع عن وجود مسودة قانون يجري العمل عليها بالتعاون مع وزارة الداخلية، تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة وتنظيم حيازته. ورغم أن مجرد الشروع في صياغة هذا القانون يعد تطوراً مهماً، إلا أن فعاليته ستعتمد على القدرة التنفيذية للأجهزة المكلفة، ومدى التزام القوى المسلحة المندمجة به، فضلاً عن توفير آليات واضحة للرقابة والمحاسبة تمنع إعادة تدوير السلاح ضمن شبكات التهريب أو الأجهزة شبه الرسمية، وكذلك تنظيم حيازة السلاح المتفلت من المدنيين.
تواجه عملية ضبط السلاح تحديات بنيوية تتجاوز صياغة القانون إلى قدرة الدولة فعلياً على فرضه في الميدان. فالكثير من الفصائل المسلحة ما تزال تحتفظ بترسانات خاصة، بعضها موزع في مستودعات غير معلنة أو بحوزة قيادات ميدانية لها نفوذ اجتماعي أو مناطقي أو حتى مذهبي. كما أن انتشار السلاح الفردي بين المدنيين، وغياب نظام ترخيص فعال، يعقد مهمة حصره قانونياً.
يضاف إلى ذلك خطر تشكل أسواق موازية لبيع وشراء الأسلحة، ما يتطلب تعاوناً وثيقاً بين الدفاع والداخلية. ولعل التحدي الأبرز يكمن في الربط بين نزع السلاح من جهة، وتوفير ضمانات قانونية ومجتمعية للعناصر المقاتلة من جهة أخرى، بما يمنع انزلاقهم نحو العنف أو الاقتصاد غير المشروع.
أيضاً يتمثل التحدي بعد المعارك التي حصلت في بداية عام 2026 في إغلاق المجال أمام البنى الموازية عند إدارة العلاقة مع القوى التي لم تستكمل عملية دمجها أو التي ما زالت تملك سلسلة قيادة وأجهزة أمن وإدارة مستقلة وعلى رأسها ما تبقى من "قوات سوريا الديمقراطية". هنا لا يكفي إعلان الدمج؛ المطلوب مسار عملي يتعامل مع التفاصيل الصلبة: جرد السلاح والذخيرة، ترقيم الأسلحة الفردية، ضبط المستودعات، توحيد الاتصالات العسكرية، قواعد الاشتباك، آليات التنسيق على نقاط التماس، ومركز عمليات مشترك خلال المرحلة الانتقالية يمنع "الالتباس القتالي" والحوادث.
أما التحدي الآخر فهو تحدي الاستدامة العملياتية أمام تهديدات متحولة بالتوازي مع إعادة بناء الجيش: بقايا شبكات مسلحة، وخلايا تخريبية كفلول النظام أو تنظيم داعش، واحتمالات تموضع محلي تستفيد من الفراغات ومن هشاشة الضبط. معالجة ذلك تتطلب قدرات تقنية لا شعارات: بناء استخبارات عسكرية مهنية، منظومة إنذار مبكر، أمن حدود، وحدات مكافحة تمرد خفيفة الحركة، وتدريب على عمليات مشتركة بين البر والاستخبارات والأمن الداخلي.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاوز ملف نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج "DDR" لأنه شرط تقني لتقليل "فائض السلاح" خارج المؤسسة، ولحماية الجيش من الاستنزاف عبر خصوم غير نظاميين. ولضمان بقاء المؤسسة، يلزم أيضاً إصلاح سلسلة الإمداد والصيانة (قطع الغيار، الورش، الذخيرة، الوقود)، وتوحيد معايير الشراء والتعاقد، وبناء احتياط منظم، وربط الانضباط بسلسلة محاسبة واضحة. بهذه الأدوات فقط يمكن منع العودة إلى منطق الفصائلية بلباس مؤسسي، وتحويل الجيش الوليد إلى قوة وطنية قابلة للقياس والتطوير، لا مجرد مظلة اسمية.
ملف المنشقين والتراتبية العسكرية
يشكل ملف الضباط المنشقين أحد أكثر القضايا حساسية في عملية إعادة بناء الجيش السوري، لما ينطوي عليه من تداخل بين البعد القانوني، والسياسي، والرمزي. ووفق ما أوضحه الوزير، فقد تم تصنيف الضباط المنشقين إلى فئتين: الأولى تضم نحو 2200 ضابط بقوا في صفوف الفصائل بعد انشقاقهم، وقد تم تفعيل أكثر من نصفهم حتى الآن، بينما تشمل الفئة الثانية الضباط الذين انشقوا ولم ينخرطوا في العمل العسكري لاحقاً، وقد بدأت عملية استقطابهم لإعادة تفعيلهم، حيث تم تفعيل 2000 ضابط حتى الآن من أصل 3000 ضابط منشق تمت مقابلتهم وهي عملية مستمرة لم تتوقف حالياً([11]).
هذه المقاربة تظهر سعياً لاستعادة الكفاءات العسكرية ذات الخبرة، وتوظيفها ضمن بنية الجيش الجديد، إلا أنها تصطدم بتحديات تتعلق بالثقة، ومساءلة الماضي، ومدى تقبل الضباط العائدين للتراتبية الجديدة التي قد تضعهم في مواقع أدنى من دورهم السابق. ولمعالجة الفروقات بين الضباط النظاميين المنشقين والقادة العسكريين المنبثقين عن الفصائل الثورية، اعتمدت وزارة الدفاع صيغة مزدوجة للترفيع توازن بين المعيار القانوني والكفاءة الميدانية. فبالنسبة للضباط المنشقين، يُنظر في ملفاتهم ضمن لجنة مختصة تعتمد سجلاتهم الرسمية ورتبهم واختصاصاتهم، على أن تراعى حالات الاستثناء وفق برنامج تسوية خاص.
أما القادة الثوريون، فيُشترط التحاقهم بالكلية العسكرية واجتياز التدريب للحصول على رتبة ملازم، ثم ينظر لاحقاً في ترقيتهم استثنائياً بناءً على ثلاثة معايير: النجاح في الكلية، عدد سنوات القتال والخدمة، والمسمى الوظيفي الذي يتطلب رتبة معينة. ورغم أن هذه الآلية تبدو منصفة على الورق، إلا أن تطبيقها يطرح تساؤلات حول من سيتحكم في معايير التقييم، ومدى قدرة الوزارة على تفادي التجاذبات أو الشبكات السابقة التي قد تقوض بناء تراتبية مهنية فعلية.
وفيما يتعلق بصف الضباط المتطوعين المنشقين عن نظام الأسد فقد أعلنت الوزارة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2025 عن بدء استقبال طلبات العودة للجيش لصف الضباط المتطوعين المنشقين، حيث بدأ قسم كبير منهم بمراجعة شعب التجنيد في المحافظات ليتم فرزهم وفق اختصاصاتهم، حيث تسعى الوزارة لدمج خبرة صف الضباط المنشقين مع العسكريين الجدد ونقل هذه الخبرة لهم. ومن المتوقع بأن تستقبل الوزارة حوالي 4 آلاف طلب من صف الضباط ممن يرغبون بالعودة([12]).
أما مسألة التراتبية والرتب العسكرية فتمثل إحدى أكثر الإشكاليات تعقيداً في سياق إعادة هيكلة الجيش، نظراً للحالة التي رافقت نشوء الفصائل المسلحة، وتنوع قادتها ما بين قادة ضباط منشقين أو قادة ثوريين من المدنيين، ومنحت هيئة تحرير الشام رتباً للضباط بعد إخضاعهم لدورات عسكرية في الكلية العسكرية التي تم تأسيسها سابقاً في إدلب.
تدرك وزارة الدفاع حساسية هذه المسألة، ولذلك ربطت منح الرتب بمسارين متوازيين: تسوية الوضع القانوني، وإصدار قانون ناظم للعملية. ومع ذلك، أقرّ الوزير بوجود "حالات استثنائية" يجري التعامل معها خارج هذا الإطار، وهو ما يفتح الباب أمام إمكانية تكرار التجاوزات السابقة، ويضعف من صدقية الإصلاح إذا لم تضبط تلك الحالات بآليات شفافة ومقيدة زمنياً.
يحمل تنظيم الرتب العسكرية بعداً رمزياً يتجاوز الجانب الإداري، إذ يعبر عن ترتيب الشرعية داخل المؤسسة الجديدة، ويؤسس لتوازنات القوة داخل الجيش الوليد. فبين ضابط منشق يحمل خبرة طويلة، ولكنه انقطع عن الخدمة النظامية، وقائد ميداني شارك في معارك مفصلية دون خلفية أكاديمية، تبرز الحاجة لتأسيس سلم تراتبي يعترف بالخبرة والمساهمة دون الإخلال بمنطق المؤسسة. هنا، تبدو لجنة الترفيع المعلن عنها اختباراً فعلياً لقدرة الوزارة على إنتاج معايير موضوعية غير خاضعة للمحاباة أو المحاصصة الفصائلية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه دون إشراف قانوني واضح ورقابة تتأكد من تطبيق المعايير بشفافية عالية.
رغم الطابع الطموح لخطة وزارة الدفاع، إلا أن تطبيقها يصطدم بجملة من التحديات البنيوية والسياسية، أولها تحدٍ على صعيد التماسك الداخلي ضمن البنية العسكرية الجديدة، حيث تتفاوت خلفيات المنتسبين بين ضباط مهنيين انشقوا في وقت مبكر، وقادة فصائل ثورية راكموا نفوذاً ميدانياً، وعناصر التحقت حديثاً بدافع وظيفي أو أمني. هذا التنوع، وإن كان يعكس طيفاً واسعاً من التجارب، إلا أنه يحمل في طياته بذور تنافس على المكانة والقرار داخل الجيش الوليد. وقد تتحوّل معايير الترفيع والتعيين إلى ساحات صراع غير معلنة، إن لم تُدار بمنظومة واضحة وشفافة عبر تشريعات موحدة قابلة للتطبيق على الجميع تحت نفس المعايير. وفي حال فشلت القيادة العسكرية ومن خلفها القيادة السياسية في فرض تراتبية مهنية قائمة على الكفاءة والولاء للمؤسسة، فإن الجيش الموحد قد ينزلق تدريجياً إلى حالة من التكتلات الداخلية التي تعيد إنتاج منطق الفصائلية بلباس مؤسسي.
نحو جيش احترافي وبناء عقيدة عسكرية جديدة
منذ بدايات تأسيس وزارة الدفاع، بدا أن التوجه نحو بناء جيش احترافي يمثل تحولاً جذرياً في فلسفة المؤسسة العسكرية بعد عقود من الاعتماد على التجنيد الإلزامي بوصفه أداة للضبط الاجتماعي والسياسي أكثر من كونه آلية لبناء قوة مهنية. وقد أعلن الوزير عن الاعتماد على نموذج يعتمد على جنود متطوعين بدلاً من الإلزاميين يتم اختيارهم وفق ثلاثة معايير: السلامة الجسدية، وخلو السجل من الجرائم الشائنة، وشرط العمر.
يعكس هذا التغيير توجهاً نحو بناء جيش أصغر وأكثر انضباطاً، قادر على أداء مهامه ضمن عقيدة مهنية، إلا أن نجاح هذا النموذج يظل مرهوناً بقدرة الوزارة على توفير الحوافز الكافية للتطوع، وعلى فرز العناصر بشكل موضوعي، بعيداً عن الاعتبارات المناطقية أو السياسية التي لطالما ميزت عمليات التطويع في عهد نظام الأسد على أساس طائفي قائم على الولاء لا الكفاءة.
في موازاة التحول نحو التجنيد الاحترافي، أولت وزارة الدفاع اهتماماً خاصاً لإعادة تفعيل وتطوير البنية التعليمية العسكرية، عبر إنشاء عشر كليات عسكرية جديدة، وتحديث مناهجها لتواكب "علوم العصر"، بحسب وصف الوزير. وقد اعتبر هذا التحديث ضرورياً، نظراً لما آلت إليه الكليات العسكرية في عهد النظام السابق من تهالك بنيوي واعتماد مناهج مؤدلجة متقادمة.
يتجاوز تطوير الكليات مجرد البنية التحتية، ليشمل بناء جهاز تدريبي مهني واستقطاب كفاءات أكاديمية قادرة على إنتاج ضباط ذو تأهيل متكامل. ومع ذلك، فإن استدامة هذا المسار تقتضي خطة طويلة الأمد لضمان جودة التعليم العسكري، وربطه بمسارات الترقية الوظيفية، بما يمنع تحوله إلى مجرد بوابة شكلية لمنح الرتب.
لاحقاً، أعلنت وزارة الدفاع عن إدراج الكليات العسكرية (الحربية، الجوية، البحرية) ضمن المفاضلة العامة لحملة الشهادة الثانوية وفق عدد من الشروط والضوابط العامة([13])، كما شاركت وزارة الدفاع عبر أركان الكليات العسكرية، في فعاليات ملتقى "وجهتك الأكاديمية" في عدد من المحافظات السورية، والذي أشرفت عليه وزارة التعليم العالي، بهدف مساعدة الطلاب على اختيار تخصصاتهم المستقبلية، حيث أكدت وزارة الدفاع على دور المؤسسة العسكرية في دعم مسيرة الشباب التعليمية والمهنية([14]).
أعلن وزير الدفاع عن نية الوزارة بناء عقيدة عسكرية جديدة تقوم على حماية الحدود والشعب السوري، في تحول لافت عن العقيدة السابقة لجيش نظام الأسد البائد التي تأسست على الولاء الحزبي والوظيفة القمعية الداخلية. حيث يكتسب الحديث عن العقيدة العسكرية معنى أكثر عمقاً إذا أُخذت بعين الاعتبار تحولات الفاعلين الذين شكلوا نواة القوة المسلحة المنتصرة، وفي مقدمتهم هيئة تحرير الشام، فمنذ 2017، اتجهت الهيئة تدريجياً مع المحافظة على القيم الأساسية التي كانت عليها من منطق شرعية أيديولوجية إلى مقاربة أكثر تمحوراً حول المجال السوري، عبر ضبط تنظيمي أعلى، وخطاب محلي، وأدوات حوكمة وخدمات تمنحها شرعية داخلية، بما يدل على أن "العقيدة" منظومة يمكن إعادة هندستها حين تُربط بالتدريب والتعليم، والتوجيه المعنوي، والانضباط والمحاسبة.
وبحسب خطة الوزارة فإن هذا التوجه يشير إلى رغبة في إعادة تعريف دور الجيش كمؤسسة وطنية شاملة، عابرة للانقسامات الأيديولوجية والمناطقية، ومهمتها الأساسية حماية السيادة والدستور، لا الدفاع عن سلطة بعينها. إلا أن ترجمة هذا المفهوم إلى منظومة عقائدية فعلية يتطلب أكثر من مجرد إعلان سياسي، بل يحتاج إلى مراجعة شاملة للبرامج التعليمية العسكرية، وخطاب التوجيه المعنوي، وآليات الترقية والانضباط، بما يضمن اتساق سلوك الضباط والجنود مع القيم الجديدة التي يُفترض أن تمثلها هذه العقيدة.
ينطوي تبني عقيدة وطنية على إعادة تعريف وظيفة الجيش في الدولة السورية الجديدة، حيث لم يعد مقبولاً أن يُستخدم كأداة للضبط السياسي أو القمع الداخلي، كما كان الحال في الحقبة السابقة. ووفق ما جاء في تصريح الوزير، فإن أحد أهداف العقيدة الجديدة هو الإسهام في "الحفاظ على السلم الأهلي"، ما يطرح تساؤلات حول حدود تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن الداخلي، وما إذا كانت ستلعب دوراً تكاملياً مع قوى الأمن الداخلي، أم أنها قد تعود للانخراط في وظائف شرطية غير منوطة بها أصلاً. ويزداد هذا التساؤل أهمية في ظل البيئة الاجتماعية الهشة، وتعدد الانقسامات المجتمعية والعرقية والطائفية، ما يتطلب حذراً شديداً في ضبط العلاقة بين العقيدة العسكرية وبين وظيفة الجيش داخل الدولة، كي لا تتحول "حماية السلم الأهلي" إلى مبرر جديد للتدخل الأمني المفرط.
على هذا الأساس، فإن العقيدة الوطنية الشاملة للجيش السوري ينبغي أن تُبنى كإطار جامع يذيب الخبرات المتباينة في معيار واحد: حماية السيادة والدستور والشعب ضمن القانون، والحياد تجاه الانقسامات الطائفية والعرقية والمناطقية والسياسية، مع ترجمة ذلك إلى أدوات تشغيلية واضحة (مناهج الكليات، قواعد اشتباك، تعريف حدود دور الجيش في الداخل مقابل الأمن، وتوجيه معنوي يمنع تسييس السلاح). بهذه الصياغة تصبح العقيدة وطنية لأنها توحد معنى القوة ووظيفتها داخل مؤسسة واحدة، لا لأنها تتجاهل تنوع الخلفيات، بل لأنها تضبطه بمعيار قانوني ومؤسسي واحد.
الأداء العملياتي والانضباط الميداني
بعد مرور عام على تأسيس الجيش الجديد، جاءت المعارك التي خاضها في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب والريف الشرقي وصولاً للجزيرة مطلع عام 2026 كمحك عملي لمستوى الانضباط والاحتراف الذي سعت وزارة الدفاع لترسيخه في صفوفه. فقد حرصت وزارة الدفاع خلال هذه العمليات على التخطيط الدقيق والتدرج الحذر في التنفيذ، ودقة الاستهداف، وفتح ممرات آمنة، وإدارة الإجلاء بالتنسيق مع مؤسسات الدولة، ومنح مخارج قانونية لمن يلقي السلاح لتقليل الخسائر وقطع الطريق على سرديات الانتقام، بهدف تحييد مسلحي قسد وضمان سلامة المدنيين إلى أقصى حد([15]).
هذه العمليات العسكرية كانت مؤشراً واضحاً على انتقال تدريجي من استخدام القوة إلى إدارة القوة مع ارتفاع ملحوظ في الانضباط والانصياع للتعميمات ومدونة السلوك والنشرات المسلكية الصادرة عن وزارة الدفاع. هذا التحول يتجاوز البعد التكتيكي إلى بعد بنيوي في العلاقة المدنية العسكرية، لأن نجاح العمليات داخل بيئات مأهولة لم يعد يقاس بحسم الجبهة وحدها، بل بقدرة المؤسسة على تثبيت الأمن دون إنتاج خصومة اجتماعية جديدة، عبر تحييد المجتمع عن المعركة وضبط المجال قبل الاشتباك (كما في إعلان مناطق عسكرية مغلقة أو تحديد نقاط كأهداف عسكرية سيتم استهدافها) بما يقيد الاجتهاد الفردي ويرفع قابلية المساءلة.
ومع ذلك، يظل النموذج معرضاً للاهتزاز بفعل تفلتٍ محدود قد يقرأ اجتماعياً كسلوك مؤسسة ويستثمر سياسياً لاستعادة خطاب التخويف أو استدعاء التدخلات، ما يجعل سرعة المحاسبة وحزمها شرطاً لحماية المكاسب، وهو ما أشير إليه عبر توقيف المخالفين من قبل الأمن والشرطة العسكرية. ولتثبيت الانضباط كسياسة دولة مستدامة، تتلخص التوصيات في أربع ركائز مترابطة:
- تفعيل المساءلة كأداة ردع داخلي عبر تفتيش ميداني فعّال وتوثيق منضبط وعقوبات متدرجة وربط مسؤولية القائد بسلوك عناصره،
- فتح قنوات شكاوى مدنية آمنة وسريعة مرتبطة بالشرطة العسكرية والسلطات المحلية،
- تعميق التدريب على قواعد الاشتباك وحماية المدنيين وإدارة الحشود وترسيخ أن ضبط الغضب جزء من القوة،
- ضبط المجال المعلوماتي والإعلامي داخل الوحدات لأن الفوضى الرقمية تسبق الفوضى الميدانية.
يمثل الانضباط الذي ظهر فرصة لإعادة تعريف علاقة الجيش بالمجتمع على أساس القانون لا الخوف، بشرط تحويله إلى ثقافة مؤسسية تقرن الخطاب بالفعل وتتعامل مع المخالفة كتهديد للأمن الوطني لا كخطأ فردي. إن هذه الإنجازات العسكرية المحققة بانضباط واحترافية، عززت من هيبة الدولة وكرست الثقة بقدرة الجيش السوري المُعاد هيكلته على فرض الأمن والاستقرار دون الارتداد إلى ممارسات الماضي([16]).
وبذلك أثبتت المؤسسة العسكرية في مرحلتها الجديدة أنها بدأت تتحول فعلاً إلى جيش وطني محترف يخضع للمساءلة ويلتزم بحماية كافة مكونات الشعب السوري ضمن إطار القانون، ويمثل ترجمة سابقة للعقيدة العسكرية التي تحدث عنها وزير الدفاع السوري سابقاً.
العلاقات العسكرية المدنية ضمن الإطار الدستوري لإعادة الهيكلة
لا يمكن قراءة خطة وزارة الدفاع لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية بوصفها عملية تقنية لدمج الفصائل وإعادة توزيع القوى فحسب؛ إذ تتصل الخطة مباشرة بإعادة تأسيس العلاقة المدنية العسكرية في سورية ما بعد 2024([17])، وبالسؤال الجوهري: كيف يُبنى جيش وطني محترف يحمي الدولة والمجتمع من دون أن يتحول إلى مركز نفوذ سياسي، وكيف تُمنع عودة الفصائلية بلباس مؤسسي؟ هنا يوفر الإعلان الدستوري إطاراً مرجعياً أولياً لتقييد القوة المسلحة، وربط استخدامها بمنطق الدولة وسيادة القانون، عبر تحديد وظيفة الجيش، وحصر السلاح بيد الدولة، وتقييد إعلان الحرب والطوارئ بضوابط مؤسسية ضمن منظومة قرار أعلى.
يظهر هذا الإطار توجهاً نحو "السيطرة المدنية الموضوعية" عبر مبدأين: احتكار الدولة للقوة، وتثبيت وظيفة الجيش كمؤسسة وطنية محترفة تخدم أهدافاً سيادية محددة (حماية البلاد ووحدة الأراضي) ضمن التزام قانوني يحمي الحقوق. كما أن ربط التعبئة والحرب والطوارئ بمسار مؤسسي يمر عبر مجلس الأمن القومي يخلق، نظرياً، منصة لصنع القرار المشترك توازن بين مقتضيات الأمن ومتطلبات الشرعية. غير أن فعالية هذا الترتيب تتوقف على منع انزلاقه إلى شخصنة القرار أو تحويل الاستثناءات الانتقالية إلى أعراف دائمة؛ أي تحويل "الثقة السياسية" من علاقة بين أشخاص إلى قواعد عمل وإجراءات واضحة تحدد الصلاحيات وتضبط تدفق المعلومات وتمنع قيام سلاسل موازية.
ضمن أدبيات العلاقات المدنية العسكرية، يمكن فهم هذا التحدي عبر عدستين تحليليتين: الأولى: نموذج الوصاية والثانية: نموذج الوكالة. يفترض نموذج الوصاية تقارباً في الغايات بين المدنيين والعسكريين، ويصوغ العلاقة كشراكة مؤسساتية تتمحور حول هدف وطني جامع؛ وهو ما يبدو ملائماً في مرحلة انتقالية تسعى إلى إنهاء الفصائلية وتثبيت احتكار الدولة للقوة وبناء الجيش. أما نموذج الوكالة فينطلق من افتراض تباين الأهداف واختلال المعلومات، ويركز على الرقابة والامتثال والمساءلة لضبط سلوك المؤسسة العسكرية؛ وهو مفيد في ردع الانحرافات، لكنه قد ينتج بيروقراطية رقابية تبطئ القرار، وتدفع نحو قنوات التفاف غير رسمية إذا زاد التحكم التفصيلي أو تسيست أدوات الرقابة.
في السياق السوري، تبدو الصيغة الأكثر واقعية: نموذجاً هجيناً يوازن بين شراكة هدف واضحة (وصاية) وبين آليات مساءلة قابلة للإنفاذ (وكالة) من دون تحويل العلاقة إلى إدارة شك دائم. عملياً، يعني ذلك تثبيت مركز ثقل العلاقة في ثلاث ركائز مترابطة: منصة قرار مشتركة على مستوى الدولة تنتج القرار الأمني والدفاعي ضمن حدود دستورية وقانونية وتوثيق مهني للرأي العسكري؛ سلسلة قيادة موحدة تمنع ازدواجية الأوامر والقنوات الموازية وتربط السلطة بالمسؤولية والانضباط؛ وعقيدة مكتوبة تحول "الخطاب الوطني" إلى معايير تشغيلية تحكم التدريب والتعليم والتوجيه المعنوي وقواعد الاشتباك وحدود دور الجيش في الداخل مقابل دور قوى الأمن.
يساعد هذا التأطير على فهم جوهر خطة وزارة الدفاع: دمج الفصائل وتوحيد الرتب ليسا هدفين بذاتهما، بل مدخلان لضمان وحدة السلسلة القيادية ومنع إعادة إنتاج التكتلات. وبناء العقيدة الوطنية ليس إعلاناً رمزياً، بل آلية لمنع تعدد المرجعيات داخل المؤسسة عبر تعريف وظيفة القوة وحدودها. كما أن ربط الشرعية العسكرية بالأداء والانضباط والكفاءة والجاهزية لا بالولاء أو النفوذ يعد شرطاً لبناء ثقة اجتماعية مستدامة، وبخاصة في بيئة ما بعد الصراع حيث يمكن لأي تفلت محدود أن يقرأ كسلوك مؤسسة ويستثمر سياسياً. وبذلك تصبح خطة إعادة التنظيم العسكري جزءاً من بناء الدولة ذاتها: احتكار القوة ضمن القانون، وعلاقة مدنية عسكرية تدار بالمأسسة لا بالظرف، وتتكامل مع مسارات إصلاح القطاع الأمني "SSR" والتسريح نزع السلاح وإعادة الدمج"DDR"، بما يقلل فائض السلاح ويغلق المجال أمام عودة الفصائلية أو عسكرة السياسية.
إعادة الهيكلة في محيط إقليمي قلق
منذ تأسيسها تخضع وزارة الدفاع لعملية إعادة تعريف جذرية تتجاوز مجرد تغيير الأسماء والقيادات، لتصل إلى صلب عقيدتها العسكرية وتحالفاتها الدولية، لإعادة بناءها وفق مصالح وطنية بالدرجة الأولى. حيث يُظهر المسار الحالي تحولاً استراتيجياً نحو بناء مؤسسة عسكرية "وطنية" غير مسيّسة، تهدف أولوياتها إلى حفظ الأمن الداخلي، ومكافحة الإرهاب، وإعادة بناء العلاقات مع فاعلين دوليين وإقليميين كانوا في معسكر الخصوم عدا إيران بالوقت الحالي.
شهدت العلاقة مع تركيا انعطافاً طبيعياً نحوها حيث تم تتويج العلاقة بهذه المرحلة بـ "اتفاق تعاون عسكري" وكان هذا الاتفاق حجر الأساس في التوجه الجديد للوزارة، ولم يقتصر هذا التعاون على التنسيق لـ "مكافحة الإرهاب" على الحدود، بل امتد ليشمل برامج تدريب متقدمة وتبادل خبرات تهدف إلى "إصلاح القطاع الأمني" و"إعادة هيكلة الجيش"([18]). حيث سعت الوزارة من خلال هذا الاتفاق إلى الاستفادة من الخبرة التركية في بناء جيش احترافي، وتوحيد الفصائل العسكرية المختلفة تحت مظلة الوزارة نظراً للعلاقة الجيدة التي تتمتع بها تركيا مع مختلف الفصائل العسكرية سابقاً.
وفي إطار موازنة العلاقات العسكرية قامت الوزارة بإيفاد عدداً من الطلاب الضباط إلى كل من تركيا والسعودية وذلك في إطار إيصال رسالة واضحة بأن سورية عموماً والوزارة خصوصاً منفتحة على التعاون المتوازن مع الدول الحليفة، بالتوازي مع سعي الوزارة إلى تنمية الكفاءات وتأهيل كوادر تمتلك المعرفة بأحدث منظومات الأسلحة وأساليب الحرب الحديثة([19]).
اللافت أيضاً، قدرة الدولة السورية على التعامل مع الإرث العسكري الروسي، فمن التبعية في عهد الأسد إلى إعادة التفاوض حيث تبدو العلاقة مع موسكو أكثر تعقيداً وتتجه نحو "إعادة التفاوض" بدلاً من "الإلغاء"، خصوصاً أن روسيا كانت لعقود الحليف التقليدي الأبرز للجيش السوري، وبالرغم من حالة العداء السابقة بين روسيا والثورة السورية إلا أن هناك علاقة مصالح تبدو واضحة بين الطرفين، حيث أجريت عشرات الاجتماعات بين الطرفين وعدة زيارات رسمية وجرى بحث سبل تعزيز العلاقات الدفاعية وتوسيع برامج تبادل الخبرات والتدريب المشترك في مجالات عديدة. وأكد الطرفين أهمية التعاون في تطوير مناهج التدريب العسكري وإعادة تأهيل كوادر الجيش، بما ينسجم مع المصالح المشتركة ويحفظ الدور الروسي الإستراتيجي في سورية([20]). أيضاً، تدرك وزارة الدفاع أن الوجود العسكري الروسي خاصة في قاعدتي حميميم وطرطوس هو أمر واقع يتطلب معالجة دبلوماسية وعسكرية بمقاربة أمنية واسعة. حيث تشير المعلومات إلى أن المفاوضات والزيارات الجارية لا تتمحور حول تعاون عسكري بشكل جديد فقط، بل يمتد ليصل إلى تحديد مستقبل الوجود الروسي في سورية، وبالتالي مصير العلاقة بين البلدين([21]).
من جهة أخرى، فإن التعاون مع الولايات المتحدة يبدو بأنه يدخل مرحلة جديدة وانتقال نوعي من "قائمة الإرهاب" إلى "شريك لمحاربة الإرهاب" حيث يمثل الانخراط السوري في "التحالف الدولي لمحاربة داعش" تحولاً جيوسياسياً هو الأكثر أهمية. هذا التعاون، الذي بدأ بتبادل المعلومات الاستخباراتية وتوج بقرار الانضمام الرسمي، يأتي كجزء من استراتيجية الحكومة لتقديم نفسها كشريك موثوق في الحرب العالمية على الإرهاب.
أيضاً يشكل التدخل الإسرائيلي قيداً بنيوياً على إعادة بناء الجيش السوري، خصوصاً أنه استهدف ما تبقى من المقدرات الثقيلة وفرض واقعاً ميدانياً في الجنوب عبر توغل واحتلال مواقع حاكمة في قمة جبل الشيخ ورسائل تثبيت بعدم الانسحاب منه. عملياً، هذا لا يفرض تحدياً سيادياً فقط، بل يفرض تحدياً عملياتياً لإعادة انتشار الجيش هناك عبر فرض منطقة خالية من السلاح الثقيل وتقييد محتمل لنوعية التسليح المسموح جنوب دمشق، مع مؤشرات إلى إمكان نقل القيود لاحقاً إلى مستوى أوسع عبر الضغط على مسارات استيراد السلاح. ونتيجةً لذلك، تصبح معضلة وزارة الدفاع مزدوجة: الحفاظ على حضور سيادي ضمن سلسلة قيادة واحدة من دون الاصطدام بقيود مفروضة، وبناء قدرات بديلة أقل حساسية للمنع، كقوة خفيفة عالية الحركة، استطلاع وإنذار مبكر، اتصالات وسيطرة مرنة، وتسليح منخفض البصمة بما يمنع تحويل الجنوب إلى فراغ أمني أو منطقة محظورة على الدولة بحكم الأمر الواقع.
بشكل عام، يعكس نمط التعاون الدولي الجديد لوزارة الدفاع السورية هدفاً أعمق من مجرد الحصول على السلاح أو التدريب. الهدف هو استخدام هذه الشراكات التركية، الأمريكية، الروسية، والعربية كرافعة لإعادة تموضع وزارة الدفاع على ساحة التعاون الدولي العسكري، وكذلك بناء علاقات مدنية عسكرية في الداخل تُسهم في مسعى الوزارة، بالتحول إلى مفهوم الجيش الوطني وإلى مؤسسة دفاعية مهمتها حماية الدولة والمواطن، وخاضعة للمساءلة، وهو الشرط الأساسي لضمان استقرار سوريا المستقبلي.
خاتمة
عموماً، يمكن القول بأن هناك ست تحديات رئيسية متشابكة وتؤثر بشكل مباشر في عملية البناء إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية أولاً: تحديات داخلية متعلقة بتوحيد القيادة العسكرية وجمع السلاح وتفكيك البنى الموازية ومنع تشكل مناطق نفوذ خارج التراتبية الوطنية، ثانياً: إدارة ملف المنشقين والتراتبية العسكرية بطريقة متوازنة تضمن الحقوق وتمنع التنافس وتقصي الشبكات غير الرسمية. ثالثاً: بناء جيش احترافي وعقيدة عسكرية جديدة جامعة وشاملة ضمن الأطر الوطنية. رابعاً: الأداء العملياتي والانضباط الميداني وعدم تكرار أخطاء الماضي. خامساً: بناء علاقات عسكرية مدنية متوازنة، وترسيخ الثقة الموجودة حالياً لتتحول إلى عرف مؤسساتي متوارث. سادساً: إعادة الهيكلة في محيط إقليمي قلق ومرتبط بدول الإقليم بشكل مباشر أو دول أخرى على المستوى العالمي.
وعلى الرغم من التحديات البنيوية التي تحيط بخطة وزارة الدفاع، إلا أن اللحظة الانتقالية الحالية تتيح أيضاً فرصاً نادرة لبناء مؤسسة عسكرية مهنية ومتماسكة. فللمرة الأولى منذ عقود، تتاح إمكانية تأسيس جيش بعيد عن هيمنة حزب سياسي أو جهاز أمني، ما يسمح بوضع أسس جديدة لعقيدة عسكرية قائمة على الولاء للدولة لا للنظام. كما أن الانخراط الواسع للفصائل الثورية في إسقاط النظام، وما راكمته من خبرات ميدانية، يمكن أن يُوظف ضمن إطار مؤسساتي إذا أُحسن دمجه وتدريبه، وهو ما يعد فرصة لإنتاج نواة عسكرية بخبرة قتالية عالية، وانتماء وطني واضح.
يمثل توحيد القوى المسلحة تحت مظلة وزارة الدفاع فرصة استراتيجية لإنهاء حالة التعددية القسرية في القرار العسكري، والتي كانت أحد أبرز مصادر التهديد بعدم الاستقرار. فمن شأن انضواء جميع الوحدات ضمن قيادة مركزية واحدة أن يعيد للدولة احتكارها المشروع للقوة، ويضع حداً لاستخدام السلاح كأداة للتفاوض أو الضغط السياسي. كما يمكن أن يساهم هذا التوحيد في تسهيل مهمة الحكومة في ضبط الأمن، وبناء ثقة مجتمعية تدريجية بالمؤسسة العسكرية، لا سيما في حال ترافق مع ممارسات مهنية ومنضبطة على الأرض تعكس القطيعة مع إرث الجيش العقائدي والأمني السابق.
تُعد الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية فرصة أساسية لترسيخ طابعها الوطني، وتثبيت مبدأ خضوعها للسلطة المنتخبة، لا العكس. فبناء آليات للمساءلة البرلمانية، وتحديد حدود تدخل الجيش في الحياة العامة، وتفعيل دور المجتمع المدني في مراقبة أدائه، يمكن أن يشكل ضمانة ضد الانحراف مجدداً نحو التسييس أو الانغلاق المؤسسي. كما أن اعتماد معايير واضحة وشفافة للترقيات والتمويل والإيفاد، وربطها بالنتائج والسلوك المهني، سيعزز من استقلالية المؤسسة عن التجاذبات، ويعيد بناء الثقة بها كمؤسسة وطنية تعبر عن الشعب السوري بكل أطيافه، لا عن فئة أو منطقة أو خطاب سياسي بعينه.
إن خطة إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية السورية، تمثل خطوة بالغة الأهمية في مسار بناء الدولة بعد الصراع، لكنها تظل في جوهرها مشروعاً سياسياً بقدر ما هي عملية تقنية. فنجاح الخطة لا يرتبط فقط بقدرتها على الدمج والتأهيل وإعادة الترتيب، بل بمدى اتساقها مع رؤية أوسع لبناء دولة القانون، وتجاوز إرث التسلط الأمني والعقائدي. ومن هنا، فإن الإصلاح العسكري ينبغي ألا يكون بمعزل عن مسارات العدالة الانتقالية، والحوكمة الأمنية، وإعادة توزيع السلطات داخل الدولة الجديدة، بما يضمن أن تكون المؤسسة العسكرية أداة للاستقرار، لا عامل تهديد له.
انطلاقاً مما سبق، ينبغي ضرورة ربط خطة إعادة التنظيم العسكري بمنظومة دستورية وقانونية واضحة تحدد مهمة الجيش وأهدافه وكذلك صلاحياته بالإضافة لإخضاعه للرقابة المدنية، وكذلك اعتماد معايير موحدة وشفافة في ملفات الترقيات والتجنيد لضمان تكافؤ الفرص وقطع الطريق على المحاصصة ولو بشكلها المقنع. كما ينبغي تعزيز التنسيق بين وزارتي الدفاع والداخلية لضمان نزع السلاح بشكل منضبط وشامل. وأخيراً، التعامل مع العقيدة العسكرية بوصفها أداة لإعادة بناء الانتماء الوطني، لا مجرد تعليمات وظيفية، بما يسمح بإرساء ثقافة أمنية جديدة تضع الإنسان السوري، في مركز أولويات المؤسسة العسكرية.
([1]) "مقابلة مع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة"، قناة الإخبارية السورية، تاريخ النشر: 26/05/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4p9oZju
([2]) "الشرع يتفق مع قادة الفصائل السورية على الاندماج في وزارة الدفاع"، الجزيرة نت، تاريخ النشر: 24/12/2024، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4ou5ZMB
([3]) "مرهف أبو قصرة.. وزير الدفاع السوري بعد خلع الأسد"، الجزيرة نت، تاريخ النشر: 31/12/2024، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4oCUsL3
([4]) "علي نور الدين النعسان رئيس هيئة الأركان السورية الجديدة"، الجزيرة نت، تاريخ النشر: 11/01/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/47ELCXe
([5]) عمر زقزوق، "ترقيات الضباط تثير جدلاً بين السوريين"، الجزيرة نت، تاريخ النشر: 30/12/2024، رابط إلكتروني: https://bit.ly/49gDFIY
([6]) جانبلات شكاي، "الشارع السوري.. بين مرحب بتجنيس مَن قاتل إلى جانب الثوار وبين قلق على السلم الأهلي والتعايش المشترك"، القدس العربي، تاريخ النشر: 04/06/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3OsJFpk
([7]) "نص الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)"، الجزيرة نت، تاريخ النشر: 10/03/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/43sMb3H
([8]) "العملية العسكرية شرقي الفرات قراءة في الأدوار العسكرية والمحلية والإعلامية"، مسداد: المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع ، تاريخ النشر: 01/02/2026، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4adQ8vO
([9]) "مقابلة مع وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة"، مرجع سابق.
([10]) "الدفاع السورية إلى محاسبة المخالفين للضوابط المسلكية شمال شرقي سوريا"، صحيفة الشرق الأوسط، تاريخ النشر: 22/01/2026، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3M7lzQs
([11]) "إعادة دمج الضباط المنشقين"، وزارة الدفاع السورية، تاريخ النشر: 04/11/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3LzB0jA
([12]) "الدفاع تحدد موعد استلام طلبات صف الضباط المنشقين"، عنب بلدي، تاريخ النشر: 07/11/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4qSfxCL
([13]) "شروط الانتساب إلى الكليات العسكرية"، وزارة الدفاع السورية، تاريخ النشر: 07/09/2025، موقع إلكتروني: https://bit.ly/3WTG6cX
([14]) "وزارة الدفاع تشارك في فعاليات ملتقى وجهتك الأكاديمية"، وزارة الدفاع السورية، تاريخ النشر: 14/09/2025، موقع إلكتروني: https://bit.ly/3LX33cP
([15]) محسن المصطفى، "انضباط الجيش السوري وضوح المعيار وضرورة الاستدامة"، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر: 27/01/2026، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4a7VSXT
([16]) محسن المصطفى، "انضباط الجيش السوري وضوح المعيار وضرورة الاستدامة"، مرجع سابق.
([17]) محسن المصطفى، "العلاقات المدنية العسكرية في سوريا أمام مسارٍ شاقّ نحو توازنٍ مؤسسي"، مسداد: المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع، تاريخ النشر: 08/09/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4mUQ3Cf
([18]) "سوريا وتركيا توقعان اتفاقية تعاون عسكري"، سانا، تاريخ النشر: 12/08/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4nV6tua
([19]) "وزارة الدفاع توفد بعثة طلاب ضباط للدراسة في تركيا والسعودية"، الإخبارية السورية، تاريخ النشر: 22/10/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3LE9VvC
([20]) "وزير الدفاع ينهي زيارة رسمية إلى روسيا"، الإخبارية السورية، تاريخ النشر: 31/10/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4p9m1LV
([21]) ساشا العلو، صبا عبداللطيف، "بين الإرث الثقيل والتحوّلات الجيوسياسية.. الانعطافة السورية الروسية: الدوافع والفرص والعقبات"، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تاريخ النشر: 07/10/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/3WTPygr