ملخص عام

يستعرض هذا التقرير أهم الأحداث السياسية والأمنية والاقتصادية في سورية خلال شهر حزيران، حيث شهدت الجغرافيا السورية تصعيداً أمنياً في مختلف مناطق النفوذ، بدءً بالتصعيد الروسي في إدلب، وازدياد وتيرة العمليات الأمنية لتنظيم داعش في شرق سورية، وصولاً إلى زيادة ضحايا عمليات الاغتيال واندلاع اشتباكات بين فصائل محلية ومليشيات تابعة لقوات النظام في درعا. أما على الصعيد السياسي فاستمر النظام بمحاولات تعزيز الانفتاح على المحيط العربي وتثمير هذا التقارب باتفاقات اقتصادية، في ظل الرفض الغربي لمحاولات التطبيع أو رفع العقوبات دون خطوات جدية من طرف النظام. اقتصادياً؛ لايزال استنزاف الليرة السورية وانخفاض قيمتها مستمراً نتيجة السياسات الاقتصادية والمالية لنظام الأسد، مما ينعكس سلباً على القدرة الشرائية للسوريين ويزيد معاناتهم، لا سيما مع ارتفاع الأسعار قبيل عيد الأضحى المبارك. في حين استكملت المجالس المحلية والمنظمات المدنية في شمال سورية تنفيذ العديد من مشاريع التعافي المبكر في عدد من القطاعات الحيوية أبرزها قطاع الصناعة.

ارتفاع مؤشرات عدم الاستقرار الأمني

تعرضت مناطق عدة في إدلب لقصف جوي ومدفعي من قبل النظام وروسيا، وذلك على الرغم من الرعاية الروسية للمحادثات التركية مع النظام، إذ يستمر الواقع الأمني والعسكري المعقد ميدانياً كعامل لا يقل أهميةً عن الإرادة السياسية اللازمة لتحقيق تقدم على مستوى إنجاز تفاهمات أو اتفاقات تقنية، لا سيما مع تطوُّر القدرات العسكرية للفواعل المحلية في ظل استمرار الاستعصاء، الأمر الذي تجلَّى مؤخراً بقدرة فصائل عسكرية في ريف اللاذقية الشمالي على استهداف مدينة القرداحة بواسطة طائرة مسيرة أدت لمقتل شخص وإصابة آخر.

من جهة أخرى، قامت الأجهزة الأمنية التابعة لـ "هيئة تحرير الشام" باعتقال أكثر من 80 شخصاً اتهمتم بـالتعامل والتخابر لصالح جهات معادية، من بينهم شخصيات بارزة في جهاز "الأمن العام" وبعض الألوية العسكرية والإعلام الرديف. بالمقابل، تسعى الهيئة لإحداث اختراق في الاستعصاء الراهن على المستوى المحلي وتوسيع مساحات مناوراتها، وهو ما يتضح بقيامها بفتح قنوات تواصل مع قسد انعكس على أرض الواقع بتفاهمات اقتصادية بخصوص توريد مادة الفيول.

وفي شمال شرق سورية، تبنى تنظيم داعش أكثر من 24 عملية أمنية استهدفت "قوات سوريا الديمقراطية" والمتعاونين معها وأدت لمقتل 11 شخصاً وإصابة 26 بجروح متفاوتة بحسب بيانات التنظيم. وكان نشاط التنظيم قد انخفض خلال الشهور السابقة نتيجة العمليات الاستباقية للتحالف الدولي بالتعاون مع قوات قسد قبل أن يتصاعد مجدداً في شهر حزيران، على الرغم من قيام التحالف بأربعة عمليات إنزال في المنطقة خلال هذا الشهر أسفرت إحداها عن اعتقال قيادي في التنظيم في جنوب الحسكة، كما تحطمت مروحية عسكرية أمريكية وأصيب 22 جندياً حسب ما أعلنت عنه القيادة الأمريكية، وفي دير الزور وقعت اشتباكات عشائرية في 12 نقطة في عموم المحافظة وأسفرت عن قتلى وجرحى.

إضافة إلى ذلك، أعلنت الإدارة الذاتية عزمها إجراء محاكمات علنية، من طرفها، لآلاف المقاتلين الأجانب من عناصر التنظيم المعتقلين لديها. حيث يشكل ملف معتقلي التنظيم وعوائلهم المحتجزين في مخيمات وسجون غير مؤهلة عبئاً على الإدارة الذاتية بعد سنوات من احتجازهم دون محاكمة، لاسيما مع تصاعد هجمات تنظيم داعش في شمال شرق سورية والخوف من تكرار سيناريو اقتحام سجن الصناعة في الحسكة مطلع العام الماضي. في الوقت الذي لم تتجاوب الدول المعنية لدعوات استلام المحتجزين الذين يحملون جنسياتها، إضافة إلى العقبات القانونية التي تمنع إقامة محاكمات بإشراف دولي في مناطق لا تخضع لسلطة معترف بها.

من جهة أخرى، وفي سياق استمرار رفضها الاعتراف بالإدارة الذاتية واعتبارها كياناً "إرهابياً" يتبع لحزب العمال الكردستاني PKK؛ واصلت تركيا استهداف قيادات وعناصر الإدارة، حيث شن الطيران التركي المسيَّر غارة جوية استهدفت سيارة تقل قادة "مجلس مقاطعة قامشلو" شرق القامشلي، مما أدى لمقتل الرئيسة المشتركة للمجلس "يسرى درويش" ونائبة الرئاسة المشتركة "ليمان شويش" والسائق "فرات توما"، وإصابة الرئيس المشترك للمجلس "كابي شمعون".

أما عن درعا، فلا تزال مؤشرات فشل المصالحات والتسويات التي يروج لها النظام واضحة، فمن جهة أولى تشهد المحافظة سيطرة حالة الفوضى الأمنية، حيث قُتل 30 شخصاً في عمليات اغتيال، بالإضافة إلى 8 آخرين في حوادث أمنية متفرقة على مدار الشهر، إضافة إلى الاشتباكات المسلحة والتي كان آخرها اشتباك بين مجموعات محلية وميليشيات تابعة للنظام قرب معبر نصيب على الحدود السورية الأردنية، ناهيك عن استمرار عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود الأردنية عن طريق معبر نصيب. ومن جهة ثانية تدل زيادة معدلات هجرة الشباب -التي قاربت ما كان الحال عليه عقب التسويات في 2018 و2021- على فشل النموذج، إذ يخشى الشباب الملاحقة الأمنية من قبل النظام إضافة إلى المخاوف من انعكاسات الوضع الأمني المتردي في ظل تفشِّي ظاهرة الاغتيالات، الأمر الذي أدى إلى وفاة أكثر من 100 شخص من المحافظة غرقاً قبالة السواحل اليونانية في منتصف شهر حزيران.

نظام الأسد بين التقارب العربي والضغوط الغربية

قام النظام السوري بتعين سفير له في الجامعة العربية، وزار وزير خارجيته كلاً من العراق والسعودية حيث تم الاتفاق على استئناف التعاون الاقتصادي بين سورية والدول العربية. من جهته استقبل بشار الأسد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، وأكد على ضرورة "عدم تسيس ملف عودة اللاجئين"، كما طالب بتوفير متطلبات إعمار البنى المتضررة في القرى والمدن التي سيعودون إليها، وتأهيل المرافق الخدمية بمختلف أشكالها، مما يشير بوضوح الى رفض النظام المضي قدماً في استحقاقات العودة الآمنة للاجئين، لاسيما تلك المتعلقة بإيقاف الملاحقات الأمنية، وضبط وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، والإفراج عن المعتقلين وإصلاح النظام القضائي، وتوجهه عوضاً عن ذلك لاستثمار هذا الملف في الضغط على المجتمع الدولي لتحقيق مكاسب اقتصادية ورفع العقوبات المفروضة عليه.

وفي سياق استمرار الموقف الغربي الرافض للتطبيع، رفعت كل من كندا وهولندا دعوى قضائية مشتركة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي ضد نظام الأسد لارتكابه جرائم تعذيب وانتهاك القانون الدولي. وتثير هذه التحركات تساؤلات جوهرية حول جدوى التطبيع العربي مع النظام، ومدى قدرة بعض الدول العربية على إعادة تأهيل الأسد أو تخفيف العقوبات عنه في ظل فقدانها لأدوات تأثير حقيقية على الأرض في سورية.

من جهة أخرى، انتهت الجولة 20 من اجتماعات أستانا حيث حمل البيان الختامي نقاط مثيرة للاهتمام؛ منها "رفض جميع العقوبات الانفرادية التي تنتهك القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة بما في ذلك جميع الإجراءات الانتقائية والإعفاءات المتعلقة بمناطق معينة من سوريا"، الامر الذي قد ينذر بتبلور موقف تركي يؤيد رفع العقوبات أو تخفيفها عن نظام الأسد. إضافة إلى ترحيب المجتمعين في أستانا بموافقة النظام على إدخال المساعدات من معبري الراعي وباب السلامة وذلك في تأكيد على رفض أية تحركات لتجاوز موافقة النظام وروسيا بعد انتهاء التمديد في آب 2023.

وفي شمال شرق سورية، أعلن كل من "مجلس سوريا الديمقراطية" وهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، التوافق حول بناء جبهة معارضة تتبنى" مشروع التغيير الوطني الديمقراطي"، وتضمنت الوثيقة المشتركة المعلنة خمسة مبادئ أساسية لإنجاح حل سياسي بمشاركة "القوى السياسية الوطنية الديمقراطية" وفق قرار مجلس الأمن 2254.

سياسات اقتصادية تعمق معاناة السوريين

لا تزال الليرة السورية تشهد انخفاضات متوالية وصلت إلى 9250 ليرة مقابل الدولار الواحد، نتيجة السياسات الاقتصادية والمالية المتبعة من قبل حكومة النظام، وفي سبيل إعادة الاستقرار لليرة والأسعار ومنع تهريب العملة الصعبة من البلد؛ أصدر مجلس النقد والتسليف قراراً سمح بموجبه للقادمين إلى سورية بإدخال مبالغ مالية تصل إلى 500 ألف دولار فيما لا يسمح للمغادر بإخراج مبلغ يتجاوز 10 آلاف دولار أو ما يعادلها من العملات الأجنبية.

أما عن الأوضاع المعيشية؛ فقد استمرت معاناة السكان من ارتفاع الأسعار تزامناً مع عيد الأضحى حيث سجل سعر طبق البيض 30 ألف ليرة في محافظة درعا و33-   34ألف ليرة في محافظتي حماة ودمشق، في حين يبلغ متوسط راتب الموظف الحكومي 100 ألف ليرة شهرياً! فيما وصل سعر الأضحية إلى 3 ملايين ليرة في بعض المناطق لتسجل أسعار الخراف ارتفاعاً قدره 6 أضعاف خلال عام واحد، يأتي ذلك وسط كساد شهدته الأسواق نظراً لعدم قدرة المواطنين على الشراء بسبب ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية. وقد أشارت عدة تقارير إلى انخفاض حجم الحوالات الخارجية إلى سورية بمقدار 3 مرات خلال عيد الأضحى مقارنة بما كانت عليه في عيد الفطر الماضي، بينما أحجمت حكومة النظام عن تقديم أي منحة مالية أو زيادة في الرواتب قبيل عيد الأضحى. وكانت وزارة المالية في حكومة النظام قد قدرت معدلات التضخم لعام 2022 بـ 100% ولعام 2023 بـ 104.7% فيما بلغ التضخم بين عامي 2011 – 2023 حوالي 16 ألف بالمئة.

وفي مناطق المعارضة، حددت الحكومة المؤقتة وحكومة الإنقاذ، سعر القمح القاسي بـ 330 دولاراً للطن الواحد في حين أصبح سعر القمح الطري 285 دولاراً للطن الواحد، وقد خيّب هذا السعر معنويات الفلاحين في المنطقة مقارنة بسعر العام الماضي الذي بلغ 450 دولاراً، إذ يعد هذا السعر أقل بـ 100 دولار من تسعيرة "الإدارة الذاتية" بينما يبلغ 222 دولاراً في مناطق سيطرة النظام، وقد يؤدي ذلك إلى إحجام الفلاحين في مناطق المعارضة عن بيع محاصيلهم للحكومة أو التجار، كما قد يدفع المزارعين لاستبدال محصول القمح بآخر يدر أرباحاً أكثر في حال بقاء التسعيرة على حالها.

وفي إطار مشاريع التعافي المبكر، استكملت المجالس المحلية وبعض منظمات المجتمع المدني تنفيذ العديد من المشاريع في عدة قطاعات حيوية، حيث افتتح المجلس المحلي في مارع مدينة صناعية جديدة تضم 50 معملاً جاهزاً و100 قيد التجهيز. وفي مدينة الراعي تم إيصال محولة رئيسية للمنطقة الصناعية بهدف تهيئة البنى التحتية للمشاريع، كما شارك وزير المالية والاقتصاد في الحكومة السورية المؤقتة "عبد الحكيم المصري" في افتتاح معمل خاص بحليب الأطفال المجفف في المنطقة الصناعية في المدينة.

أما عن مناطق الإدارة الذاتية، فقد شهدت مدينة الحسكة مظاهرة شارك فيها مئات المواطنين احتجاجاً على نقص مادة الغاز المنزلي، وسط ارتفاع أسعارها في الآونة الأخيرة بالسوق السوداء إلى نحو 150 ألف ليرة سورية ما يشكل ضعف السعر النظامي. كما شهد سوق عامودا إغلاق مكاتب وشركات الحوالات وصرف العملات؛ احتجاجاً على الشروط الجديدة للتراخيص والتي تتطلب ضمانات مالية وشروطاً لتجهيز المكاتب تتجاوز إمكاناتهم. وفي قرار جديد قوبل بالرفض والاستهجان من قبل التجار اعتمدت إدارة الجمارك في الإدارة الذاتية، نظاماً جمركياً جديداً لشحنات الخضار والفواكه الداخلة عبر المعابر الداخلية إلى منطقة الإدارة الذاتية، حددت الجمارك بموجبه رسوم البطاطا والبندورة والبصل الأخضر بـ 3 دولارات أمريكية والبصل اليابس بـ 10 دولارات والثوم بـ 20 دولاراً للطن الواحد، كما حددت قيمة رسوم إدخال شحنات الفاكهة التي لا تنتجها المنطقة كالكرز بـ 6 دولارات والموز بـ 16 دولاراً والأناناس 60 دولاراً للطن الواحد، الأمر الذي سينعكس على أسعار هذه السلع ويخفض القدرة الشرائية للأهالي ويرفع معاناتهم.

أخيراً، سجل فوج الإطفاء في مقاطعة الحسكة أضرار حرائق المحاصيل منذ بداية 2023، بحوالي 370 دونماً في الأرياف التابعة إدارياً لمقاطعة الحسكة، و418 دونماً من الأراضي المزروعة في مقاطعة القامشلي.

التصنيف تقارير خاصة

ملخص تنفيذي

  • هدفت الدراسة إلى التعرف على المحددات الحاكمة لنجاح المشروعات المتناهية الصغر، وتشخيص واقعها في الشمال السوري، والتعرف على نسبة تأثير كل من هذه المحددات في نجاح أو فشل المشروعات المتناهية الصغر. أضف إلى ذلك محاولتها التعرف على الفاعلين الرئيسيين ذوي الصلة بهذه المشروعات وتلمس دورهم وإسهاماتهم في هذا الصدد.
  • تفتقد مناطق الشمال السوري في الجانب الحوكمي لوجود قوانين ناظمة ومتخصصة بالمشروعات المتناهية الصغر، مع وجود تباين عبر المناطق المختلفة في آلية الترخيص لهذه المشروعات، ومستوى التهرب الضريبي. إلى جانب غياب استراتيجية واضحة محددة المعالم لتنمية هذه المشروعات لدى السلطات المحلية، وتدني مستوى الدعم المقدم من قبلها، مع تباين ذلك في المناطق المختلفة تبعاً للإمكانات الفنية والمالية والاستشارية لها. ولوحظ كذلك شيوع ظاهرة الاحتكار والتقليد، وغياب تسجيل العلامات التجارية. وظهور حالات تمييز في تقديم الخدمات العامة لأصحاب هذه المشروعات في بعض المناطق.
  • على الجانب الاقتصادي والمالي، يشكل المناخ الاستثماري العام في هذه المناطق، والذي ما يزال دون المستوى المطلوب، معوقاً في جذب الاستثمارات في مستوياتها المختلفة، مع ارتفاع حجم المخاطرة المرتبطة بهذا النوع من المشروعات، وتمركزها في قطاعي التجارة والخدمات بنسبة كبيرة. إلى جانب وجود جملة من التحديات لنجاح هذه المشروعات، كمحدودية التمويل، والمنافسة الاحتكارية، والاستيراد غير المنضبط، وغياب دعم المنتج المحلي في مرحلتي الإنتاج والتصدير، وارتفاع كلفة المواد الأولية، وانخفاض مستوى توفرها، ووجود وجود ميل واضح من قبل السلطات المحلية بالتوجه نحو الاستثمارات ذات الأحجام المتوسطة والكبيرة على حساب المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر.
  • في الجانب الاجتماعي والأمني، يلاحظ إقبال الأفراد على تأسيس المشروعات المتناهية الصغر نتيجة الإدراك المتزايد لأهميتها من قبل جميع شرائح المجتمع، كمصدر للدخل والتخفيف من معدلات البطالة والفقر، وتحريك عجلة الاقتصاد. وتتباين المجتمعات المحلية في دعمها لهذه المشروعات ووجود تمييز في التعامل معها، وفقاً لاعتبارات خاصة بأصحاب هذه المشروعات، كالجنس، والإثنية، والمناطقية، وغيرها من الخصائص ذات الصلة. وتتفاوت هذه الظاهرة في حدتها واستمراريتها بين منطقة وأخرى تبعاً لعوامل عدة، كالمنافسة، والعادات والتقاليد، وحجم السوق المحلية، ومدى تفاعل المكونات الإثنية داخل المجتمع المحلي. في حين ما يزال الجانب الأمني يمثل تحدياً لأصحاب هذه المشروعات، مع تباين حالة الاستقرار الأمني بين المناطق المختلفة.
  • ثمة مجموعة من المحددات المرتبطة بخصائص المشروعات المتناهية الصغر الحاكمة لنجاحها، إذ ما تزال التحديات الاقتصادية التي يعاني منها الشمال السوري تفرض نفسها على جدوى تأسيس هذه المشروعات، وإقبال الأفراد على تأسيسها، إلى جانب تدني مستوى الخبرة والمهارات الإدارية والفنية، وغيرها من المهارات الأخرى لدى نسبة جيدة من أصحاب هذه المشروعات، ما يشكل تحدياً هاماً لمدى استمراريتها، واعتماد غالبيتها على استخدام مستوى تكنولوجي منخفض إلى حدٍ ما، وهو ما يزيد من التكلفة التشغيلية لها. كذلك تمركز هذه المشروعات على مستوى القطاعات والمناطق لأسباب عدة، مع وجود فجوة بين المشروعات المتناهية الصغر المدعومة من قبل منظمات المجتمع المدني، وتلك المؤسسة عن طريق القطاع الخاص، فيما يخصّ معدلات النجاح والاستمرارية وحجم الدعم المقدم لها.
  • قدمت الدراسة مجموعة من التوصيات والمقترحات التي يمكن أن تسهم في تذليل معوقات نجاح المشروعات المتناهية الصغر، وتسهم في تدعيم المحددات الحاكمة لنجاحها، وفقاً للجهة ذات الصلة بهذا النوع من المشروعات، وبما يتفق والواقع الحالي والمستقبلي لها.

للمزيد: https://bit.ly/3NohaoT 

التصنيف الدراسات

ملخص تنفيذي

  • نُفّذ في مناطق سيطرة "الإدارة الذاتية" خلال النصف الأول من العام 2022 نحو 358 مشروعاً، استحوذ قطاع المياه والصرف الصحي على النسبة الأكبر للمشاريع المنفّذة (148 مشروع) ثم قطاع النقل والمواصلات 77مشروعاً وقطاع الكهرباء 51 مشروعاً ويليه قطاع الخدمات الاجتماعية 34 مشروعاً وقطاع التجارة 23 مشروعاً وقطاع الزراعة والثروة الحيوانية 18 مشروعاً، توزعت المشاريع وفق الوحدات الإدارية على الشكل التالي: إقليم الجزيرة 118 مشروعاً وإقليم دير الزور 96 مشروعاً وإقليم الرقة 58 مشروعاً وإقليم الطبقة 41 مشروعاً ومن ثم 29 مشروعاً في إقليم الفرات و19 مشروعاً في إقليم منبج.
  • أصدرت "الإدارة" خلال فترة الرصد عدة قرارات وإعلانات منها: منع نقل القمح بين مناطق الإدارة إلا بموجب كتاب رسمي وتحديد سعر شراء القمح بـ2200 ليرة سورية للكيلو الواحد، وتحديد أسعار عدد من المواد الأساسية بينها السماد والسكر والكهرباء، كما حددت لجنة المحروقات كمية مازوت التدفئة للمنزل بواقع 300 لتر شهرياً بقيمة 150 ليرة للتر الواحد، وصدر قرار بصرف 100 ألف ليرة لكل العاملين في المنطقة.
  • تعاني مناطق سيطرة "الإدارة" من عدة أزمات حادة في قطاعات المياه والكهرباء والزراعة والمحروقات أدت لنشوء سوق سوداء واحتكار واستشراء الفساد، وعدم تصميم دفاعات مالية ضد الأزمات المستوردة من مناطق النظام على رأسها التضخم وضعف العملة، مّما يؤكد أن مؤشر التعافي لا يزال هشّاً ويكشف قصوراً واضحاً في هيكلية النموذج الاقتصادي الاجتماعي المتبع وعدم كفاءة المكاتب والمؤسسات المعنية بالملف الاقتصادي إذ لم تسهم في تلافي حدوث أزمات وتحقيق استقرار معيشي للسكان.


منهجية قياس "مؤشر التعافي"

يحاول تقرير التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق "الإدارة الذاتية" شمال شرق سورية رصد نشاطات الفاعلين من بلديات ومنظمات محلية وأجنبية عاملة في المنطقة خلال النصف الأول لعام 2022 بين كانون الثاني وحزيران. وتضم المنطقة أجزاء من محافظات الحسكة والرقّة ودير الزور، وتمتدّ على مساحة أكثر من 50 ألف كيلومتر مربّع، ويبلغ عدد سكانها 3.2 ملايين نسمة، وتم الاعتماد على ميثاق العقد الاجتماعي الصادر عن "الإدارة الذاتية" والذي يقسم المنطقة إلى 7 أقاليم: إقليم الجزيرة، وإقليم دير الزور، وإقليم الرقة، وإقليم الطبقة، وإقليم الفرات، وإقليم منبج، وإقليم عفرين. ويهدف التقرير جنباً إلى جنب مع تقاير التعافي الأخرى في مناطق المعارضة شمال غرب سورية وتقرير التعافي في مناطق النظام لتشخيص وفهم ما يلي:

  1. حركية النشاطات والأعمال المنجزة في المنطقة المحددة وتشخيص تطور الاقتصادات المحلية، ومقارنة المناطق والقطاعات مع بعضها البعض؛
  2. مدى قدرة الكيانات الحوكمية والفواعل على إيجاد بيئة آمنة للعمل والاستثمار تؤدي إلى خلق فرص عمل والقيام بأعمال ونشاطات متنوعة وتحريك الطلب المحلي؛
  3. رصد التشريعات والقرارات وأثرها على الاقتصاد المحلي.

وتتأتى أهمية هذا التقرير من محاولته رصد وتحليل واقع المشاريع الاقتصادية والتنموية المنفّذة في القطاعات الاقتصادية، مما يشكل دافعاً وإسهاماً لصنّاع القرار والفواعل لتوجيه الدعم وسد الثغرات.

ركّز التقرير خلال عملية الرصد على المدن والبلدات الرئيسية المبينة في الجدول رقم (1) التي شهدت نشاطاً اقتصادياً ملحوظاً، وتم الاعتماد على التقسيم الإداري لـ"الإدارة الذاتية" والتي غيّرت وحدّثت بعض التقسيمات الإدارية للبلدات والمدن، ووفقاً للتصنيف الصناعي المعياري الدولي، كما تم الاعتماد على المعرّفات الرسمية للبلديات والمنظّمات العاملة على "فيس بوك" و"تليغرام" وتسجيل نشاطاتها وتقاريرها الدورية وفق معادلة رصد مضبوطة كما هو موضّح في الجدول رقم (2) تؤمّن القدرة على تحليل البيانات وفق مستويين؛ قطاعي وجغرافي.

يوضّح الجدول أدناه خارطة الفواعل التي يرصد التقرير أنشطتها التنموية والخدمية:

 

 كما يظهر الجدول أدناه القطاعات ونوعية النشاطات/ القرارات المرصودة:

 

واقع التعافي: غياب الاستراتيجية والإرادة

بلغ العدد الإجمالي للمشاريع المنفّذة في مناطق "الإدارة" 358 مشروعاً، ويُوضّح الشكل رقم (1) والشكل رقم (3) عدد ونسب المشاريع، حيث حاز قطاع المياه والصرف الصحي على النسبة الأكبر من المشاريع المنفّذة 148مشروعاً بنسبة 40%، ومن ثم قطاع النقل والمواصلات 77 مشروعاً بنسبة 21% وقطاع الكهرباء 51 مشروعاً بنسبة 14% وقطاع الخدمات الاجتماعية في المرتبة الرابعة بواقع 34 مشروعاً بنسبة 9%.

وفيما يتعلق بتوزع المشاريع على المناطق المرصودة يوضّح الشكل رقم (2) تنفيذ النسبة الأكبر من المشاريع في إقليم الجزيرة 118مشروعاً، وإقليم دير الزور 96 مشروعاً، وإقليم الرقة 58 مشروعاً، وإقليم الطبقة 41 مشروعاً، ومن ثم 29 مشروعاً في إقليم الفرات، و19 مشروعاً في إقليم منبج.

 

وبشكل أكثر تفصيلاً يُظهر الشكل رقم (4) توزع المشاريع على المدن والبلدات المرصودة في القطاعات كافة؛ حيث حلّت مدينة الرقة في المرتبة الأولى بالمؤشر 58 مشروعاً، وجاءت بعدها مدن الطبقة 41 مشروعاً وهجين 34 مشروعاً والقامشلي 26 مشروعاً و23 مشروعاً في البصيرة و19 مشروعاً في منبج.

 

ومن بين أبرز القرارات والتعميمات المرصودة: منع نقل القمح بين مناطق "الإدارة" إلا بموجب كتاب رسمي وتحديد سعر شراء القمح بـ2200 ليرة سورية للكيلو الواحد وسعر قالب الثلج بـ2000 ليرة سورية وتحديد سعر كيلو السكر وسعر أمبير الكهرباء من قبل المولدات بـ4000 ليرة للمشتركين بـ6 أمبيرات أو أقل والتقيد بأوقات التشغيل من الساعة 4 مساءً حتى الساعة 12 ليلاً، وتعديل سعر السماد الفوسفاتي الروسي لـ700 دولار للطن الواحد والسماد الآزوتي لـ730 دولار للطن الواحد من قبل شركة التطوير الزراعي، وتقييد أصحاب خطوط النقل الداخلي بالتسعيرة المحددة 300 ليرة سورية ضمن القامشلي، وصدر قرار بصرف 100 ألف ليرة لكل العاملين في "الإدارة"، وإيقاف مخصصات فرن النباعي والباغوز والشعب بسبب الشكاوى، وحددت مديرية البيئة في إقليم الجزيرة غرامة وقدرها 25 ألف ليرة سورية لمن يخالف قواعد النظافة العامة، كما حددت لجنة المحروقات كمية مازوت التدفئة للمنزل بواقع 300 لتر شهرياً بقيمة 150 ليرة للتر الواحد.

أما في قطاع المياه والصرف الصحي فقد تم تنفيذ 148مشروعاً في المنطقة كما يُظهر الشكل رقم (5)، وأتت مدينة الطبقة على رأس القائمة بواقع 21 مشروعاً، تلتها مدينتي هجين 18مشروعاً والبصيرة 14مشروعاً، ومن بين المشاريع المنفّذة جر مياه الشرب لقرى صرين وقروشان والمربع بطول 4000 متر، وتوسيع خط المياه في قرية حوتي بطول 1150 متر، ومد خط مياه بطول 5500 متر من مدينة البصيرة إلى خزان قرية الطكيحي، ومد خط مياه بطول 850 متر في قرية أبو الحسن، وتأهيل شبكات المياه في ناحية الكسرة، وإنشاء محطة مياه في الباغوز، وتأهيل محطة مياه المحيميدة، وغيرها من المشاريع الشبيهة. يُذكر أن نقص المياه النظيفة لا يزال أحد الشواغل الرئيسية للسكان في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة. ولا تزال مدينة الحسكة التي يقطنها نحو مليون شخص تعاني من انقطاع مستمر في المياه جراء الخلافات الميدانية مع فصائل المعارضة في مدينة رأس العين التي تضم محطة علوك التي تغذّي الحسكة بالمياه بواقع 60 ألف متر مكعب يومياً، وتعمد "الإدارة" لقطع الكهرباء عن المدينة ما يحول دون تشغيل محطة المياه، وتدخلت روسيا أكثر من مرة في حل الخلاف بين الطرفين، وللتعويض عن المياه في الحسكة قامت "الإدارة" بتشغيل محطات التحلية وعددها 16 محطة ونقل المياه للمنازل عبر الصهاريج.

 

ونفذت البلديات والمنظمات 77 مشروعاً في قطاع النقل والمواصلات، وحازت كل من منبج والطبقة والرقة والقامشلي على المراتب الأربعة الأولى بين المناطق التي تم رصدها كما يظهر في الشكل رقم (6). ومن بين المشاريع المنفّذة؛ تعبيد الطريق الواصل بين مدينة الحسكة والدرباسية بطول 20 كم، وتعبيد طريق قرية جاردوية في منطقة ديرك بالقامشلي بطول 9 كم وطرقات في الكورنيش والهلالية والحي الغربي، كما تم تعبيد 10 كم في مدينة الصور بالاسفلت، وتأهيل جسر الصور في مدينة دير الزور، وفي البصيرة تم العمل على تعبيد شارع أبو حردوب في البصيرة، وفي الرقة تم تأهيل طرق في أحياء السباهية والطيار والجزرة وحي الرميلة، كما تم تعبيد عدة طرق في مدينة منبج بينها الطريق الواصل بين قرية الطعان والسيد، وطريق تل حوذان بطول 500 متر، وطريق قرية شجيف ذهبية بطجول 12450، وطريق قرية الفرس أبو قلقل بطول 8300 متر.

 

ونفذت البلديات والمنظمات 51 مشروعاً في قطاع الكهرباء وجاءت كل من القامشلي والرقة وهجين في المراتب الثلاث الأولى كما يظهر في الشكل رقم (7)، ومن بين المشاريع المنفّذة تركيب محولة كهرباء و5 أبراج حديد و13 عاموداً خشبياً في كوباني، وتركيب إنارة للشوارع على المدخل الشمالي والجنوبي للمشاريع الرئيسي في صرين، وإنارة شوارع في بلدات ومدن الشعيطات والشعفة وهجين والباغوز والصور ومحيميدة والملاهي وفي مدينة الرقة ضمن عدة أحياء وقرى وتم الانتهاء من إنارة مسافة 7500 متر في حي الناصرة ضمن مدينة الحسكة، وتركيب 40 لوح إنارة طاقة شمسية وأربعة أعمدة في عدة أماكن متفرقة في مدينة القامشلي، وتركيب محولات كهرباء جديدة باستطاعة 400 KVA ومحولات أخرى باستطاعات مختلفة في عدة أحياء وقرى. ولا تزال خدمة الكهرباء مضطربة في المنطقة ويعتمد الأهالي على الأمبيرات حيث توفّر "الإدارة" المازوت بسعر مخفض لمولدات الأحياء بـ 85 ليرة للتر الواحد بدلاً من 410 ليرات، وقطعت "الإدارة" مادة المازو في القامشلي عن المولدات التي تغذّي المنازل بالكهرباء، وفي أواخر تموز 2022، توقفت معامل ومشاريع صناعية وتجارية وأفران في مدينة القامشلي من جراء عدم توزيع "الإدارة" مادة المازوت المخصصة للقطاع الصناعي والتجاري.([1])

 

فيما يتعلق بقطاع الخدمات الاجتماعية فقد تم تنفيذ 34 مشروعاً كما في الشكل رقم (8)، في كل من دير الزور والبصيرة والصور والطبقة، حيث تم إزالة الركام وترحيله من عدة شوارع وأحياء، وتم بناء مدرسة البيرم في منبج، وأنشأت محمية بالقرب من سد بورزي بمساحة 12000متر مربع من الأراضي الزراعية، وبناء مركز تنمية في مدينة الدرباسية بقيمة 4211 دولار وافتتاح صالتين استهلاكيتين لفرع شركة "نوروز" في الحي الغربي للقامشلي، كما تم العمل على ترميم وتأهيل عدد من البلديات مثل الدحلة والزعبر والحصين وجديد عكيدات والكشكية والطبقة. يُشار أن رؤية الإدارة الذاتية قائمة على خدمة مصالح المجتمع عبر بناء مؤسسات اقتصادية ذات صبغة اجتماعية مثل الجمعيات التعاونية والشركات المساهمة الإنتاجية والمؤسسات الخدمية ومع ذلك لا يتوافق عدد المشاريع في قطاع الخدمات الاجتماعية مع رؤيتها في هذا الإطار.([2])

وتم تنفيذ 23 مشروعاً في قطاع التجارة، وجاءت الرقة في المرتبة الأولى بـ15 مشروعاً تلتها الهجين والطبقة ودير الزور ومنبج على التوالي كما في الشكل رقم (9)، ومن بين المشاريع المنفّذة استدراج عروض أسعار لاستئجار آليات نوع فان، وجرار مع تريلة قلاب، وطرح مزايدة لبيع حديد طوناج وزيت محروق، ومزايدة لاستثمار السوق التجاري في الطبقة وإشغال محلات في حي الثكنة بالرقة، ومناقصات لتوريد مواد لدائرة الأشغال الرئيسية في الرقة ومنبج. ومن الجدير بالذكر انتشار السلع التركية والإيرانية المستوردة من إقليم كردستان العراق عبر معبر سيمالكا الوحيد بعد إغلاق المعابر الحدودية مع تركيا وصعوبة توفير المنتجات السورية البديلة محلياً، وترتبط المنطقة مع مناطق النظام من خلال معبر الطبقة، وقد شجّعت هذه البيئة لنشوء احتكارات على تجارة العديد من المواد يسيطر عليها "نخب الحرب الجديدة، ومهرّبين على تفاهمٍ مع حكومة إقليم كردستان، وحاصلين على حقوق تصدير حصرية إلى الجزيرة".([3])

 

وبالنسبة لقطاع الزراعة والثروة الحيوانية فقد تم تنفيذ 18 مشروعاً، جاءت دير الزور في المرتبة الأولى بواقع 4 مشاريع تلتها كل من البصيرة والصور والقامشلي بمشروعين لكل منها كما في الشكل رقم (10). وتضمنت المشاريع إنشاء غابة حراجية تضم 3000 شجرة سرو وصنوبر وغابة في محمية سد مزكفت عبر زراعة 3000 شجرة حراجية، ومشاريع لدعم مربي الإبل والدواجن والماشية، وأشارت "هيئة الاقتصاد والزراعة" عن استلام نحو 360 ألف طن من القمح في شمال شرق سورية حتى شهر تموز، وتوزيع 647 ألف طن سماد على المزارعين في عامودا. ومُني أصحاب الأراضي والمزارعين بخسائر كبيرة خلال عامي 2020 و2021 جراء غلاء مواد المحروقات والأسمدة وعدم توفرها لتشغيل آبار المياه وشح الأمطار وارتفاع تكاليف الإنتاج، ويشوب قطاع الزراعة حالة من الفساد مرتبطة بحصول بعض المتنفّذين في "الإدارة" على المياه والمواد الزراعية المدعومة، ما اضطر عشرات المزارعين إلى منح أراضيهم لأولئك المتنفّذين جراء عدم تمكنهم من تأمين المازوت والمواد الأولية الضرورية.([1])

 

وفيما يتعلق بقطاع التمويل، تم تنفيذ 4 مشاريع في البصيرة والرقة ودير الزور، بينها دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة ودعم وتمكين الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. و3 مشاريع في قطاع الصناعة بينها بناء معمل خراطيم في الطبقة وعمل لتعبئة اسطوانات الأوكسجين للمشافي والمستوصفات في القامشلي، ومعمل لتعبئة مياه الشرب في عامودا.

يمكن القول إن الفترة الحالية شهدت مشاريع متنوعة بينها إزالة الأنقاض وتعبيد الشوارع وتأهيل قنوات الصرف الصحي ومحطات المياه وإنارة الطرقات، وشهد قطاع المياه والصرف الصحي الوزن الأكبر بين المشاريع المنفّذة لحل أزمة المياه التي تعاني منها المنطقة، وجاء قطاع النقل والمواصلات في المرتبة الثانية ضمن مؤشر التعافي حيث نفذت البلديات 77 مشروعاً في المنطقة، بينما بقي الاهتمام بقطاعات الصناعة والتمويل والزراعة بحدوده الدنيا، فيما لم يلحظ التقرير تنفيذ مشاريع في قطاع الإسكان والتعمير خلال الفترة الحالية.

 

خلاصات تحليلية:  قصور هيكلي

تبين نتائج الرصد في مناطق الإدارة الذاتية خلال النصف الأول لعام 2022 جملة من الخلاصات قي القطاعات المرصودة، يمكن شملها بالنقاط الآتية:

  • إنجاز 358 مشروع في المنطقة على مدار 6 أشهر، حاز قطاع المياه والصرف الصحي على أكثر القطاعات تنفيذًا للمشاريع بواقع 148 مشروعاً قوامها مد شبكات وترميم أخرى معطلة، ومع ذلك لا يزال هناك أزمة مستعصية في تأمين مياه الشرب للسكان في مدينة الحسكة جراء عدم التوصل لاتفاق وتفاهمات عابرة للخلافات السياسية مع فصائل المعارضة في رأس العين.
  • تسببت القرارات المُتخذة في قطاع المحروقات القاضية بتحديد سعر مدعوم للسيارات المسجلة فقط، بخلق سوق سوداء تباع فيه المحروقات أضعاف السوق النظامية، حيث بلغ سعر لتر البنزين والمازوت 2000 ليرة سورية بينما يباع لتر المازوت المدعوم بـ410 ولتر البنزين بـ210 ليرة، كما لحظت حالة احتكار إذ تم التعاقد مع مستثمرين محددين لتكرير النفط ومد الأسواق بالمحروقات، والجدير بالذكر أن غلاء المحروقات يثبّط عمل قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة وتنعكس على القوة الشرائية للمواطن كارتفاع أسعار السلع والخدمات.
  • لا يزال قطاع الكهرباء يرزح تحت أزمات اضطر بسببها الأهالي للاعتماد على المولدات وتجارة الأمبيرات، بنفس الوقت عمدت "الإدارة" إلى قطع المازوت عن المولدات بدون تبرير.
  • نشوء احتكارات في قطاع التجارة لاستيراد مواد البناء وتوزيعها، يسيطر عليها نخب الحرب ومتنفّذين، وقد يؤدي هذا الوضع مع مرور الوقت إلى إضعاف البنية التجارية وتعزيز الفساد وأذرعه.
  • تنفيذ 18 مشروعاً في قطاع الزراعة في منطقة تتمتع بأهم المواد الاستراتيجية من قمح وقطن، و"تشكل الأراضي القابلة للزراعة في المحافظات الشرقية (عدا منطقة عين العرب) 43% من إجمالي الأراضي القابلة للزراعة في عموم سورية"، ويعتمد السكان بالدرجة الأولى على نشاط الزراعة وتربية المواشي بالدرجة الثانية، ومع ذلك يمكن تلمس مواطن الضعف بهذا القطاع ناجمة عن عدم دعم المزراعين ومربي المواشي، وانتشار المحسوبيات والمتنفّذين في آليات توزيع المواد المدعومة.
  • لم تمتلك "الإدارة" دفاعات مالية تقيها الأزمات المستوردة من مناطق النظام على رأسها التضخم وضعف الليرة، ما يشير إلى ضعف حوكمة القطاع المالي والمكاتب المسوؤلة عن الملف الاقتصادي مثل: "التخطيط والتنمية" و"الاقتصاد والزراعة" و"المالية" و"النفط والموارد المالية" و"الشؤون الاجتماعية والعمل"، كما غابت المؤشرات والبيانات الاقتصادية وهو ما زاد من صعوبة الرصد والتوقعات.

أخيراً بتحليل عام لجملة ما تم رصده يمكن القول إن نوعية وحجم المشاريع والأعمال المنفّذة تدلل على قصور في هيكلية النموذج الاقتصادي الاجتماعي المتبع وعدم كفاءة المكاتب والمؤسسات المعنية بالملف الاقتصادي إذ لم تسهم في تلافي حدوث أزمات وتحقيق استقرار معيشي للسكان وتعافي المنطقة اقتصادياً؛ على الرغم من امتلاك الإدارة الذاتية مقوّمات نجاح حيث تسيطر الإدارة على ما يقرب من 55% من الموارد المساهمة في تكوين الناتج الإجمالي المحلي لسورية عموماً من نفط وغاز  وزراعة.


 


 

([1] )الإدارة الذاتية تقطع المازوت عن المولدات في القامشلي وتهدد أصحابها، تلفزيون سوريا، 4/8/2022، رابط مختصر: https://cutt.ly/2VsCw0n 

 ([2] ) أحمد يوسف، اقتصاد الإدارة الذاتية ومحاولات بناء نموذج اقتصادي، صور، 22/12/2018، رابط مختصر: https://cutt.ly/OVsFN9Y

([3] )سنان حتاحت، الاقتصاد السياسي للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، 27/1/2020، برنامج مسارات الشرق الأوسط في معهد الجامعة الأوروبية، رابط مختصر: https://cutt.ly/OVexqXr

([4] ) مزارعون يضطرون لمنح أراضيهم لمستثمرين من "الإدارة الذاتية" جراء نقص المازوت، تلفزيون سوريا، 23/3/2022، رابط مختصر: https://cutt.ly/fVsPVyR

 

التصنيف تقارير خاصة

ملخص تنفيذي

  • يؤكد رصد عملية التعافي الاقتصادي المبكر خلال عام 2021 في كل من ريف دمشق وحلب الشرقية، المناطق التي استعاد النظام السيطرة عليها، على تواضع العدد الإجمالي للمشاريع المنفّذة؛ إذ بلغ عدد المشاريع 570 مشروعاً في 11 قطاعاً اقتصادياً، خاصة إذا ما قورن هذا الرقم بحجم الضرر والذي قدرته الأمم المتحدة في عام 2019 بـ 36 ألف مبنى متضرر بشكل كامل أو جزئي في حلب الشرقية و 35 ألف مبنى مدمر في الغوطة الشرقية، وهذا ما يؤكد تنامي مؤشر العجز في قدرة النظام على تأمين كافة الخدمات الأساسية (كهرباء وطرقات ومياه واتصالات) عن الحد الأدنى لما يفرضه حجم الاحتياج.
  • بلغ عدد مشاريع التعافي الاقتصادي المبكر في الحالات المختارة خلال الفترة بين كانون الثاني وحزيران 2021 نحو 311 مشروعاً تصدر فيها قطاع الخدمات الاجتماعية المرتبة الأولى بـ137مشروعاً، تلاه قطاع الكهرباء بواقع 68 مشروعاً، من ثم قطاع النقل والمواصلات بـ 40 مشروعاً. في حين انخفض العدد خلال النصف الثاني من ذات العام إلى 259 مشروعاً مع بقاء قطاع الخدمات الاجتماعية في مقدمة المشاريع المنفّذة بواقع (96 مشروعاً).
  • تؤكد المؤشرات على عدم إيلاء النظام المنطقتين اهتماماً بالغاً في إعادة إعمار ما دمرته الحرب؛ إذ لا تزال الأنقاض والركام السمة الأكثر وضوحاً في هذه المناطق، كما لم تشهد قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة أي مؤشر دافع باتجاه التعافي، ما يشير إلى عدم اتباع النظام أية مقاربة واضحة لتعافي المناطق التي سبق وخرجت عن سيطرته وبالتالي عدم قدرة تلك المناطق على استقبال الأهالي النازحين منها، وعدم موضوعية مطالب النظام وروسيا في تطبيق "برنامج عودة اللاجئين".

 

مدخل

بعد مرور أربعة أعوام على استرداد النظام سيطرته الكاملة على حلب الشرقية وريف دمشق؛ تبرز ضرورة  تشخيص وفهم مقاربة النظام لملف التعافي باعتباره أبرز تحدٍ لمرحلة "ما بعد الحرب"، وهو ما سيوفر قدرة على الإحاطة بديناميات النظام الحوكمية من خلال رصد القرارات والقوانين ومذكرات التفاهم  من جهة، ويشكل إطاراً لتلمس شروط توفير البيئة الآمنة للمعيشة ولعودة النازحين واللاجئين، وتحريك عجلة الإنتاج والوفاء بالاستحقاقات المعيشية من جهة أخرى. وعليه تحاول هذه الورقة الإضاءة على واقع التعافي الاقتصادي المبكر عبر رصد حركية المشاريع والنشاطات التي يقوم بها النظام في المناطق التي أعاد السيطرة عليها من المعارضة، وذلك عبر التركيز على نموذجي حلب الشرقية وريف دمشق خلال 2021 ([1]).

تعتمد الورقة في تصنيفها للقطاعات على التصنيف الصناعي المعياري الدولي كما في الملحق رقم (1)، وقد تم الاعتماد على المعرّفات الرسمية لحكومة النظام ووزاراته والمنظمات العاملة في سورية على المواقع الرسمية ومنصات التواصل الاجتماعي "فيس بوك" و"تليغرام" وتسجيل نشاطاتها وتقاريرها الدورية، وفق معادلة رصد مضبوطة تؤمّن القدرة على تحليل البيانات وفق مستويين؛ المستوى الأول مستوى القطاعات الاقتصادية، والثاني وفقاً للمستوى الجغرافي. ويجدر التنويه إلى أن الأرقام الواردة في التقرير تشكل الأعمال والمشاريع التي تم تنفيذها على الأرض وتوصل إليها الباحث عبر شبكة الرصد.

النصف الأول من عام 2021: كفاية مؤشرات عدم القدرة

يؤكد رصد حركية التعافي المبكر في المناطق المرصودة أنه تم تنفيذ 311 مشروعاً خلال الفترة بين كانون الثاني وحزيران 2021 ضمن أحياء حلب الشرقية وريف دمشق، تصدّر قطاع الخدمات الاجتماعية بـ 137 مشروعاً، وقطاع الكهرباء بـ 86 مشروعاً في المرتبة الثانية، وقطاع النقل والمواصلات بـ 40 مشروعاً، و18 مشروعاً لكل من  قطاعي المياه والصرف الصحي والتجارة، بينما جاءت قطاعات التمويل والاتصالات والإسكان والتعمير والزراعة في أسفل المؤشر، كما يظهر في الشكل رقم (1).

 

([1]) شملت مناطق الرصد منطقتين من المناطق التي أعاد النظام السيطرة عليها بعد أن كانت تحت سيطرة المعارضة وهي جميع أحياء حلب الشرقية وبعض مناطق  ريف دمشق (دوما وسقبا والمليحة وحزة وكفر بطنا وعربين وداريا ومعضمية الشام).

 

ويُظهر الشكل رقم (2) التوزع النسبي للمشاريع على المناطق المرصودة حيث بلغت نسبة المشاريع في الأحياء الشرقية من مدينة حلب 66%  (205 مشاريع) و 34% في ريف دمشق (106 مشاريع)، ويظهر الشكل  رقم (3) توزع المشاريع على البلدات المرصودة في ريف دمشق وقد سُجلت أغلب المشاريع في دوما تليها داريا وعربين.

 

في ذات الإطار الزمني المرصود؛ وبتتبع سلسلة القرارات والقوانين ذات الصلة الصادرة عن سلطات النظام والتي بلغت 43 قراراً و 8 قوانين ومرسومين، فقد أصدر القانون رقم (18) للاستثمار والذي يهدف إلى إيجاد بيئة استثمارية تنافسية لجذب رؤوس الأموال والاستفادة من الخبرات والتخصصات المختلفة وتوسيع قاعدة الإنتاج وزيادة فرص العمل ورفع معدلات النمو الاقتصادي، وفق الدليل الاستثماري الذي صدر مع القانون، وإقرار خطة عمل صندوق دعم الإنتاج الزراعي، وقانون يسمح بتأسيس مصارف التمويل الأصغر، وقرار تعديل الحدود الدنيا والقصوى بمعايير تصنيف المشاريع متناهية الصغر. وتم رصد 15 تعميماً مثل استعداد "المؤسسة العامة للأعلاف" لاستلام محصول الذرة الصفراء بالأسعار الرائجة، ورفع سعر شراء محصول الشعير من الفلاحين بسعر 880 ليرة للكيلو، كما نُشر تعميم حول تعليق الدوام وحصره بعدد معين من الموظفين ضمن الإجراءات المتعلقة بمكافحة فيروس كورونا.

أما بالنسبة لفرص العمل فقد تم تسجيل 51 فرصة عمل من قبل جهات محلية خاصة ومنظمات دولية مثل "أوكسفام" والهلال الأحمر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وتأهيل مشفى الأطفال في كرم القاطرجي وترميم ثانوية المليحة للبنات ومقر مالية داريا.

 

أما عن قطاع النقل والمواصلات فقد بلغ عدد مشاريعه 40 مشروعاً موزعين بين ريف دمشق (15 مشروعاً) وحلب الشرقية (25 مشروعاً) كما في الشكل (5)، ومن بين المشاريع المنفذة ترميم وتعبيد الطرقات بالإسفلت في كفر بطنا وداريا وشارع القوتلي في دوما، وكل من دواري الزيتونة في داريا والجرة في دوما.

 

وبلغ عدد مشاريع قطاع الكهرباء المنفّذة 68 مشروعاً موزعاً وفق في الشكل رقم (6)، تنوعت ما بين إنارة طرقات وتركيب شبكات توتر منخفض وصيانة الأعطال وإصلاح أعمدة وتركيب محولات، حيث تم تركيب ثلاث محوّلات في دوما وعربين وإصلاح خمسة في داريا، وأُعيد تأهيل عدة مراكز تحويل في قاضي عسكر وعدة شبكات توتر منخفض في حيي السكري والفردوس. وعلى الرغم من هذه المشاريع إلا أن المنطقة تعاني بشكل كبير من انقطاع مستمر في التيار الكهربائي يُجبر الأهالي على الاعتماد على طرق أخرى لتأمين الكهرباء.

 

وبالنسبة لقطاع المياه والصرف الصحي بلغ عدد المشاريع المنفّذة 18 مشروعاً موزعاً كما في الشكل رقم (7)، تنوعت ما بين مشاريع صيانة وإعادة تأهيل آبار واستبدال خطوط صرف صحي في شوارع داريا وأحياء حلب، حيث تم استبدال 300 متر من مجرور قديم بأنابيب بولي إيثلين، وتشغيل مضخة مياه في المليحة.

 

وبلغ عدد المشاريع في قطاع التجارة 18 مشروعاً موزعاً على المنطقة كما في الشكل رقم (8) ما بين مناقصات لتأمين بدلات عمل في حلب، واستئجار مركبات لنقل الموظفين، ومزايدة لبيع نواتج غربلة القمح، في داريا وسقبا وكفر بطنا ومناطق في حلب الشرقية، وعلى الرغم من وقوع هذه المناطق المعروفة بثقلها التجاري والصناعي تحت سيطرة النظام منذ فترة ليست بقصيرة، لم تشهد أي نهضة تجارية أو إنعاش يعيدها لما كانت عليه قبل الثورة، ويعد إهمال النظام لكلا المنطقتين عملاً ممنهجاً لإهمال القيمة التجارية والصناعية التي مثلتهاالمنطقتان على مدار العقود الماضية.

 

أما فيما يتعلق بعدد المشاريع في قطاع التمويل فقد بلغت 16 مشروعاً، تم تنفيذ 12 مشروعاً في ريف دمشق و4 مشاريع في حلب الشرقية كما في الشكل رقم (9)، مثل استثمار حديقة ومقهى في دوما، ومحال تجارية في حلب وأراضٍ زراعية في دوما وداريا، إضافة إلى تأجير شقق ومكاتب في حلب. ويظهر هذا القطاع هشاشة البنية التمويلية في المناطق المرصودة وعدم قدرة النظام على تقديم تمويلات متنوعة في سبيل النهوض باقتصاد المنطقة وبما يعود على الاقتصاد الوطني بالتنمية المطلوبة.

 

كما بلغ عدد مشاريع الاتصالات 8 مشاريع موزعة بين تركيب برج اتصالات في دوما وافتتاح مركز اتصالات بالمليحة وتفعيل الخط الأرضي وإعادة تأهيل شبكة، كما هو مبين في الشكل رقم (10). 

 

وأخيراً تم تنفيذ 3 مشاريع في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في ريف دمشق توزعت ما بين حملة لمكافحة الجراد الصحراوي، ومنحة أعلاف لعدد من العوائل، وتوزيع مخصصات وقود للمزارعين. وفي قطاع الإسكان والتعمير تم تنفيذ 3 مشاريع؛ اثنان منها في ريف دمشق شملت ترميم ثلاثين شقة سكنية و25 محلاً تجارياً في سقبا وبناء مجمع سكني في دوما، ومشروع آخر في حلب الشرقية لإعادة تأهيل 150 شقة سكنية.

النصف الثاني من عام 2021: ثبات حجم الاحتياج 

يؤكد رصد حركية التعافي المبكر في المناطق المرصودة  تنفيذ 259 مشروعاً خلال الفترة بين تموز وكانون الأول 2021 ضمن أحياء حلب الشرقية وريف دمشق المرصودة، تصدّرها قطاع الخدمات الاجتماعية (96 مشروعاً) وحلّ كل من قطاعي النقل والمواصلات (78 مشروعاً) والكهرباء (42 مشروعاً) في المرتبة الثانية والثالثة على التوالي، كما سجل قطاع المياه والصرف الصحي 24 مشروعاً، و7 مشاريع في قطاع التجارة، كما في الشكل رقم (11).

 

وُظهر الشكل رقم (12) التوزع النسبي للمشاريع على المناطق المرصودة حيث بلغت نسبة المشاريع في حلب الشرقية 67% مقابل 33% للمشاريع المنفّذة في مدن وبلدات ريف دمشق، فيما يبين الشكل رقم (13) توزع المشاريع على البلدات المرصودة في ريف دمشق، حيث حازت داريا على أكثر البلدات تنفيذاً للمشاريع بـ32 مشروعاً متقدمة على دوما التي حصلت على 20 مشروعاً.

 

وفي ذات الإطار الزمني المرصود؛ وبتتبع سلسلة القرارات والقوانين ذات الصلة الصادرة عن سلطات النظام  فقد بلغت 30 قراراً تنوعت ما بين إعفاء مستلزمات الإنتاج والمواد الأولية الداخلة بصناعة الأدوية من الرسوم الجمركية، و8 تعميمات مثل تحديد عمل الفعاليات الاقتصادية وصرف مساعدات القمح للفلاحين على الهوية الشخصية ودون طلب براءات ذمة، وتمكّن جميع أصحاب الفعاليات التجارية والصناعية من تسجيل علاماتهم التجارية والصناعية في أي دولة بالعالم من خلال وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وتم إحصاء 20 إعلاناً لفرص عمل جلها من منظمة الهلال الأحمر السوري.

أما بالنسبة لتوزع المشاريع على القطاعات فقد حلّ قطاع الخدمات الاجتماعية في المرتبة الأولى في مؤشر التعافي الاقتصادي المبكر في المنطقة بواقع 96 مشروعاً موزعاً كما في الشكل رقم (14)، ومن بين المشاريع المنفذة ترميم مبانٍ عامة كالمركز الثقافي في دوما، ومدرسة، ومركز إطفاء داريا، بالإضافة إلى عمليات إزالة الأنقاض في سقبا وداريا ودوما وحي الصاخور وقاضي عسكر في حلب والأجزاء الخطرة من بعض المباني وإزالة مخالفات في أحياء حلب.

 

فيما يتعلق بقطاع النقل والمواصلات فقد بلغ عدد المشاريع 78 مشروعاً موزعين على المناطق كما في الشكل (15)، القسم الأكبر من هذه المشاريع مرتبط بترميم الشوارع بالإسفلت مثل شارع سوق الهال في دوما، وشارع البلاط في المليحة، فضلاً عن مشاريع صيانة أرصفة في حي القاطرجي وصلاح الدين في حلب.

 

وبلغ عدد مشاريع الكهرباء المنفّذة 42 مشروعاً كما في الشكل رقم (16)، توزعت ما بين إعادة تأهيل محولات كهربائية كما في منطقة دوار باب الحديد والكلاسة، وتركيب محولات وإنارة طرق بالطاقة البديلة في داريا، وتركيب ألواح طاقة بديلة لتوليد الكهرباء لمجلس مدينة داريا، وتمديد شبكات توتر منخفض في أحياء صلاح الدين والأنصاري والسكري في حلب الشرقية.

 

وفيما يرتبط بقطاع المياه والصرف الصحي بلغ عدد المشاريع المنفّذة 24 مشروعاً موزعين كما في الشكل رقم (17). حيث تم تأهيل واستبدال خطوط الصرف الصحي في حي الفردوس في حلب ومدينة دوما، وخطوط مياه الشرب في حلب، وتم تنفيذ مشروع تأهيل آبار في داريا، بالإضافة إلى العمل على تركيب أغطية ريكارات وشوايات في داريا.

 

أما فيما يتعلق بعدد المشاريع في قطاع التجارة فقد بلغت 7 مشاريع كما في الشكل رقم (18). تفرّقت بين مزايدات لبيع خردة وأكياس بلاستيك في حلب، وافتتاح صالة بيع متخصصة بالمنتجات الريفية واستئجار ميكروباص.

 

كما بلغ عدد مشاريع الاتصالات 4 مشاريع 3 منها في ريف دمشق ومشروع واحد في حلب الشرقية، حيث تم العمل على مد وإصلاح كبل ضوئي في حلب ودوما وإعادة الإنترنت والخطوط الهاتفية الأرضية في المليحة. أما عن قطاع التمويل فقد تم تنفيذ 4 مشاريع مشروعان في حلب الشرقية وآخران في ريف دمشق، حيث تم طرح أكشاك في دوما للاستثمار، ومحل للتأجير في داريا، وطرح أراضٍ للاستثمار في حلب.

وفي قطاع الإسكان والتعمير تم تنفيذ 3 مشاريع في حلب الشرقية، ما بين أعمال صب وإنشاء وإكساء مشروع وحدات سكنية. وفي قطاع الزراعة والثروة الحيوانية تم تنفيذ مشروع واحد فقط في ريف دمشق، عبارة عن زراعة أشجار في مدينة عربين.

 

 

خلاصة ختامية: غياب "القدرة والإرادة السياسية"

يُظهر الجدول أدناه مقارنة في القطاعات بين النصف الأول والثاني للمشاريع والنشاطات المنفذة في المنطقة في العام 2021، ويُلاحظ انخفاض أعداد المشاريع على الرغم من إفراد بنود في الموازنة لتمويل وتنفيذ عملية إعادة الإعمار، ويَظهر قطاع الخدمات الاجتماعية في سلم أولويات النظام في المرحلة الحالية عبر بناء وترميم المدارس والمشافي والمرافق العامة، ومن ثم قطاعا النقل والمواصلات وقطاع الكهرباء.

فيما شهدت القطاعات الأخرى انخفاضاً في أعداد المشاريع والنشاطات على الرغم من الحاجة الماسّة لها، وفي الوقت الذي يُتوقع فيه ارتفاع أعداد مشاريع إعادة الإعمار لم يَلحظ التقرير سوى 6 مشاريع في المنطقتين طوال العام، ما يدلل على عدم قدرة النظام على التصدي لمتطلبات التعافي المبكر، فبحسب دراسة مسحية للأمم المتحدة في العام 2019 جاءت حلب كأكبر المدن المتضررة من القصف بواقع 36 ألف مبنى متضرر بشكل كامل أو قليل، تلتها الغوطة الشرقية بنحو 35 ألف مبنى مدمر([1]).

عموماً؛ لم يُبدِ النظام اهتماماً ولو بحدوده الدنيا  في إعادة إنعاش ما دمرّه من بنى تحتية وخدمات في ريف دمشق وحلب الشرقية بعد انقضاء سنوات  على خروجهما عن سيطرة المعارضة، على الرغم من الأهمية الصناعية والثقل الاقتصادي الذي تملثه المنطقتان، فبينما يكرر مسؤولو النظام في المحافل والمؤتمرات المحلية والدولية تصريحات تفيد بجهوزية سورية لإعادة إعمار المناطق المتضررة وإعادة اللاجئين، وبالرغم من المراسيم الحكومية حول إطلاق إعادة الإعمار واقتطاع ضريبة من دخول المواطنين لتمويلها؛ لا تزال مشاهد الدمار حاضرة في أحياء حلب الشرقية بعد 5 سنوات من سيطرة النظام و3 سنوات من سيطرته على ريف دمشق، وسط واقع صعب يعايشه السكان في ظل سوء في الخدمات المقدمة والانقطاع المستمر للكهرباء والمياه والاتصالات، وانهيار العديد من المباني السكنية جراء تصدعها، ناهيك عن غلاء المعيشة وقلة فرص العمل والنقص في المواد الأساسية والأوضاع الأمنية السيئة.

وبتحليل عام لجملة نتائج حركية الرصد يمكن تصدير خلاصة عامة تفيد بأن نوعية وعدد المشاريع المنفذة في قطاعات التعافي المبكر لا تزال دون الحد الأدنى المطلوب كاحتياج رئيسي، مما يدل على تنامي مؤشر ضعف الفاعلية، ويمكن رد أسبابه إلى مجموعة من القضايا المرتبطة بكون ملف التعافي لا يشكل أولوية في أجندة حكومة النظام، وذلك نتيجة تظافر عدة عوامل منبثقة عن الاحتياج المالي  جراء ما يعيشه النظام من تأزمات مالية واقتصادية، إضافة إلى عدم توفر مؤشرات الإرادة السياسية تجاه هذه المناطق.

 

ملحق

أدناه جدول يوضح تصنيف القطاعات وفقاً للتصنيف الصناعي المعياري الدولي؛

 


 

([1])  Syrian Cities Damage Atlas Eight Year Anniversary of The Syrian Civil War, REACH, March 2019, link: https://bit.ly/3Qc4yB0

التصنيف أوراق بحثية

مدخل

تمكنت المجالس المحلية في مناطق ريف حلب الشمالي من تأمين التيار الكهربائي وطي مرحلة "الأمبيرات" التي حلت محل الكهرباء بعد خروج المنطقة عن سيطرة النظام، وتضرر البنية التحتية للقطاع، حيث تم التعاقد مع شركتين هما “AK ”Energy و ”STE Energy” لاستجرار الكهرباء من تركيا بعد توقيع عقود مع المجالس المحلية. وبعد مرور ثلاثة أعوام على هذه التجربة خرجت مظاهرات للأهالي في مدن اعزاز والباب ومارع وغيرها تشكو من ارتفاع سعر الكيلو واط وانقطاع الكهرباء بشكل غير مبرر، ولجأ الأهالي إلى تقديم شكاوى لدى المجلس المحلي وصل عددها في عفرين إلى 1200 شكوى دفعت "اللجنة المشتركة لرد الحقوق" في عفرين لرفع كتاب لمدير شركة ”STE Energy” لمتابعة الأمور وحل المشاكل. ومع تصاعد الأزمة بين الأهالي والشركتين وعدم الاستجابة للمطالب، لجأ الأهالي للخروج في مظاهرات في مدن الباب وعفرين واعزاز وتم إحراق عدة مقرات للشركتين ومجالس محلية بعد فشل الأخيرة في تعديل بنود الاتفاق مع الشركتين وقوفاً عند مطالب الأهالي.

تحاول هذه الورقة إلقاء الضوء على قطاع الكهرباء في المنطقة وعقود الاستثمار التي تم توقيعها لاستجرار الكهرباء، والخيارات المتاحة لرفع قدرة المجالس المحلية في التفاوض مع شركتي الكهرباء، وتحقيق المصلحة العامة في تأمين كهرباء رخيصة تتوافق مع الأوضاع المعيشية وتسهم في رفد الاقتصاد المحلي بالتطور المطلوب.

الكهرباء في مناطق المعارضة

تُشرف المجالس المحلية في ريف حلب الشمالي؛ مدن الباب واعزاز وعفرين وأخترين وجرابلس على إدارة شؤون المنطقة وتنفيذ مشاريع التعافي المبكر بالتعاون مع المنظمات المحلية والأجنبية، ويبلغ عدد القاطنين في كل من ريف حلب وإدلب و"نبع السلام" حوالي 4.4 مليون نسمة، بينهم: 2.7 مليون شخص من النازحين داخلياً و1.7 مليون شخص يعيشون في 1293 مخيماً([1]). تعرّضت المنطقة لتدمير ممنهج في القطاعات الحيوية والمرافق الأساسية، خلال المعارك مع النظام، و"داعش"، ولاحقاً مع "قوات سوريا الديمقراطية"، غيّرت من ظروف المعيشة وأرغمت الأهالي على الاعتماد على طرق بدائية في توليد الكهرباء؛ كالمولدات وبطاريات السيارات لإنارة المنازل والمتاجر خلال ساعات محددة من اليوم، فبلغ سعر الأمبير المنزلي (وحدة قياس التيار الكهربائي) في منطقة عفرين (خلال سيطرة قوات سوريا الديمقراطية) في عام 2016 نحو 1000 ليرة سورية (1.85$) مقابل 8 ساعات عمل، وبلغ الأمبير التجاري 1300 ليرة سورية (2.41$) مقابل 12 ساعة([2])، بينما بلغ سعر "الأمبير" في مدينة الباب (خلال سيطرة فصائل المعارضة) في شهر ديسمبر/كانون الأول 2019 نحو 6500 ليرة سورية (7$) ووصل أحياناً إلى 9000 ليرة سورية (9$) إثر ارتفاع سعر الوقود وانخفاض قيمة الليرة([3]).

وحرم ارتفاع سعر "الأمبير" وتردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية سكان المنطقة من الكهرباء، وتكبّدت المتاجر والمعامل خسائر كبيرة ما اضطر الكثير منها إلى الإغلاق أو العمل جزئياً ورفع أسعار المواد بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وبات التحدي الأكبر أمام المجالس المحلية متمثلاً في توفير كهرباء منتظمة وبأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف المعيشية. وعلى وقع هذه الصعوبات تحركت المجالس المحلية للبحث عن البديل؛ وتم التعاقد مع شركة “)”AK Energy[4])، تأسست في 1 حزيران 2017 في ولاية كلس التركية، تغذّي الشركة مناطق اعزاز والباب والراعي وبزاعة وقباسين وجرابلس وتل أبيض ورأس العين بالتيار الكهربائي([5]). والشركة الأخرى هي الشركة السورية التركية للطاقة الكهربائية وهي شركة مرخصة في تركيا برمز "STE Energy"([6])، عملت سابقاً في مجال الأمبيرات وتطورت لاحقاً إلى فكرة استجرار الكهرباء من تركيا وتوزيعها في المنطقة([7]). ووقّعت حكومة الإنقاذ بإدلب في مايو/أيار 2021 عقد توريد الكهرباء مع شركة “Green energy”  التي يديرها عمر شقوق، حيث تعمل على تغذية محافظة إدلب بالكهرباء وتتلخص أعمالها بثلاثة أنشطة رئيسة هي: إنشاء وتنفيذ مشاريع الطاقة الكهربائية، وصيانة البنى التحتية للشبكات والمحطات الكهربائية، واستثمار وتوزيع الطاقة الكهربائية.

ووقع المجلس المحلي في مدينة اعزاز مع شركة “AK Energy” أول اتفاق لتوريد الكهرباء للمنطقة في إبريل/نيسان 2018 لمدة عشر سنوات، تتعهد الشركة بموجبه بتغذية اعزاز باستطاعة 30 ميغا واط، مقابل توفير الأرض والمواد الأولية اللازمة للمضي في المشروع، بتكلفة تقدر بـ7 ملايين دولار، وتتولى ولاية كلس فض أي خلاف بين المجلس المحلي والشركة في حال حدوثه، بينما يتولى المجلس حل الخلافات بين الشركة والمواطنين. تبعه المجلس المحلي في مدينة الباب بعقد اتفاق مع ذات الشركة في مارس/آذار 2019 ويشمل الاتفاق إيصال التيار الكهربائي لكل من الباب وبزاعة وقبّاسين وكامل ريفها. ومن ثم تعاقدت كل من صوران وأخترين ومارع في إبريل/نيسان 2019 مع الشركة السورية التركية للكهرباء "STE energy". وفي يناير/كانون الثاني 2020 تم التعاقد مع ذات الشركة في عفرين وتستهدف المرحلة الأولى إيصال الكهرباء إلى عفرين وجندريس، وبقية المناطق في المرحلة الثانية. واعتمدت الشركتان في مبدأ التشغيل على عدادات إلكترونية مسبقة الدفع، تقتضي دفع المشترِك رسمَ اشتراك قيمته 200 ليرة تركية إضافة إلى ثمن العداد.

ومع الوقت بدأت كلتا الشركتين برفع سعر الكيلو واط بشكل تدريجي، للخطين المنزلي والتجاري، ما أدى إلى تزايد الضعوط الشعبية ضد المجالس المحلية وشركتي الكهرباء، فخرجت مظاهرات في مارع واعزاز والباب وصوران وجندريس، وأقام المتظاهرون اعتصامات، احتجاجاً على سياسة المجالس المحلية وطريقة تعاملها مع شركات الكهرباء ورفضاً لرفع أسعار الكيلو واط، فيما تذرّعت شركة“AK Energy”  في مدينة الباب عبر بيان لها بأن سبب الارتفاع في الكهرباء يعود مصدره إلى تركيا، وأن الارتفاع جرى بعد الاتفاق مع المجلس المحلي([8])، وعلى خلفية عدم الاستجابة لمطالب الأهالي، أحرق متظاهرون في مدينة عفرين مبنى شركة الكهرباء العاملة في المنطقة، ومبنى المجلس المحلي أيضًا، وأصدرت إدارة “التوجيه المعنوي” في “الجيش الوطني السوري” بيانًا حول المظاهرات نددت بالتكسير والحرق الذي حصل، ودعت للتهدئة والالتزام بتنظيم الاحتجاج([9]).

يُذكر أن أسعار الكيلو واط زادت منذ إيصال الكهرباء في 2019 حتى 2022 بمقدار 188% من 85 قرش إلى 2.45 ليرة تركية للمنزلي، ويوضّح الجدول أدناه سعر الكيلو واط خلال شهر يونيو/حزيران  2022.

 

تُظهر الأسعار أعلاه زيادة في خط الكهرباء المنزلي  في ريف حلب بنسبة 78% عن تركيا، وزيادة على سعر الكيلو واط التجاري بنسبة 63%. وبالنظر إلى ما تعانيه مناطق المعارضة من ظروف نزاع وبيئة مضطربة وارتفاع في الأسعار وفقر ونزوح، لا تتناسب هذه الأسعار مع الوضع المعيشي في المنطقة؛ إذا أُخذ بالاعتبار وسطي الدخل اليومي لمعظم سكان المنطقة بالاعتبار والذي يتراوح بين 20 و 30 ليرة تركية، بالكاد تغطي الاحتياجات الأساسية([12])، ويبلغ استهلاك العائلة للكهرباء في المنطقة وسطياً معدل 150 كيلو واط شهرياً أي ما قيمته 367.5 ليرة تركية([13])، تمثل حوالي 40% من دخل المواطن، في حين تبلغ فاتورة الكهرباء في تركيا 205 ليرات تركية وتمثل 4% من دخل عامل يتقاضى الحد الأدنى للأجور. وأقرّت شركة الكهرباء “Ak energy” في اعزاز رفع مقدار الشريحة الأولى من الكهرباء إلى 200 كيلو واط، بدلًا من 100 كيلو واط، مع الإبقاء على السعر نفسه عند 2.45 ليرة تركية للكيلو واط، على وقع الاحتجاجات الأخيرة، وهو ما لم يغيّر من واقع الحال شيء.

كما زاد ارتفاع سعر الكيلو واط من تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات وتحميلها للمستهلك في نهاية المطاف، ولدى تتبع نشاطات ومشاريع التعافي الاقتصادي المبكر في المنطقة بين 2018 و2021 بحسب مؤشر التعافي الصادر عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، أظهر المؤشر قطاع الصناعة والاتصالات والتمويل الأكثر هشاشة ضمن القطاعات الاقتصادية الأخرى المرصودة، وتعد زيادة حوامل الطاقة، بينها الكهرباء، أحد أهم العوامل التي ساهمت في تثبيط عمل تلك القطاعات([14]).

قراءة في العقود: عقد اعزاز نموذجاً

بالنظر إلى الاتفاقية الموقّعة بين المجلس المحلي في مدينة اعزاز وشركة الكهرباء “AK Energy”  يمكن استخلاص عدد من النقاط:

  • منح المجلس المحلي للشركة الحق في "توليد وتوزيع الكهرباء" بحسب المادة 2 (موضوع العقد) بدون إيراد أي تفاصيل حول كيفية وحجم توليد الكهرباء والظروف والمسؤوليات الملقاة على عاتق الطرفين، علماً أن المهام الرئيسية التي اضطلعت الشركة بها اقتصرت على استجرار التيار الكهربائي من تركيا وحسب! وألزم المجلس نفسه في البند 4 من المادة السابعة من الأحكام المشتركة بتأمين الأماكن المناسبة لإنشاء محطات شمسية ورياح وغاز طبيعي ومحروقات.
  • منح المجلس المحلي للشركة حق الانتفاع في استخدام شبكات الكهرباء والبنى التحتية الموجودة والعربات والمواد الكهربائية في اعزاز بدون أجور خلال مدة العقد حسب البند 1 في المادة 5، علماً أن الشركة تملّصت من تحمل مسؤولية حماية الشبكة الكهربائية، وجعلتها مشتركة مع المجلس المحلي ومديرية الأمن وفق البند 9 من ذات المادة.
  • ذكر البند رقم 2 في المادة الخامسة أن الشركة ستوزع الكهرباء للمشتركين دون أي عوائق أو مشاكل، بدون ذكر تفاصيل حول العوائق والمشاكل التي قد تواجهها، فجغرافية مناطق المعارضة لا تزال تعاني من اضطرابات أمنية، مما قد يتسبب في انقطاع الكهرباء وإيقاف العمل من قبل الشركة تحت ذرائع أمنية.
  • يعزز البند رقم 3 من المادة الخامسة بيئة الاحتكار من خلال حصر توزيع الكهرباء بالشركة، ومنع إقامة أي شبكة أخرى دون إذن الشركة، ما يحد من قدرة المجلس المحلي على إيجاد حلول وإدخال شركات أخرى على القطاع.
  • في البند رقم 6 من المادة 5 ضمنت الشركة عدم توسيع الشبكة الكهربائية على بعد أكثر من 1 كيلو متر من أقرب نقطة شبكة، قبل انتهاء مدة العقد بسنتين، وهو بند غير مُنصِف؛ إذ من المتوقع اتساع رقعة المساكن والمتاجر مع استقرار المنطقة أكثر وظهور حاجة متزايدة لإيصال الكهرباء إليها. ومن ثم يعد هذا البند مخالفة صريحة لنص المادة رقم 1 والتي تشير إلى "إيصال الطاقة الكهربائية للمناطق التابعة للمجلس المحلي في اعزاز والمناطق التي يتخذ المجلس فيها قراراً بغاية زيادة السوية الاقتصادية للمناطق المحررة من الإرهاب في مدينة اعزاز والبلدات التابعة لها"!
  • تحميل المجلس والمؤسسات الرسمية (مثل المشافي والمساجد والحدائق والمدارس والجامعات) مسؤولية كبيرة في دفع فواتير الكهرباء، بسعر مخفّض يبلغ 50% عن السعر العام بحسب المادة السادسة، إذ قد تتسبب ظروف صعبة تواجه المجلس والمؤسسات العامة بقطع الكهرباء وتحميلها ديوناً تُضعف من إدارتها واستقلاليتها، ما يصب في مصلحة الشركة في النهاية ويمكنها من فرض شروطها.
  • في البند رقم 5 من المادة السابعة أبقت الاتفاقية الباب مفتوحاً أمام حالة التغييرات المفاجئة التي قد تحصل بوضع كلمة "وما شابهها" بعد الكلام عن تغييرات سياسية، حرب، كوارث طبيعية، وأعطى البند للشركة الحق بتغيير شروط العقد بموجب الحالة الواقعة، وعليه يُمكن تغيير شروط العقد إثر ارتفاع أسعار الكهرباء ومعدل التضخم في تركيا على سبيل المثال.
  • لم يذكر البند 6 من المادة السابعة تفاصيل عن المخالفات والتعويضات المذكورة في حال عدم الالتزام ببنود الاتفاق، ما ينبئ بحالة من الغموض والمخاطر، ونصّت المواد على أحقية الشركة في فسخ العقد بدون دفع تعويضات إذا أخلّ المجلس بأي بند من بنود الاتفاق، بحسب البند 10 من ذات المادة.
  • أظهرت الاتفاقية المجلس مكبلاً وبموقف ضعيف خلال رفع الشركة لسعر الكيلو واط، لعدم وجود تفاصيل في بنود الاتفاق تحمي المجلس وتعطيه حق الرد والنقض بعد رفع الأسعار بشكل لا يتناسب مع قدرة المواطن في المنطقة. ولم تشر الاتفاقية إلى بنود حول إعادة التفاوض على اتفاقية جديدة خلال ظروف معينة، ونصّ البند 12 من المادة 7 على أنه "إذا تبين أن أي حكم من أحكام هذه الاتفاقية لاغٍ أوباطل أو مبطل أو غير صالح أو غير قابل للتنفيذ، فإن هذا الوضع لا يلغي صحة الأحكام المتبقية من الاتفاق، كلياً أو جزئياً، وإذا تبين أنه يعيق سير العمل يعتبر لاغياً بموجب قانون الديون التركي"، يعد إيراد هذا البند كافياً لعدم السماح للمجلس بطلب تعديل على الاتفاق فيما لو تبين عدم أحقية أحد البنود لسبب من الأسباب، كما لا تترتب أية جزاءات أو تعويضات أو أضرار على الشركة المنفّذة.
  • في البند 13 و14 من المادة 7 ضمِنت الشركة حقها أمام المجلس المحلي من خلال التحاكم أمام المحاكم التركية، فيما لم تذكر تفاصيل تنص على خضوع الشركة لقوانين المحاكم التركية أو حتى المحلية في حال حدوث شكاوى ضد الشركة من قبل المجلس والأهالي، وعليه امتلكت الشركة هامش حركة أكبر من المجلس المحلي وباتت صاحبة موقف أقوى في آليات التحاكم.

خلاصة وتوصيات

ذكرت الاتفاقية الموقّعة بين اعزاز وشركة “AK Energy” أن الغاية من الاتفاقية هي "زيادة السوية الاقتصادية للمناطق المحررة من الإرهاب في مدينة اعزاز والبلدات التابعة لها"، في حين أن أسعار الكهرباء خلال السنوات الثلاث الماضية زادت الأعباء المعيشية على المواطن ومشاكل قطاع الصناعة، وفاقت تسعيرة الكيلو واط الأسعار في تركيا، ما أدى لخروج مظاهرات في العديد من البلدات والمدن احتجاجاً على ارتفاع الأسعار والانقطاع المتكرر ضد المجالس المحلية والشركتين، كأحد ديناميات الضغط من المجتمع المحلي على الشركتين.

وبهدف تحسين بيئة التفاوض واكتساب أوراق قوة يمكن العمل على عدة نقاط من بينها:

  • تشكيل مظلة إدارية واحدة تمثل كافة المجالس المحلية في المنطقة تتمتع بإدارة تكنوقراط تضم أشخاصاً لديهم خلفية إدارية وقانونية واستثمارية، وتشرف على إدارة الاستثمارات في المنطقة ككل من خلال طرح العروض والمناقصات والبت بها، وأخذ العرض الأفضل الذي يراعي المصلحة الوطنية، ومن شأن العمل على هذه المظلة إظهار المنطقة ككتلة إدارية موحّدة لديها جبهة عمل تفاوض باسمها وتعنى بكافة الشؤون القانونية والاستثمارية.
  • يمكن للمجالس المحلية الابتعاد عن خصخصة القطاعات في المرحلة الحالية، والتوجه إلى نموذج المشاركة بين القطاع العام والخاص، ومن بين عقود العمل التي يمكن الاعتماد عليها خلال هذه الآونة (ابنِ، شغّل، انقل) والذي يقضي بمنح حق التملك والمشاركة في الأرباح مع القطاع الخاص لتنفيذ مشاريع استراتيجية لمدة 20 إلى 30 سنة، على أن يعود المشروع لملكية الكيان الحكومي بعد انتهاء المدة المتفق عليها، ويمكّن هذا النوع من العقود هامشاً أوسع للمجلس المحلي أثناء عملية التفاوض وآليات صنع القرار، فضلاً عن تصميم العقد ووضع شروط تتوافق مع مصلحة المواطن والشركات المحلية بالدرجة الأولى.
  • تأسيس شركة محلية في قطاع الكهرباء باسم "شركة الكهرباء الوطنية" من قبل المجالس المحلية وتسجيلها في تركيا بعد جمع الأموال المطلوبة لتمويل هكذا مشروع، ومن ثم التفاوض مع كلتا الشركتين لشراء حصصهما أو تقليلهما للحد الأدنى، أو يمكن للشركة الوليدة استجرار الكهرباء من تركيا كمشغّل ثالث للكهرباء في المنطقة ومنافسة الشركتين في الخدمة وإرغامهما على تعديل الأسعار.
  • إعادة التفاوض مع كلتا الشركتين وكتابة عقود جديدة تضمن استحواذ المجالس على نسبة لا تقل عن 50% تحافظ من خلالها على الكتلة المعطّلة في عملية اتخاذ أي قرار لا يتصل بالمصلحة العامة، وتحتاج إعادة التفاوض إلى تعزيز دور اللجان القانونية في المجالس المحلية لفهم تفاصيل العقود وإيجاد ثغرات قانونية تمكّن المجلس من إعادة التفاوض وكتابة بنود أكثر تفصيلاً تحل المشاكل العالقة، وتضمن أسعار مخفضة، وعدم تمرير أي اتفاقية في المستقبل بدون إمضاء اللجنة القانونية عليها، ونشر مذكرة التفاهم للعلن.
  • تشجيع المجتمع المدني والقطاع الخاص وغرف التجارة والصناعة على تأسيس شركات في الطاقة البديلة وتوليد الكهرباء من الطاقة الشمسية والرياح وغاز الميثان وتوفيرها للبلدات والمدن والمؤسسات العامة، ومنافسة الشركتين في تزويد المصانع والمعامل والمتاجر بالكهرباء بأسعار منافسة تسهم في دفع عملية الإنتاج نحو الأمام، بعد اعتماد آليات واضحة للحقوق والاستثمار والأصول والأرباح.

وأخيراً، من شأن ما سبق دعم المقاربة التي تذهب إليها هذه الورقة في دعم قدرة المجالس المحلية على التفاوض لإنعاش القطاعات الاستراتيجية التي تضررت خلال فترة الحرب والمساهمة في تنمية الاقتصاد المحلي وتخفيف الأعباء المعيشية على المواطن ونقل عملية التعافي الاقتصادي المبكر نحو إعادة الإعمار، كما ستبقيها أكثر مرونة أمام دخول مشاريع دولية ذات رؤوس أموال كبيرة.

 


 

([1]) Developments in north-west Syria and Ras Al Ain – Tell Abiad Situation Report No. 33, November 2021

([2])  مقابلات أجراها الباحث مع عوائل في اعزاز والباب وعفرين ومارع وإدلب عبر الهاتف في 9/5/2022.

([3]) انظر تطوير البيئة التمويلية في مناطق المعارضة، مركز عمران للدارسات الاستراتيجية، 17/3/2022، رابط: https://cutt.ly/tG6IiFF

([1]) North West Syria, OCHA, situation report, link: https://reports.unocha.org/en/country/syria/   visit: 10/5/2022

([2] (تغير أسعار الأمبيرات في عفرين، راديو روزنة، 29/8/2016، رابط: https://cutt.ly/CG54t1M

([3] ( الأمبيرات ترهق أهالي مدينة الباب في ريف حلب، عنب بلدي، 1/12/2019، رابط: https://www.enabbaladi.net/archives/346167 تم احتساب سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار على سعر 922 ليرة حسب سعر الصرف السائد في السوق السوداء في دمشق بحسب نشرة الليرة السورية اليوم في 29 ديسمبر/ كانون الأول، رابط: https://sp-today.com/en/currency/us_dollar/city/damascus

([4])  تعود ملكية الشركة للسوري إبراهيم خليل بنسبة 31% والأسهم الأخرى يمتلكها حسن تتر بنسبة 25%، ورجب شوبان بنسبة 20%، وياسين يوجيل بنسبة 24 %

([5])  شركة “Ak Energy” العاملة في سوريا ليست “Ak Enerji” التركية، عنب بلدي، 20/2/2022، رابط: https://www.enabbaladi.net/archives/549353#ixzz7Smj7WGug

 ([6]) تأسست على يد رجال أعمال سوريين يعملون في مجال الانترنت والمقاولات هم: مؤيد علي حميدي وضياء مصطفى قدور ومحمود أحمد قدور.

([7])  ريف حلب... أول شركة سورية تدخل بعقد استثمار لتوصيل الكهرباء، عنب بلدي، 6/4/2019، رابط:  https://www.enabbaladi.net/archives/292826#ixzz7SmlFlXUv

([8]) الكهرباء تشعل فتيل المظاهرات في أرياف حلب، عنب بلدي، 5/1/2022، رابط:  https://www.enabbaladi.net/archives/537364

([9]) “الجيش الوطني” يدعو إلى تهدئة احتجاجات الكهرباء في ريف حلب، عنب بلدي، 4/6/2022، رابط: https://www.enabbaladi.net/archives/578769

([10]) تم احتساب سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار عند 16.5 ليرة.

 ([11]) تقسم أسعار الكهرباء للخطوط المنزلية في تركيا إلى ثلاثة أقسام حسب المدة الزمنية: فترة الاستهلاك العادي: من الساعة السادسة صباحاً وحتى الخامسة عصراً بسعر 1.37 ليرة، وفترة الذروة: من الساعة الخامسة عصراً وحتى العاشرة ليلاً 2.15 ليرة، والفترة المخفضة: من العاشرة ليلاً وحتى السادسة صباحاً 0.74 قرش.

([12]) Developments in north-west Syria and Ras Al Ain – Tell Abiad Situation Report No. 33, November 2021

([13])  مقابلات أجراها الباحث مع عوائل في اعزاز والباب وعفرين ومارع وإدلب عبر الهاتف في 9/5/2022.

([14]) انظر تطوير البيئة التمويلية في مناطق المعارضة، مركز عمران للدارسات الاستراتيجية، 17/3/2022، رابط: https://cutt.ly/tG6IiFF

التصنيف أوراق بحثية

ملخص تنفيذي

  • تم تنفيذ 766 مشروعاً ونشاطاً في مناطق المعارضة بالشمال، ريف حلب الشمالي والشرقي ومحافظة إدلب، خلال النصف الثاني من 2021، بانخفاض عن النصف الأول 2021 بنسبة 11% أو بواقع 104 مشروعاً. وفي رصد للعدد الإجمالي لمشاريع في التعافي الاقتصادي المبكر أظهر التقرير تنفيذ 4070 مشروعاً بين 2018 و2021 في مناطق المعارضة.
  • استحوذ قطاع النقل والمواصلات على النسبة الأكبر للمشاريع المنفّذة (193 مشروع) ثم قطاع التجارة (169 مشروع) وقطاع المياه والصرف الصحي (123 مشروع) ويليه قطاع النزوح الداخلي (104 مشروع) وقطاع الزراعة والثروة الحيوانية (61 مشروع) والإسكان والتعمير (60 مشروع).
  • يلحظ التقرير عدة قضايا منها ارتفاع الأعمال المنفّذة في إدلب وريفها بواقع 55% لإدلب (419 مشروع) مقارنة بالمشاريع المنفّذة في حلب وريفها بواقع 45% (347 مشروع)؛ وتم تسجيل 1862 فرصة عمل في العديد من القطاعات تركزت معظمها في القطاع الطبي والنزوح الداخلي، ومن بين القرارات والإعلانات البارزة للمجالس المحلية والمنظمات تم عقد اجتماعات بين منظمات لوضع خطة لزراعة القمح وتنظيم عملية الزراعة، وإطلاق جمعية مزارعي البطاطا بالتعاون والتنسيق بين مؤسسة إكثار البذار وكل من المجلس المحلي في مارع وصوران والراعي، وإقرار المجلس المحلي في مدينة الباب سعر الكيلو واط 88.8 قرش لخط الكهرباء المنزلي و1.15 لخط الكهرباء التجاري، كما تم تحديد سعر ربطة الخبز بليرتين تركيتين.
  • من بين نقاط الضعف التي أوردها التقرير عدم توحيد آليات النشر ورصد النشاطات والمشاريع، يصعّب مهمة البحث والتدقيق على المشاريع والنشاطات المنفّذة ويجعل من الأرقام تفتقر للدقة المطلوبة لتقييم اقتصاد المنطقة، وجفاف واضح في البيئة القانونية بالشكل الذي يعطّل عملية التمويل ورفد المنطقة بالاستثمارات الصناعية والزراعية الكفيلة بتطوير اقتصاد المنطقة.
  • ومن بين نقاط القوة التي لحظها التقرير؛ استمرار العمل في بناء وحدات سكنية ونقل النازحين إليها، والاعتماد على طاقة الشمس في توليد الطاقة الكهربائية في مضخّات المياه وإنارة الطرقات، فضلاً عن تعبيد وتأهيل المزيد من الطرقات والساحات والأسواق، بالإسفلت وحجر الأنترلوك.
  • ويوصي التقرير بتوجيه المجالس المحلية والمنظمات على اعتماد آلية نشر موحدة لدى تنفيذ المشاريع، بحيث توجِد شبكة تواصل بين المجالس والمنظمات والعمل على خط مشترك في هذا الشأن، وتأسيس "جمعية زراعية وطنية" للنهوض بقطاع الزراعة تجمع الفلاحين والنقابات الزراعية للعمل على تنفيذ أجندة وطنية تصب في صالح المنطقة، وأوصى التقرير بتشكيل "هيئة إدارة المشاريع" لتذليل كافة الصعوبات التي يعاني منها قطاع التمويل، من قوننة وتعبئة المدخرات المحلية وإنتاج وتسويق.

حول التقرير: المنهجية والأدوات

يحاول تقرير التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق المعارضة في مدن وبلدات "درع الفرات"، و"عفرين"، ومحافظة إدلب استكمال ما بدأه منذ النصف الثاني لعام 2018 عبر رصد نشاطات الفاعلين من مجالس محلية ومنظمات خلال النصف الثاني لعام 2021 بين تموز وكانون الأول. ويهدف التقرير لتشخيص وفهم ما يلي:

  1. حركية النشاطات والأعمال المنجزة في المنطقة المحددة وبالتالي قياس تطور الاقتصادات المحلية ومقارنة المناطق والقطاعات مع بعضها البعض؛
  2. قدرة الفواعل على إيجاد بيئة آمنة للعمل والاستثمار تؤدي إلى خلق فرص عمل والقيام بأعمال ونشاطات متنوعة وتحريك الطلب المحلي؛
  3. قدرة المجالس المحلية على لعب دور حوكمي وتوقيع مذكرات تفاهم مع الشركات والمنظمات تسهم في رفد عملية التعافي المبكر بالنشاطات اللازمة؛
  4. معرفة حجم ما تصدره المجالس من تشريعات وقرارات وتعميمات والدور التشريعي الذي تلعبه المجالس في مأسسة العمل وضبط آليات العمل فيها.

وتتشكل أهمية هذا التقرير من قدرته على تشخيص حركة الانجاز في المشاريع الاقتصادية والتنموية المنفّذة بعموم المناطق التي يتم رصدها وتقييم الإيجابيات والسلبيات، مما يشكل دافعاً وإسهاماً لصنّاع القرار والفواعل لتوجيه الدعم وسد الثغرات في القطاعات الاقتصادية.

ركّز التقرير خلال عملية الرصد على المدن الرئيسية والبلدات المبين في الجدول رقم (2) التي شهدت نشاطاً اقتصادياً ملحوظاً، ووفقاً للتصنيف الصناعي المعياري الدولي، كما تم الاعتماد على المعرّفات الرسمية للمجالس المحلية والمنظّمات العاملة على "فيس بوك" و"تليغرام" وتسجيل نشاطاتها وتقاريرها الدورية الموضّحة بالجدول رقم (1)، وفق معادلة رصد مضبوطة تؤمّن القدرة على تحليل البيانات وفق مستويين، المستوى الأول مستوى القطاعات الاقتصادية، والثاني وفقاً للمستوى الجغرافي.

يوضّح الجدول أدناه خارطة الفواعل التي يرصد التقرير أنشطتها التنموية والخدمية والاقتصادية

 كما يظهر الجدول أدناه القطاعات ونوعية النشاطات/ القرارات المرصودة:

 

أولاً: مؤشرات التعافي الاقتصادي المبكر في النصف الثاني من عام 2021

تم تنفيذ 766 مشروعاً ونشاطاً في مناطق المعارضة بالشمال، ريف حلب الشمالي والشرقي ومحافظة إدلب، بانخفاض عن النصف الأول بنسبة 11% أو بواقع 104 مشروعاً. وحسب الشكل رقم (1) ورقم (4) يوضحّان عدد ونسب المشاريع في المنطقة، وكانت ضمن قطاع النقل والمواصلات (193 مشروع) بنسبة 25% وقطاع التجارة (169 مشروع) بنسبة 22% وقطاع لمياه والصرف الصحي (123 مشروع) بنسبة 16% وقطاع النزوح الداخلي في المرتبة الرابعة بواقع (104 مشروع) وقطاع الزراعة  والثروة الحيوانية (61 مشروع) وقطاع الإسكان والتعمير (60 مشروع).

وحافظت إدلب على تنفيذ النسبة الأكبر من المشاريع والنشاطات بواقع 55% (419 مشروع) مقارنة مع ريف حلب (347 مشروع) كما يظهر في الشكل رقم (2).

 

وبشكل أكثر تفصيلاً يُظهر الشكل رقم (3) توزع المشاريع على المناطق المرصودة؛ حيث حلّت مدينة إدلب في المرتبة الأولى (125 مشاريع) في المؤشر للمرة الرابعة، وجاءت بعدها مدن الباب (85 مشروع) واعزاز (82 مشروع) وسرمدا (80 مشروع)، إضافة إلى مدن الدانا وعفرين وأخترين، ويعود تركز المشاريع في هذه المدن إلى عدة عوامل لعلّ أبرزها تركز عدد كبير من المخيمات فيها وبالتالي وجود معظم المنظمات والمحلية والأجنبية، واحتواءها على أسواق تجارية.

 

ومن بين أبرز القرارات والإعلانات التي تم اتخاذها والإعلان بها من قبل المجالس المحلية والمنظمات خلال هذه الفترة: عقد اجتماعات لعدة منظمات لوضع خطة لزراعة القمح وتنظيم زراعة وتصرف المحصول، وأطلق المجلس المحلي في مارع وصوران والراعي جمعية مزارعي البطاطا بالتعاون والتنسيق مع مؤسسة إكثار البذار، أما في إدلب فقد أعلن الاتحاد العام للفلاحين ومديرية زراعة إدلب أنها تتابع تشكيل الجمعيات الفلاحية في المدن والبلدات والقرى لتنظيم عمل الفلاحين وزراعاتهم وحل مشاكلهم العالقة، وأقر المجلس المحلي في مدينة الباب سعر الكيلو واط 88.8 قرش لخط الكهرباء المنزلي و1.15 لخط الكهرباء التجاري، كما تم تحديد سعر ربطة الخبز بليرتين تركيتين، وتم عقد مذكرتي تفاهم في الراعي واعزاز أحدهما لتعبيد الطرقات والأخرى لتقديم 50% من مادة الطحين للمجلس المحلي في الراعي لبيع ربطة الخبز للمواطن بسعر ليرة تركية، كما وفرت المنظمات والمجالس المحلية نحو 1862 فرصة عمل خلال الفترة المرصودة بزيادة 832 فرصة عن النصف السابق بنسبة 80%، معظمها عقود مؤقتة بين شهر و6 أشهر وسنة، وتركزت في القطاع الطبي من قبل منظمات "سيريا ريليف"، و"تكافل الشام"، و"المؤسسة الدولية للتنمية الاجتماعية" و"يداً بيد للاغاثة والتنمية" وغيرها.

استحوذ قطاع النقل والمواصلات على المرتبة الأولى ضمن مؤشر التعافي بواقع 193 مشروعاً، بارتفاع عن النصف السابق بـ52 مشروعاً، وحازت الدانا واعزاز وأخترين وعفرين على المراتب الأربعة الأولى بين المناطق التي تم رصدها كما يظهر في الشكل أدناه. ومن بين المشاريع المنفّذة استمرار رصف الطرقات الفرعية والساحات بحجر الانترلوك، وتعبيد الطرقات بالإسفلت بين اعزاز وكفركلبين، وكفركلبين وكلجبرين، والسلامة وشمارين، وشمارين وسجو وغيرها، وشهدت هذه الفترة أيضاً تأهيل العديد من الطرقات المؤدية إلى تجمعات المخيمات وربطها مع القرى المجاورة لسهولة نقل الخدمات إليها.

 

وتم تنفيذ 169 مشروعاً في قطاع التجارة جاءت إدلب في المرتبة الاولى بـ44 مشروعاً تلتها الباب واعزاز والدانا على التوالي، ولا تزال السمة الرئيسية في هذا القطاع هو إصدار المنظمات العاملة والمجالس المحلية مناقصات لتوريد أدوات طبية ووقود وقرطاسية وخدمات طباعة وطحين وتقديم عروض لاستئجار سيارات وسواها، ومن بين المنظمات التي تقدم مناقصات وتساعد على تنشيط هذا القطاع مؤسسة بناء للتنمية، ومنظمة بنيان، والرابطة الطبية للمغتربين، وجمعية عطاء وغيرها.

 

وفيما يتعلق بقطاع المياه والصرف الصحي تم تنفيذ 123 مشروعاً في المنطقة كما يُظهر الشكل أدناه، وتربّعت مدينة سرمدا على رأس القائمة بواقع 22 مشروعاً، تلتها مدينتي اعزاز (21 مشروع) وإدلب (14 مشروع)، ويعد هذا القطاع أحد القطاعات الحيوية ضمن مؤشر التعافي وساهم العمل عليه خلال الشهور الماضية في تحسن وضع البنية التحتية للمياه وطرق إيصالها للسكان والمخيمات، وأشارت إحصائية لوحدة تنسيق الدعم إلى طرق إيصال المياه في الشمال السوري في تشرين الأول 2021 وجاءت النسب: 89% بواسطة شبكة مياه و6% عبر الصهاريج و1% منهل.

 

وبالانتقال إلى قطاع النزوح الداخلي، انخفض عدد المشاريع في هذا القطاع عن النصف السابق بواقع 41 مشروعاً إذ تم تنفيذ 104 مشاريع خلال النصف الثاني من 2021 حيث نفّذ في سرمدا (24 مشروعاً) وأطمة (22 مشروعاً) وإدلب (19 مشروعاً)، نظراً إلى كثافة أعداد النازحين والمخيمات فيها، وشملت الأعمال تقديم خدمات البنية التحتية في المخيمات وترميم المنازل لتحسين الظروف المعيشية للنازحين القاطنين فيها، وأوردت نشرة لوحدة تنسيق الدعم أن 62% من الطرق ضمن المخيمات معبدة أو مرصوفة فيما لا تزال 38% تحتاج إلى رصف وتعبيد.

 

بالنسبة لقطاع الزراعة والثروة الحيوانية فقد تم تنفيذ 61 مشروعاً أقل بـثلاثة مشاريع عن النصف السابق، جاءت إدلب في المرتبة الأولى (18 مشروعاً) تلتها جرابلس (6 مشاريع) وقباسين وعفرين واعزاز (4 مشاريع) لكل منها، وتضمنت هذه الفترة دعم الفلاحين بالمواد الأساسية لدعم المحاصيل الزراعية، وتسليم قروض حسنة للمزارعين، ومتابعة حثيثة للمحصول من قبل المنظمات للتدخل في الأوقات المناسبة ومساعدة الفلاح على جني المحصول. وألقت المجالس المحلية الضوء أكثر على قطاع الزراعة من خلال دعم تأسيس جمعيات للمزارعين وتأسيس اتحاد عام لهم، واجتماع عدة منظمات في اعزاز لوضع خطة لزراعة القمح في المنطقة.

 

وسجّل قطاع الإسكان والتعمير تنفيذ 60 مشروعاً بزيادة 8 مشاريع عن النصف السابق، كما يظهر في الشكل أدناه، وبقيت مدينة الباب في قمة المؤشر بواقع 37 مشروعاً بدافع إصدار تراخيص على الشيوع لبناء سكني وتجاري، واستمرت مشاريع نقل المخيمات إلى مجمعات سكنية تتسع لمئات العائلات ومجهّزة بكافة الخدمات، وألقى "فريق ملهم التطوعي" على نقطة مهمة في هذا الإطار عندما تمكن من جمع تبرعات بأكثر من 2 مليون دولار لبناء وحدات سكنية للنازحين عوضاً عن الخيمة، وأنهى العمل في مدينة اعزاز على مشروعي أوتاد الذي يضم 320 وحدة سكنية، وقرية ملهم التي تضم 300 وحدة، وجهّزت منظمة إحسان 247 وحدة سكنية في بلدة كفرصفرة، والانتهاء من "قرية التميز الإنساني" من قبل منظمة وطن في مدينة حارم، وتم نقل 453 عائلة من المخيمات إلى مساكن جاهزة في قرية الزيتون في مدينة الدانا من قبل مديرية الشؤون الإنسانية.  ومن بين المشاريع البارزة التي تم العمل عليها في هذه الفترة؛ بناء منطقة حرفية في اعزاز، وسوق من 39 محل في الراعي، وبدء العمل على مدينة صناعية في صوران.

 

ونفذت المجالس المحلية والمنظمات 24 مشروعاً في قطاع الكهرباء خلال هذه الفترة أقل بمشروعين عن النصف السابق. وجاءت إدلب على رأس القائمة بـ5 مشاريع والراعي بـ4 مشاريع وبعدها الأتارب، وتم خلالها إيصال الكهرباء للبلدات ولمدن وتجهيز أعمدة إنارة للمحلّق الغربي الشمالي في اعزاز، وعلى طريق معبر السلامة، وفي الراعي وقباسين وسلقين، ونفّذت العديد من المنظمات مشاريع توليد طاقة كهربائية عبر تركيب المئات من ألواح الطاقة الشمسية في محطات ضخ المياه لتخديم النازحين في المخيمات في كفردريان وصوران وإدلب والأتارب.

 

فيما يتعلق بقطاع الخدمات الاجتماعية فقد تم تنفيذ 17 مشروعاً أقل بـ9 مشاريع عن النصف السابق، حيث تم بناء مدرسة "حق الشام" في مدينة الباب، ومدرسة في أخترين، ومستوصف في صلوة، وتم تأهيل 6 مدارس في مدينة اعزاز، وتأهيل عدد من المدراس في عفرين، وغيرها.

وفيما يتعلق بقطاع التمويل، تم تنفيذ 10 مشاريع في بزاعة والباب واعزاز والراعي وأخترين وإدلب ومن بين المشاريع التي يتم تنفيذها، النقد مقابل العمل التي تستهدف أعمال النظافة العامة والمشاريع الخدمية، وطرح مزادات لاستثمار محال وصالات تجارية، وتم طرح معمل غاز وأراضي زراعية ومحل تجاري وحديقة للاستثمار في بزاعة.

كما تم تنفيذ 3 مشاريع في قطاع الاتصالات، بينها إصلاح خط الهاتف الواصل بين إدلب وعربيتا، وصيانة وتمديد خطوط للهاتف الأرضي في إدلب. أما في قطاع الصناعة فقد تم تنفيذ مشروع يتعلق بتجهيز معمل لصناعة حجر الانترلوك في مدينة جرابلس، ومشروع بناء محطة مفاعل معالجة لاهوائية للصرف الصحي في بلدة باتبو.

أخيراً، يمكن القول إن النصف الثاني من 2021 انخفضت عدد المشاريع فيه بواقع 104 مشاريع، وبقي تركز المشاريع في قطاعات النقل والمياه والتجارة في سلم أولويات المنظمات العاملة والمجالس المحلية، ولا تزال إدلب تتفوق بعدد المشاريع على ريف حلب بواقع 55% لإدلب مقابل 45% لريف حلب. وتم تسجيل 1862 فرصة عمل أوجدت من قبل المنظمات والمجالس المحلية في مختلق القطاعات الاقتصادية، وتركز معظمها في القطاع الطبي وهو مؤشر يؤكد على آثار الحرب واحتياجات المنطقة في هذا القطاع.

 

ثانياً: التقييم العام

يُظهر الشكل رقم (13) المسح القطاعي على مشاريع التعافي في مناطق المعارضة من النصف الثاني في 2018 حتى النصف الثاني في 2021 أنجز خلالها 4070 مشروعاً معظمها في قطاع النقل والمواصلات تلاها المياه والصرف الصحي ومن ثم قطاع التجارة، وقد شكّلت هذه القطاعات بما رفدته من مشاريع ونشاطات قاطرة عملية التعافي في المنطقة على مدار الفترة الماضية واستطاعت تقديم الخدمات الأساسية الأشد احتياجاً للسكان من مياه وطرقات، فيما حازت قطاعات الصناعة والاتصالات والتمويل على الاهتمام الأقل بين القطاعات المرصودة فضلاً عن قطاع الزراعة والثروة الحيوانية الذي نفذ فيه 323 مشروعاً، وهي إشارة إلى خلل يحتاج إلى تضافر الجهود لدفع هذه القطاعات وإعادة التوازن للمنطقة، باعتمادها على الموارد المحلية المتوفرة لإحلال جزء من الواردات وعدم الاعتماد على الخارج بنسبة عالية. كما يشكل قطاع النزوح الداخلي (577 مشروعاً) تحدٍ كبير للمنطقة بالمنهجية المتبعة في تخديم النازحين في المخيمات، وقد بدأت العديد من المنظمات الاعتماد على بناء منازل سكنية وتنقل سكان المخيمات إليها، إلا أن العدد الكبير للمخيمات يحتاج لتضافر عدد أكثر من المنظمات للعمل على خطة تضمن إنهاء المخيمات ومشاكلها.

 

وفيما يتعلق بتوزع المشاريع على البلدات والمدن يُظهر الشكل رقم (14) مدينة إدلب على رأس قائمة المدن الأكثر تنفيذاً للمشاريع بواقع 562 مشروعاً، وتلتها مدينتي الباب واعزاز 487 و388 على التوالي. وساهم تركز المنظمات المحلية والأجنبية من جانب، والمخيمات من جانب آخر إلى استقطاب هذه المدن مشاريع بشكل أكثر من بقية المدن الأخرى. ومن جانب آخر يلحظ التقرير التغيرات الجذرية التي حلّت ببعض القرى والبلدات الصغيرة بتحولها إلى حواضن كبيرة إثر تدفق النازحين وإنشاء المخيمات فيها ونشاط المنظمات والمجالس المحلية فيها، مثل بزّاعة والدانا وسرمدا، على حساب المدن الكبيرة والتي كانت تشكل مراكز جذب تجاري واقتصادي مثل عفرين وحارم وغيرها.

تبين نتائج الرصد في النصف الثاني لعام 2021 جملة من نقاط القوة والضعف قي القطاعات المرصودة في مناطق "درع الفرات" و"عفرين" ومحافظة إدلب، فبالنسبة لنقاط الضعف يمكن شملها بالنقاط الآتية:

  • عدم توحيد آليات نشر المشاريع فضلاً عن وجود مكتب إحصائي يقوم بمهام الإحصاء، يصعّب مهمة البحث والتدقيق على المشاريع والنشاطات المنفّذة في المنطقة ويجعل من الأرقام تفتقر للدقة المطلوبة لتقييم اقتصاد المنطقة.
  • تعاني المنطقة من جفاف قانوني يعطّل بيئة التمويل وبالتالي قطاعي الصناعة والزراعة بشكل أساسي، إذ تساعد القوانين والتشريعات ضمن بيئة قانونية مواتية إلى تشجيع رأس المال الوطني بالدرجة الأولى للعمل والاستثمار بشكل أكبر، وإضفاء أجواء الثقة بالشكل الذي يساهم في رفد المنطقة بالتطور المطلوب.
  • يؤدي تركز المشاريع في مناطق محددة إلى تشوهات اقتصادية مستقبلية من قبيل استقطاب أناس للعمل في مدن محددة وما يتبعها من ارتفاع في الأسعار وتوسع سكني أفقي وعامودي وعدم استيعاب البنية التحتية لهذا التوسع، وهو ما يحدث فجوات عدّة بين البلدات والمدن في المنطقة.

أما بالنسبة لنقاط القوة التي يسجلها التقرير:

  • اعتماد المنظمات على توليد الكهرباء في مضخات المياه وإنارة الطرقات على ألواح الطاقة الشمسية، يقدّم مرونة عالية في هذا القطاع وبالنظر إلى حجم الصعوبات التي تواجه المنطقة في ظل عدم توفر موارد مستقرة للوقود، ومن شأن اعتماد هذه الطريقة وتوسعها إلى ابتكار نموذج جديد في توليد الطاقة الكهربائية كبديل عن الطاقة التقليدية.
  • تعبيد وتأهيل المزيد من الطرقات والساحات والأسواق، بالإسفلت وحجر الإنترلوك، حيث يتم تشبيك المدن والقرى ببعضها البعض بالشكل الذي يسهّل عملية تنقل المدنيين والتجارة المحلية.
  • بناء المنظمات مئات الوحدات السكنية الجاهزة ونقل العوائل النازحة إليها، بالشكل الذي يساهم في تخفيف الأعباء على المنطقة، وتوجيه الموارد المالية من المخيمات إلى أبواب وقطاعات اقتصادية أخرى.
  • ويُضاف إلى ما سبق بناء مفاعل لاهوائي لمعالجة مياه الصرف الصحي في المنطقة، وهي خطوة ولا شك مهمة ولا بد أن يتبعها خطوات أخرى من قبيل معالجة النفايات والاستفادة من الطاقة المتولدة.

توصيات ختامية

يورد التقرير توصيتين من شأنهما رفد عملية التعافي الاقتصادي المبكر مزيداً من التنسيق في المنطقة وفواعلها، ومزيداً من العمل في القطاعات غير الفاعلة حتى الآن:

  • يمكن للمجالس المحلية والمنظمات الاعتماد على آلية نشر موحدة لدى تنفيذ المشاريع إلى حين تأسيس مكتب إحصائي لديه منهجية واضحة ويعتمد على طريقة عمل احترافية في هذا الخصوص، من شأن هذه الطريقة إيجاد شبكة تواصل بين المجالس والمنظمات والعمل ضمن خطة مشتركة لا تتطلب الكثير من التنسيق والتشابكات الإدارية.
  • وللنهوض بقطاع الزراعة يمكن العمل على تأسيس "جمعية زراعة وطنية" تجمع الفلاحين والنقابات الزراعية ينتخبون إدارة تعمل على تنفيذ أجندة وطنية تصب في صالح المنطقة وتصمم طريقة تتناسب وظروف المنطقة التي تمر فيها.
  • تطوير القطاع التمويلي متلازمة ضرورية للنهوض بالاقتصاد المحلي، ومن شأن العمل مع المجالس المحلية والمنظمات وغرف التجارة والصناعة في تشكيل "هيئة إدارة المشاريع" على تذليل كافة الصعوبات التي يعاني منها قطاع التمويل، من قوننة وتعبئة المدخرات المحلية وإنتاج وتسويق.
التصنيف تقارير خاصة

مدخل

خلال متابعة حركية أنشطة التعافي المبكر في مناطق المعارضة في ريف حلب ومحافظة إدلب يمكن ملاحظة انحسار المشاريع المنفّذة ضمن قطاعات النقل والمواصلات والمياه والنزوح الداخلي والتجارة؛ مقابل محدودية التنفيذ في قطاعات استراتيجية أخرى لعلّ أهمها قطاع التمويل، ولأهمية هذا القطاع وأدواره الوظيفية في تشكيل أطر دعم محلياتية ستحاول ورقة التوصيات التالية تنبيه الفاعلين حول إشكالية قطاع التمويل في المنطقة وضرورة العمل على تنويع القنوات التمويلية وتوجيهها نحو تطوير البيئة التمويلية وتنفيذ مشاريع صغيرة ومتوسطة في قطاعات إنتاجية كالزراعة والصناعة والخدمات.

بيئةٌ تمويليةٌ ضعيفة

في إطار رصد نشاطات التعافي الاقتصادي المبكر ضمن القطاعات التالية[1]: المياه، والنقل، والكهرباء، والزراعة، والتجارة، والإسكان والتعمير، والنزوح الداخلي، والصناعة، والتمويل، والخدمات الاجتماعية؛ نفّذت المجالس المحلية بالتعاون مع المنظمات العاملة في مناطق المعارضة نحو 3204 مشروعاً في ريفيّ حلب وإدلب خلال 3 أعوام بين 2018 و2021.
وشكّل الوزن النسبي للمشاريع اهتماماً أكبر بالمرافق الأساسية؛ كتأمين مياه الشرب عبر تمديد شبكات جديدة وإصلاح أعطال الشبكات القديمة، ومد شبكات صرف صحي، وتعبيد الطرق الفرعية والرئيسية داخل المدن والبلدات وخارجها بالإسفلت، وتقديم خدمات داخل المخيمات لتخفيف معاناة النازحين، فضلاً عن مشاريع أخرى مرتبطة بقطاع التجارة. حيث بلغت نسبة المشاريع المنفّذة في قطاع المياه والصرف الصحي 19% من إجمالي المشاريع الكلي، و18% في النقل المواصلات، و17% في التجارة، بينما بلغت نسبة المشاريع في الزراعة 8%، وفي كل من الكهرباء والتمويل 4% لكل منهما وفي قطاعي الصناعة والاتصالات 0%.

 

وتعتمد المجالس المحلية والمنظمات في تنفيذ المشاريع وتوظيف الكوادر على المنح والمساعدات المالية (الريع) المقدّمة من الدول والمنظمات الأجنبية، وتكاد تكون هذه الرافعة المالية الوحيدة لتنفيذ النشاطات والمشاريع فضلاً عن كونها المشغّل الرئيسي للسكان، وهو ما ربط حركة التعافي الاقتصادي المبكر وتنفيذ المشاريع من جهة بقرارات المانح وطرق توزيع الأموال اتجاه قطاعات محددة، ومن جهة أخرى بمحددات تعامل المجتمع الدولي حيال الملف السوري والتي تؤثّر على جحم التمويل من جهة أخرى، وبالتالي تمحورت معظم الأموال الممنوحة حول  أطر الأعمال الإغاثية أو التي تخدمها بشكل غير مباشر، ما أفرز هشاشة في الاقتصاد المحلي، وانكشاف على الخارج (تركيا)، واعتمادية متزايدة على فكرة المنح المالية، وعدم الالتفات لتوفير عناصر البيئة التمويلية من مؤسسات وأسواق وأدوات وخدمات مالية والتي تُسهم بدورها في خلق قنوات تمويلية جديدة  تعود على المجتمع بالفائدة المرجوّة.

تدفع المنهجية القائمة باتجاه ضرورة تبني مقاربات أخرى تُخفّف نسب الاعتمادية على الآخر؛ وتتكئ على التحسّن الطفيف في مؤشر التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق المعارضة (انظر الشكل رقم 2)، وتقوم هذه المقاربات المقترحة باتجاه تحويل منهجية عمل الأجسام الرسمية وغير الرسمية بشكل تدريجي نحو رفد القطاعات الاقتصادية ذات الشأن بتجديد الإنتاج الاجتماعي وتعبئة رؤوس الأموال المحلية والممنوحة في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة والكهرباء والاتصالات والخدمات عموماً ودعم بيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

 

ثلاث أدوات لتطوير بيئة التمويل

يمكن الاعتماد على عدة أدوات لإيجاد بيئة تمويلية ضمن الظروف الحالية، وخلق قنوات تمويلية خاصة لتنفيذ مشاريع كثيرة مثل: مشاريع الطاقة المتجددة ومعالجة النفايات والصناعات النسيجية والطبية والغذائية والتقنية والمعدنية والورقية فضلاً عن المشاريع الزراعية والثروة الحيوانية ومشاريع استراتيجية متمثلة بشبكات الكهرباء والمياه والهاتف والانترنت والنقل والمواصلات والإسكان والتعليم وغيرها، ويمكن الاعتماد على ما يلي لتطوير هذه البيئة:

أولاً: المجالس المحلية وغرف التجارة والصناعة

ينبغي أن تلعب المجالس المحلية وغرف التجارة والصناعة دوراً محورياً في تهيئة بيئة العمل وتأسيس المشاريع، وفي سبيل تحقيق هذا الدور، يمكن التوافق على تشكيل خلية موحّدة باسم "هيئة إدارة المشاريع" تتعاون مع خبراء إداريين واقتصاديين في اختيار منطقة آمنة مناسبة لتأسيس وعمل المشاريع والشركات. تعمل الهيئة على كتابة نظام إداري وقانوني مرن يتضمن تفاصيل الترخيص والرسوم والضرائب والتوظيف والواردات والصادرات وأية تفاصيل أخرى، وتضمن معالجة كافة المخاوف والمشاكل المرتبطة بتأسيس المشاريع والعمل، وما يحتاجه صاحب الفكرة لتنفيذ مشروعه، والمستثمر سواءً كان فرداً أو منظمة أو شركة لضمان حقوقه وأرباحه، مع التأكيد على تضمين القوانين التركية والدولية ذات الشأن، ووضع خطة استثمارية تهدف لسد الفجوات في الأمن الغذائي والمائي والطاقة، وإيجاد فرص عمل للشباب.

 وتعمل هذه الهيئة ضمن المحاور التالية:

  • الاتفاق مع الجانب التركي، والمنظمات الدولية، على قواعد عمل هذه المنطقة وطرق الاستثمار فيها؛
  • تأسيس محكمة توظّف قضاة ومحامين في القضايا والحقوق المالية والتجارية والاستثمارية والنزاعات المرتبطة بها لاستمرار العمل ضمن بيئة قانونية صحيّة، وضمان حقوق الملكية والأوراق المرتبطة بالديون ورأس المال؛
  • وضع خطة تسويقية للمنطقة تتضمن الاستفادة من تجارب حواضن استثمارية قائمة، وزيارة بلدان عربية وأجنبية وبلدان المغترب السوري، ومنظمات محلية وأجنبية بهدف التشبيك وتعزيز الثقة وبناء جسور التواصل وجذب الاستثمارات المنشودة إليها؛
  • الاستفادة من المدخرات المحلية المتوفرة بيد قلّة من الأشخاص بالمنطقة عوضاً عن تسربها إلى الخارج، بما يُسهم في تمويل مشاريع واستثمارات متنوعة؛
  • تشجيع المستثمرين على تأسيس شركات مصرفية وإدارة أموال واستثمارات، تفيد في جذب الأموال المحلية والخارجية وتشغيلها في مشاريع ربحية؛
  • قوننة عملية "التمويل الجماعي" التي قد تُنفّذ من قبل المجتمع المحلي.

ثانياً: المنظمات المحلية

يُمكن للمنظمات المحلية العمل على توسيع دائرة العمل لتشمل قطاعات إنتاجية وإيجاد مانحين ومتبرعين، أفراداً ومؤسسات ودولاً، بكافة السبل المتاحة لتمويل مشاريع في الصناعة والزراعة والخدمات، ومن أجل ضمان نجاح أكبر للمشاريع يمكن تبني فكرة "الاحتضان" وتدريب صاحب المشروع مالياً وإدارياً وتسويقياً، بهدف إنجاح المشروع وتذليل الصعوبات. والجدير بالذكر أن المنظمات راكمت خبرة خلال السنوات الماضية وتمكنت من التأقلم في ظل ظروف عمل صعبة، فضلاً عن رصيد العلاقات والخبرة والموارد البشرية التي تمتلكها، ما يُمكنّها من تسويق واحتضان مشاريع إنتاجية تسهم في رفد المنطقة بالنجاح المطلوب.

ثالثاً: المجتمع المحلي

بات التمويل والعمل اللامركزي مُنافِساً قوياً للأنظمة البيروقراطية والمركزية في العالم خلال السنوات الماضية، يمكن الاستفادة من هذه الطفرة وتوأمة التجربة في مناطق المعارضة، عبر تشجيع أفراد في الداخل على تصميم منصات تمويل على الانترنت تستهدف جذب أصحاب المشاريع لعرضها على المنصة، وإتاحة التفاعل مع العالم لمشاركة الفكرة وجمع التمويل اللازم لتنفيذها، وقد تبدأ الأفكار انطلاقاً من تمويل فرد أو عائلة لشراء دواجن أو أبقار بمبالغ مالية صغيرة بهدف الاستفادة ممّا يتنج عنها، إلى تمويل مجموعة أفراد لصناعة منتجات معقّدة تباع في الأسواق المحلية أو الخارجية عبر أسواق إلكترونية. وتتيح هذه الطريقة تجاوز الصعاب والتحديات المحلية التي تواجه عملية التمويل، وتشجيع أصحاب الأفكار على طرحها وتنفيذها، وتأسيس مشاريع صغيرة متنوعة قابلة للنمو والتطور مع مرور الوقت، فضلاً عن خلق فرص عمل في المنطقة.

وتُصمم هذه الطريقة وفق نموذج "الكل أو لا شيء" بمعنى؛ ينفّذ المشروع في حالة جمع كامل المبلغ المطلوب فقط. ويوضّح الجدول التالي أنواع التمويل الجماعي المتاح:

 

خلاصة ختامية

إنّ تطبيق هذه الأطر وتنويع مصادر التمويل سيساهم في تعزيز شروط فعالية البيئة التمويلية، وبالتالي تطوير الاقتصاد المحلي بالمحصلة، ونقل دور المجالس والمنظمات والمجتمع المحلي رويداً رويداً من دور إغاثي عاجل إلى دور تنموي أكثر استدامة، إضافة لتعزيز جملة من الأمور في المنطقة من بينها:

  • دفع عجلة الاقتصاد وإيجاد فرص عمل تساهم في تعزيز استقرار السكان في تلك المناطق، فضلاً عن تحفيز فئات كثيرة من السوريين في دول الجوار للعودة إلى الداخل؛
  • الانتقال بشكل تدريجي من وضعية الاعتماد على الغير في تأمين الاحتياجات إلى الاعتماد على الذات، واكتساب الأجسام الإدارية القائمة ثقة عالية وأوراق تفاوض مع باقي الأطراف؛
  • تعزيز دور القطاع الخاص في رفد عملية التعافي الاقتصادي المبكر بالأعمال والمشاريع، وبالتالي منافسة مدن النظام وجذب التجار والصنّاع والأموال إلى مناطق المعارضة.

يُمثّل قطاع التمويل عصب الاقتصاد والأسواق إذ لا يمكن للأفكار أن تتحول إلى مشاريع، ولا يمكن للحكومة والمجالس المحلية أن تتقاضى الرسوم والضرائب بدون إنعاش هذا القطاع الهام. ومن شأن تطوير الاقتصاد المحلي في المنطقة خلال السنوات القادمة، تعافي المنطقة أكثر وصياغة هوية اقتصادية والعودة للحياة الطبيعية وتوظيف الكفاءات والكوادر في المكان المناسب، وتوفير تعليم وحياة أفضل للسكان.


 

[1] للاطلاع أكثر أنظر: مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق المعارضة بين النصف الثاني 2018 والنصف الثاني 2020 على الروابط التالية: https://bit.ly/3jafNuC، https://bit.ly/2WzyRLb ، https://bit.ly/37donmN ، https://bit.ly/3ffE9BY 

التصنيف أوراق بحثية

تمهيد

يشهد قطاع الزراعة في مناطق المعارضة إشكالات عدّة منها ارتفاع كمية المعروض الزراعي بشكل يفوق الطلب المحلي أمام ضعف القوة الشرائية للمواطن وافتقار البيئة المحلية لمصانع غذائية تستوعب الفائض، فضلا عن قلة قنوات التصدير الخارجية، وانخفاض الأسعار مقابل ارتفاع تكاليف الإنتاج ما يؤدي إلى مشاريع بدون جدوى، ولا تزال حركة التصدير إلى تركيا بالحد الأدنى من حيث الحجم والاستمرارية، حالت هذه الإشكاليات كلها دون تعزيز الإنتاج الزراعي وتوظيف القوة العاملة على مدار السنوات القليلة الماضية، ولم تنفع الديناميات الحوكمية الراهنة في إيجاد حلول جذرية لتلك الإشكالات ما وضع المزارع أمام خسائر متراكمة انعكست عموماً على تطور القطاع الزراعي.

تطرح ورقة التوصيات التالية بعد محاولتها تفكيك الإشكالات المعرقِلة للتنمية الزراعية، اختبار توصية مباشرة من شأنها تحقيق حد أدنى لتطور للقطاع الزراعي وخلق مساحات تحرك جديدة تساعد في بلورة حلول ناجعة.

إشكالياتٌ متراكمة

تتلخص الإشكالات التي يعاني منها قطاع الزراعة سواءً من حيث العرض أو الطلب بما يلي:

ساهم عدم حساب قدرة السوق الاستيعابية (الطلب) من المحاصيل الزراعية في تزايد الخسائر المالية للفلاحين وعدم جدوى الزراعة أصلاً، كما في محصول البصل والبطاطا مثلاً، حيث قدّرت المؤسسة العامة لإكثار البذار الفائض من إنتاج البصل المحلي حوالي 25% ومن البطاطا 19% من إجمالي الإنتاج، وبالكاد يربح المزارع 100 دولار في الهكتار الواحد بدون احتساب أتعابه في مادة البصل، بينما تبلغ خسارته 1668 دولار في الهكتار الواحد من زراعة البطاطا، بحسب دراسة تقديرية للمؤسسة العامة لإكثار البذار في 2020.

ولا يعد تصدير منتجات زراعية من مناطق المعارضة إلى مناطق النظام أمراً سهلاً وذو جدوى بسبب ارتفاع تكاليف النقل والإتاوات على الطريق، ففي الوقت الذي يبلغ كيلو البصل في منطقة الباب 200 ليرة يصل إلى سوق الهال في دمشق بحوالي 500 ليرة للكيلو ([1]). أما صادرات مناطق المعارضة إلى تركيا فلا تزال أرقامها غير مشجعة على الإنتاج، إذ صدّرت مناطق المعارضة في حزيران 2018 نحو 4000 طن بطاطا إلى تركيا فيما يبلغ الإنتاج المحلي للبطاطا في مناطق المعارضة قرابة مليون طن. وتجدر الإشارة إلى محدودية أدوار المجالس المحلية في دفع حركة التصدير (المتواضعة) إلى تركيا، فعادةً ما تُبدي الجهات التركية اهتماماً باستيراد سلعاً مثل العدس، والحمص، والفستق الحلبي، والرمان، والكرز، والبطاطا والبصل، بحسب حاجتها وبعد إبلاغ المجالس المحلية التي تقوم بدورها بلعب وساطة بين الحكومة التركية والمزارعين ([2]).

من جهة أخرى؛ لم تُسهم إجراءات أجسام الحوكمة القائمة في ضبط ميزان السوق بين السلع المورّدة من الخارج مع السلع المنتجة محلياً، ما أدى إلى إغراق السوق المحلية بمنتجات ومحاصيل مستوردة أضرّ بالمنتج المحلي. لا سيما بعدما خفضت الحكومة المؤقتة في شهر آذار 2021 الرسوم الجمركية على البضائع التركية الداخلة إلى مناطق ريف حلب عبر معبر السلامة والراعي وجرابلس والحمام وتل أبيض ورأس العين، كما يُظهر الجدول التالي ([3])

أيضاً لا يمكن – بطبيعة الحال – إغفال عدة إشكاليات ضاغطة على قطاع الزراعة كجفاف منابع التمويل وأثره المسحوب على قطاع الصناعة والتي تضم الصناعات الغذائية على مختلف أنواعها، وارتفاع تكلفة المواد الأولية وعلى رأسها حوامل الطاقة من كهرباء ومياه ومحروقات، وإغلاق الطرقات، فضلاً عن انخفاض القوة الشرائية لدى المواطنين. ناهيك عن ارتباط كل ذلك ببيئة أمنية قلقة وبإشكاليات مرتبطة في مسألة المياه وجفاف المياه الباطنية في مدينة الباب وحفر آبار عشوائية تستنزف المخزون الاستراتيجي للمياه، والعمليات العسكرية المتكررة التي تقضم مساحات زراعية واسعة.

التجمع الفلاّحي خطوةٌ دافعة

للتخفيف من عبء الإشكالات الواردة أعلاه فإنه ينبغي التوجه إلى دعم مقاربة العمل المدني اللا حكومي لقطاع الزراعة، والتي من شأنها تعزيز وتثمير التواصل مع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية ووضع خطة لضبط الإنتاج الزراعي واتخاذ قرارات حاسمة لتحقيق المصلحة الوطنية واستدامة الإنتاج المحلي ورأس المال الزراعي.

وفي سبيل تحقيق هذا يمكن إنشاء "جمعية الزراعة الوطنية" National Agriculture Authority اختصاراً NAA؛ وهي جمعية زراعية مدنية غير ربحية تضم المزارعين والنقابات الفلاحية المنتشرة في المنطقة. تُوظّف خبرات وكفاءات وطنية وتبني علاقات وشبكات اتصال مع المؤسسات العاملة؛ كمديرية الزراعة في الحكومة السورية المؤقتة، ومؤسسة إكثار البذار، والمجالس المحلية، واتحاد الغرف التجارية والصناعية، والمنظّمات الإغاثية. وتعمل على وضع خطة متكاملة لإدارة قطاع الزراعة، كمّاً ونوعاً، عرضاً وطلباً، تعتمد علامة تجارية للمحاصيل الزراعية المحلية، ومواصفات صحية وإدارة جودة مُطابقة للمواصفات العالمية، كما يصدر عنها تقريرٌ ربعي، يحمل بين طيّاته مؤشراً اقتصادياً لقياس حجم النمو في القطاع الزراعي لتعزيز قيم الشفافية.

وتتكون الجمعية كما يظهر في الشكل أدناه: من هيئة عامة تضم مزارعين ونقابات فلاحية من كل مدينة وبلدة، ينتخبون إدارة عامة، تعمل الأخيرة على تأسيس مكتب قانوني؛ للاهتمام بشؤون التراخيص الزراعية وحقوق الملكية وضبط عملية الاستثمار وإصدار الصكوك وضبط المخالفات، ومكتب تسويقي؛ لترويج المنتجات والمشاريع للمستثمرين الأفراد والمؤسسات والتفاوض مع الحكومات وتوقيع مذكرات التفاهم وبروتوكولات العمل لتسويق المحاصيل الزراعية وتأمين قنوات تصريف، ومكتب إدارة الإنتاج؛ يُعنى بحجم ما سيتم زراعته وتوزيعه على القنوات المختلفة من استهلاك محلّي للغذاء وصناعات غذائية وتخزين وتصدير، أما المكتب المالي فهو المسؤول عن حركة التقابض والسيولة المالية والعملية التمويلية والائتمانية.

ويمكن للجمعية العمل على أربعة محاور كخطة أولية كما يلي:

  • علامة تجارية مسجلة للزراعة السورية

يتضمن هذا المحور تأطير العملية الزراعية وهيكلة القطاع الزراعي برمته، وإصدار شهادة للمزارع تعبيراً عن ثقة الجمعية والمجتمع به وتقديراً لجهوده، وتتيح هذه العملية إحصاء كافة المزارعين ومتابعتهم بشكل حثيث والعمل على حل مشاكلهم والاستماع لشكاويهم. والخطوة الأخرى ختم المحصول بـ"دمغة" خاصة بالجمعية للدلالة على أن المنتج مطابق للمواصفات الصحية والزراعية العالمية وخاضع لرقابة الجمعية وثقتها، ومن شأن هاتين الخطوتين تحفيز المزارع للعودة إلى أراضه واكتساب ثقة أكبر بعمله وبمنتجه.

  • ضبط عملية الإنتاج

عدم حساب نقطة التعادل بين عرض المنتج وطلبه سيؤدي إلى ارتفاع أو انخفاض في الأسعار بشكل كبير، لذا ستعمل الجمعية مسبقاً على حسابات دقيقة لتحديد كمية الإنتاج بالنظر إلى حجم الطلب سواءً للاستهلاك أو التصنيع أو التصدير، كما ستعمل الجمعية في هذا الإطار لإدارة تكاليف عملية الإنتاج والحؤول دون خسارة المزارع في نهاية المطاف.

  • حماية المنتج المحلي

إصدار توصيات ورفعها للحكومة المؤقتة والفاعلين بالمجال الحوكمي لسن سياسات حمائية تحد من استيراد أي منتج مشابه لمواصفات المنتج المحلي، تجنباً لإغراق الأسواق والإضرار بالمنتج المحلي، وفرض ضرائب ورسوم على المنتج المستورد الشبيه بالمنتج المحلي، ومن شأن هذا حماية المنتج المحلي ورفع تنافسيته وتنويع الأسواق.

  • تسويق المنتج

ستعمل الجمعية في سياق عملية التسويق على بندين، الأول: مرتبط بالأساس القانوني للعقود والمواثيق التي تُبرم بين أي طرفين وفق الأطر القانونية المعمول بها في التسويات الدولية. والثاني: تعزيز أوراق القوة والتفاوض مع تركيا حول الواردات والصادرات من وإلى مناطق المعارضة وعبور المنتجات المحلية عبر الأراضي التركية لتصديرها للخارج.

  • تطوير بيئة التمويل والدفع

عدم توفر مؤسسات مالية مثل البنوك في مناطق المعارضة ساهم في تجفيف منابع الائتمان وهشاشة بيئة التمويل والدفع وألقى بظلاله على حركة سعر الصرف والأسعار، وعليه سيكون لزاماً على جمعية الزراعة الوطنية تصميم برنامج مالي ينظّم العملية الائتمانية والتمويلية، وتوقيع بروتوكولات عملٍ مع المنظمات والشركات والمصارف وفتح اعتمادات بنكيةٍ في تركيا ودولٍ أخرى بهدف تيسير عملية الدفع والاستلام، وإصدار صكوك مزارعة([4]) خاصة تُباع لمستثمرين سوريين في الداخل والخارج بضمانة الجمعية والمشروع الزراعي، فضلاً عن توجيه الأموال نحو دعم قطاع الصناعات الغذائية وصناعات متنوعةٍ في قطاع الزراعة.

خاتمة

لابد أن ولادة جسم جديد على شاكلة ما تقدم "جمعية الزراعة الوطنية" سيكون تحدياً كبيراً للمجتمع المحلي ولكن حساب تكلفة إنشاء الجسم والعملية برمّتها، ستكون ولا شك أقل من حالة الاستنزاف الحاصل في قطاع الزراعة، وستقطف المنطقة ثمار هذا العمل لا من خلال إيجاد أسواق قريبة وبعيدة لتصريف المنتجات وحسب، بل عبر زيادة الثقة بالمنتج السوري، وتنظيم العملية الإنتاجية للزراعة، وتمويل منشآت ومعامل غذائية، وإيجاد سلسة توريد محلية للمنظمات والشركات العاملة في الداخل عوض الاعتماد على الخارج، وأخيراً دفع عملية التعافي الاقتصادي المبكر نحو الأمام وصناعة نموذج حوكمي للمعارضة قادر على صناعة "الاستقرار".  

 

 

 ([1]) الفلاح يبيع كيلو البصل بـ 200 ليرة وكلفة نقله إلى دمشق 300 ليرة، تلفزيون سوريا، 26-1-2021 رابط: https://bit.ly/3CSLdyA

([2])Turkey starts importing potato from war-torn Syria, 27-6-2018, link: https://cutt.ly/zRC8lhw

([3]) “الحكومة المؤقتة” تعلن تخفيض الرسوم الجمركية للبضائع التركية، موقع السورية نت: 14-3-2021، رابط: https://cutt.ly/XRC3zs3

([4] الصكوك: أوراق مالية من أدوات التمويل المتوافقة مع الشريعة الإسلامية يرتبط الصك بمشروعات محددة وفرص استثمارية قائمة فعلياً أو قيد الإنشاء، ويساوي الصك قيمة حصة في ملكية ما ويحصل حامله على أرباح والحق في المشاركة بالإدارة ورأس المال والتداول، ومن بين أنواع الصكوك، صك المضاربة، والمرابحة، والاستصناع، والمساقاة، والمزارعة، والإجارة، والخدمات، وغيرها. 

التصنيف أوراق بحثية

ملخص تنفيذي

  • تم تنفيذ 870 مشروعاً ونشاطاً في مناطق المعارضة بالشمال، ريف حلب الشمالي والشرقي ومحافظة إدلب، خلال النصف الأول من 2021، بارتفاع 7% عن النصف الثاني 2020 أو بواقع 58 مشروعاً. وفي رصد لأعداد المشاريع في التعافي الاقتصادي المبكر أظهر التقرير تنفيذ 3304 مشروعاً بين 2018 و2021 في مناطق المعارضة.
  • استحوذ قطاع التجارة على النسبة الأكبر للمشاريع المنفّذة بواقع (185 مشروعاً) ثم قطاع المياه (182مشروعاً) ويليه قطاع النزوح الداخلي بواقع (143 مشروعاً)، وقطاع النقل والمواصلات (141 مشروعاً).
  • يلحظ التقرير قضايا عدة منها ارتفاع الأعمال المنفّذة في إدلب وريفها بواقع 51% لإدلب (448 مشروعاً) مقارنة بالمشاريع المنفّذة في حلب وريفها بواقع 49% (434 مشروعاً)؛ بالإضافة إلى استمرار التعاون والتنسيق بين المجالس المحلية والمنظمات العاملة فقد تم عقد 13 مذكرة تفاهم في مجالات عدة، بينها بناء مدرسة شرعية في بزاعة بين المجلس المحلي ومنظمة صكاريا. كما تلمّس التقرير ارتفاع فرص العمل التي تركز معظمها في القطاع الطبي وقطاع النزوح الداخلي لتنفيذ أعمال متعلقة بالمخيمات والبنية التحتية الخاصة بها، إذ تم تسجيل 1030 فرصة عمل تتراوح مدة الالتزام بها بين شهر و6 أشهر وسنة.
  • من بين نقاط الضعف التي أوردها التقرير عدم ذكر المنظمات والمجالس المحلية لتفاصيل الأعمال المنجزة ما يضيف ضبابية على عملية الرصد والتحليل، وبناء مناطق صناعية وأسواق "هال" تجارية قبل تأمين بيئة قانونية وضبط السياسات العامة والقوانين اللازمة لجذب الأموال وأصحاب المعامل والمصانع.
  • ومن بين نقاط القوة التي لحظها التقرير؛ استمرار العمل على مشاريع إنارة الطرقات وتركيب أنظمة طاقة شمسية لتوليد الكهرباء في مئات المنازل بالمنطقة، فضلاً عن تعبيد وتأهيل المزيد من الطرقات والساحات والأسواق، بالإسفلت وحجر الأنترلوك، وكذلك زيادة أعداد المناقصات والعطاءات في قطاع التجارة.
  • ويوصي التقرير بتوجيه المجالس المحلية المنظمات لبناء مجمعات سكنية، ونقل النازحين إليها بشكل منظّم، ووفق خطة ممنهجة يتم التخلص من المخيمات بعد فترة محددة، وبدء المجالس المحلية عملية تنظيم متكاملة لأوراق ومأسسة قطاعات الصناعة والزراعة والتمويل بما يسهم في تنظيم عملها أكثر، وإعطاء هوية أوضح للمنطقة، وتدفق أموال الاستثمار في المشاريع.

 

حول التقرير: المنهجية والأدوات

يحاول تقرير التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق المعارضة في مدن وبلدات "درع الفرات"، و"عفرين"، ومحافظة إدلب استكمال ما بدأه منذ النصف الثاني لعام 2018 عبر رصد نشاطات الفاعلين من مجالس محلية ومنظمات خلال النصف الأول لعام 2021 بين كانون الثاني وحزيران. ويهدف التقرير لتشخيص وفهم ثلاث أذرع ضمن التعافي الاقتصادي المبكر وهي:

  1. حركية النشاطات والأعمال المنجزة في المنطقة المحددة وبالتالي قياس تطور الاقتصادات المحلية ومقارنة المناطق والقطاعات مع بعضها بعضاً؛
  2. قدرة الفواعل على إيجاد بيئة آمنة للعمل والاستثمار تؤدي إلى خلق فرص عمل والقيام بأعمال ونشاطات متنوعة وتحريك الطلب المحلي؛
  3. قدرة المجالس المحلية على لعب دور حوكمي وتوقيع مذكرات تفاهم مع الشركات والمنظمات تسهم في رفد عملية التعافي المبكر بالنشاطات اللازمة؛
  4. معرفة حجم ما تصدره المجالس من تشريعات وقرارات وتعميمات والدور التشريعي الذي تلعبه المجالس في مأسسة العمل، وضبط آليات العمل فيها.

وتتشكل أهمية هذا التقرير من قدرته على تشخيص حركة الإنجاز في المشاريع الاقتصادية والتنموية المنفّذة بعموم المناطق التي يتم رصدها وتقييم الإيجابيات والسلبيات، مما يشكل دافعاً وإسهاماً لصنّاع القرار والفواعل لتوجيه الدعم وسد الثغرات في القطاعات الاقتصادية.

ركّز التقرير خلال عملية الرصد على المدن الرئيسية والبلدات المبين في الجدول رقم (2) التي شهدت نشاطاً اقتصادياً ملحوظاً، ووفقاً للتصنيف الصناعي المعياري الدولي، كما تم الاعتماد على المعرّفات الرسمية للمجالس المحلية والمنظّمات العاملة على "فيس بوك" و"تليغرام" وتسجيل نشاطاتها وتقاريرها الدورية الموضّحة بالجدول رقم (1)، وفق معادلة رصد مضبوطة تؤمّن القدرة على تحليل البيانات وفق مستويين، المستوى الأول مستوى القطاعات الاقتصادية، والثاني وفقاً للمستوى الجغرافي.

يوضّح الجدول أدناه خارطة الفواعل التي يرصد التقرير أنشطتها التنموية والخدمية والاقتصادية

 

 كما يظهر الجدول أدناه القطاعات ونوعية النشاطات/ القرارات المرصودة:

 

أولاً: مؤشرات التعافي الاقتصادي المبكر في النصف الأول من عام 2021

تم تنفيذ 870 مشروعاً ونشاطاً في مناطق المعارضة بالشمال، ريف حلب الشمالي والشرقي ومحافظة إدلب، بارتفاع عن النصف الأول بنسبة 7% أو بواقع 58 مشروعاً. وحسب الشكل رقم (1) فإن النسبة الأكبر للمشاريع المنفّذة كانت ضمن قطاع التجارة (185 مشروعاً) وقطاع المياه والصرف الصحي (182مشروعاً) وقطاع النزوح الداخلي (143 مشروعاً) وقطاع النقل والمواصلات في المرتبة الرابعة بواقع (141 مشروعاً) وقطاع الزراعة والثروة الحيوانية خامساً (64 مشروعاً).

ارتفعت الأعمال المنفّذة في إدلب وريفها كما يظهر في الشكل رقم (2) بواقع 51% لإدلب (448 مشروعاً) على المشاريع المنفّذة في حلب وريفها بواقع 49% (434 مشروعاً).

وبشكل أكثر تفصيلاً يُظهر الشكل رقم (3) توزع المشاريع على المناطق المرصودة، فقد حلّت مدينة إدلب في المرتبة الأولى (131 مشروعاً) في المؤشر، وجاءت مدن الدانا (89 مشروعاً) والباب (81 مشروعاً) في المراتب الثانية والثالثة على التوالي إضافة إلى اعزاز وسرمدا وعفرين، ويعود تركز المشاريع في هذه المدن إلى عوامل عدة لعلّ أبرزها تمركز معظم المنظمات المحلية والأجنبية فيها، وحجم الكثافة السكانية سواءً لأهل المنطقة والنازحين فيها، واحتوائها على أسواق تجارية ومعامل، ومن جانب آخر احتضانها لمخيمات ومساكن نازحين.

 

ويُظهر الشكل أدناه النسب المئوية لكل قطاع من القطاعات الأحد عشر التي تم رصدها، فقد حاز قطاعا التجارة والمياه على نسبة 21% من إجمالي المشاريع (870 مشروعاً)، و17% لقطاع النزوح الداخلي، و16% لقطاع النقل والمواصلات، فيما تباينت القطاعات الأخرى بين 3 و7%.

 

وفيما يخص القرارات التي اتخذتها المجالس المحلية في القطاعات المرصودة، بلغت عدد القرارات في هذه الفترة 36 قراراً وتعميماً في القطاعات كافة، ومن بين أبرز القرارات التي اتخذتها المجالس المحلية خلال هذه الفترة: منع تداول الليرة السورية فئة 2000 و5000 ليرة في مارع، ومنع المكاتب والمطابع بيع كتب ومذكرات ولوازم قرطاسية تشير إلى النظام وشعاراته وعباراته، وتنبيه المنشآت والعاملين في القطاع الصحي والرياضي للحصول على رخصة في الباب وأخترين، وتأسيس جمعية مصنعي الأحذية والمنتجات الجلدية في الراعي، وتفعيل رقم خاص لاستقبال الشكاوى ضد ارتفاع الأسعار في قباسين.

وتم عقد 13 مذكرة تفاهم في عموم المنطقة بينها: بناء مدرسة شرعية في بزّاعة، ومذكرة بين المجلس المحلي لسرمدا وجامعة الشمال الخاصة، ومذكرات عدة بين جامعة حلب الحرة وجامعات تركية ومراكز دراسات تهدف لتطوير الجامعة والعملية التعليمية. كما ارتفعت فرص العمل إلى 1030 فرصة، بنسبة 8% عن النصف الثاني 2020، جلّها عقود مؤقتة بين شهر و6 أشهر وسنة، تركزت في القطاع الطبي والنزوح الداخلي لتنفيذ أعمال متعلقة بالمخيّمات والبنية التحتية الخاصة بها.

استحوذ قطاع التجارة على المرتبة الأولى ضمن مؤشر التعافي بواقع 185 مشروعاً، أقل بـ8 مشاريع عن النصف السابق، حازت فيه إدلب على المرتبة الأولى بنحو 62 مشروعاً. يدفع حجم المناقصات لتوريد سلع وخدمات من قبل المنظمات في زيارة أعداد المشاريع في هذا القطاع، مثل توريد المياه والمازوت والمعدّات الكهربائية وطباعة الكتب وتوريد قرطاسية وتجهيزات عديدة أخرى.

 

وفيما يتعلق بقطاع المياه والصرف الصحي تم تنفيذ 182 مشروعاً في المنطقة كما يُظهر الشكل أدناه، بارتفاع 17 مشروعاً عن النصف السابق. وتربّعت مدينة الدانا في إدلب على رأس القائمة بواقع 30 مشروعاً، بعدها مدينتي سرمدا (17 مشروعاً) وعفرين (17 مشروعاً) وبعدها اعزاز وإدلب بواقع 15 و14 مشاريع لكل منهما.

 

وبالانتقال إلى قطاع النزوح الداخلي، حافظ هذا القطاع على معدل مرتفع للمشاريع بالمقارنة مع الفترات السابقة، بواقع 143 مشروعاً ما نسبته 17% من مجموع المشاريع المنجزة، وبارتفاع 24 مشروعاً عن النصف السابق، وحازت فيه كل من إدلب، وأطمة، وسرمدا على المراتب الثلاثة الأولى في المؤشر، نظراً لكثافة أعداد النازحين والمخيمات فيها، وشملت الأعمال تقديم خدمات البنية التحتية في المخيمات وترميم المنازل لتحسين الظروف المعيشية للنازحين القاطنين فيها.

 

ارتفعت أعمال قطاع الكهرباء في هذه الفترة عن النصف السابق بواقع 24 مشروعاً، إذ تم تنفيذ 43 مشروعاً في المنطقة. جاءت مدينة الباب على رأس القائمة بـ7 مشاريع وبعدها بزاعة، والراعي، تم خلالها إيصال الكهرباء للبلدات والمدن وتأهيل البنية التحتية في الكهرباء فضلاً عن إنارة الطرقات وصيانة المحوّلات، وتركيب طاقة شمسية في طرقات البلدات والمدن.

 

أما قطاع النقل والمواصلات فقد شهد تنفيذ 141 مشروعاً في المنطقة أقل بـ 13 مشروعاً عن النصف السابق في 2020، وحازت الدانا وقباسين وأخترين وسرمدا على المراتب الأربعة الأولى كما يظهر في الشكل أدناه. ومن بين المشاريع المنفذة استمرار رصف الطرقات والساحات بحجر الأنترلوك في العديد من البلدات والمدن مثل اعزاز، وأخترين، وعفرين، وقباسين، والدانا، وغيرها، كما تم تنفيذ تعبيد طرقات بالإسفلت مثل طريق اعزاز – كفركلبين، وطرق المحلق الشمالي في بزاعة، وتوسيع طريق بين إسقاط وحارم، وطريق بين سرمدا والدانا، ودير حسان والدانا، وطريق في كفرلوسين، وإصلاح طرقات بالبحص في سرمدا وأطمة والعديد من البلدات الأخرى.

 

سجّل قطاع الإسكان والتعمير تنفيذ 52 مشروعاً بزيادة 13 مشروعاً عن النصف السابق، وبقيت مدينة الباب في قمة المؤشر بواقع 25 مشروعاً كما يظهر في الشكل أدناه، واستمرت مشاريع نقل المخيمات إلى مجمعات سكنية مؤلّفة من مبانٍ  عدة تتسع لمئات العائلات ومجهّزة بكافة الخدمات، كما حصل في إدلب واعزاز والباب وحارم، بإشراف العديد من المنظمات بينها؛ منظمة إحسان للإغاثة والتنمية، وفريق ملهم التطوعي، ومنظمة بنيان، ومنظومة وطن، ومن بين المشاريع المهمة التي تم تنفيذها، ترميم السوق العام في اعزاز وبناء المنطقة الصناعية في جرابلس واعزاز والراعي، وتشييد مبنى الحكومة السورية المؤفتة في الراعي، وبناء سوق بديل عن البسطات في إدلب، وسوق شعبي يتضمن 50 نقطة بيع في سرمدا.

 

فيما يتعلق بقطاع الخدمات الاجتماعية فقد تم تنفيذ 26 مشروعاً أقل بـ 7 مشاريع عن النصف السابق، فقد نُفذت 3 مشاريع في كل من بزّاعة واعزاز والباب، ومن بين المشاريع التي نفّذت؛ إنشاء وترميم مدارس وجامعات ومشافٍ ومستوصفات ومراكز صحية ومرافقها وصالات ومراكز صحية.

 

بالنسبة لقطاع الزراعة والثروة الحيوانية فقد تم تنفيذ 64 مشروعاً بزيادة 8 مشاريع عن النصف السابق، بينها توزيع علف وبذار وسماد وتلقيح أغنام وأبقار في المنطقة تهدف إلى دعم الثروة الحيوانية في المنطقة ومساعدة الأهالي في تكاليف المواد الطبية، وكانت كل من عفرين وإدلب وريف حلب وقباسين في المراتب الأربعة الأولى ضمن هذا القطاع.

وفيما يتعلق بقطاع التمويل، تم تنفيذ 27 مشروعاً أقل بـ4 مشاريع عن النصف السابق، حازت فيه مدينة الباب على المرتبة الأولى، ومن بين المشاريع التي يتم تنفيذها في هذا القطاع، النقد مقابل العمل التي تستهدف أعمال النظافة العامة والمشاريع الخدمية، وتأسيس مشاريع تجارية صغيرة للمستفيدين، وطرح مزادات لاستثمار محال وصالات تجارية.

تم تنفيذ 6 مشاريع في قطاع الاتصالات، بينها تمديد الخط الضوئي إلى صوران واعزاز ومارع وإصلاح نقاط عدة من الكبل، وتركيب كاميرات مراقبة في شوارع أخترين، وتوسيع شبكة النت والهاتف في قباسين وإدلب. أما في قطاع الصناعة فقد تم تنفيذ مشروع واحد فقط في مجال تصنيع كمامات في ريف حلب.

أخيراً، يمكن القول إن النصف الأول من 2021 شهد تطوراً ملحوظاً في أعداد المشاريع المنفّذة، إذ ارتفعت المشاريع من 812 مشروعاً في النصف الثاني 2020 إلى 870 مشروعاً في النصف الأول 2021، بنسبة 7%. وبقي تركز المشاريع في قطاعات التجارة والمياه والنقل والنزوح الداخلي، وللمرة الثانية تجاوزت محافظة إدلب ريف حلب في تنفيذ الأعمال والمشاريع بواقع 51% لإدلب مقابل 49% لريف حلب، وشكلت زيادة الأعمال في إدلب رافعة مهمة لمؤشر التعافي في المنطقة، على رأسها تخديم النازحين في المخيمات وتحسين بنيتها التحتية، والعمل على إنشاء مجمعات سكنية للنازحين.

بالنسبة لفرص العمل فقد زادت هي الأخرى بشكل مطّرد، فقد ارتفعت من 224 (النصف الثاني 2019) إلى 891 في النصف الأول 2020 إلى 947 في النصف الثاني 2020 إلى 1030 فرصة مؤقتة ودائمة خلال النصف الأول 2021 مدفوعةً من ارتفاع فرص العمل في القطاع الطبي، سواءً في المدن والبلدات أو حتى ضمن المخيمات، فضلاً عن زيادة مشاريع البنى التحتية في قطاعات المياه والصرف الصحي وزيادة الطلب على أعمال النظافة والتعقيم بعد انتشار وباء كورونا.

ثانياً: التقييم العام

يُظهر الشكلان أدناه بيانات التعافي الاقتصادي المبكر بين 2018 والنصف الأول لعام 2021 ويمكن استخلاص مجموعة من النتائج من بينها:

  • تسير عملية التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق المعارضة في الشمال، ريف حلب وإدلب، بوتيرة بطيئة وبخطى ثابتة في تنفيذ المزيد من المشاريع والأعمال وتقديم الخدمات للسكان بالأخص الأساسية. إذ وصل مجموع المشاريع المنجزة بين 2018 والنصف الأول 2021 إلى نحو 3304 مشروعاً في القطاعات الأحد عشر المرصودة، كما في الشكل رقم (15)، ويظهر الشكل ارتفاع المشاريع من 338 مشروعاً في 2018 إلى 870 مشروعاً في 2021.
  • شكّلت قطاعات المياه والنقل والمواصلات والتجارة قاطرة عملية التعافي في المنطقة على مدار الفترة الماضية، وحازت على 19% 18و% و17% على التوالي من مجموع المشاريع التي تم تنفيذها خلال الفترة كلها كما يظهر في الشكل رقم (14)، وتشكل هذه المشاريع اللبنة الأولى نحو تحريك العجلة الاقتصادية والتمهيد لبيئة مستقرة أكثر وعدم العودة إلى العنف، وبالرغم من الحركة النشطة في هذه القطاعات إلا أن انحسارها فيه يؤشر لمواطن ضعف في قطاعات أخرى، مثل الصناعة، والتمويل، والاتصالات، والزراعة.

 

  • ولوحظ أيضاً أن قطاعات مثل التمويل والصناعة والخدمات الاجتماعية والاتصالات ما تزال تشكل مواطن ضعف مؤشر التعافي الاقتصادي في المنطقة، نتيجة انصراف المجالس والمنظمات إلى سد ثغرة كبيرة تتعلق بفقدان الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وطرقات، ولا شك أن تنفيذ مثل هذه المشاريع في هذه القطاعات ساهم في تسهيل معيشة السكان وإيصال الخدمات لهم.
  • حافظ قطاع النزوح الداخلي على ارتفاع مطّرد وبلغ مجموع المشاريع في كل الفترة نحو 473 مشروعاً، ما نسبته 14% من مجموع المشاريع كلها، ويشير هذا الرقم إلى ارتفاع أعداد النازحين جراء استمرار المعارك من جهة واستخدام موارد متزايدة من قبل المنظمات لتخديم النازحين في المخيمات من جهة أخرى.
  • تؤثر عوائق عدة على رأسها الأمنية، والسياسية، والمالية، على قطاعات التمويل، والصناعة، والزراعة، يُمثل هذا الثالوث دعامةً كبيرةً للاقتصاد المحلي، إلا أن المجالس والمنظمات لم تستطع تخطي العقبات الكثيرة التي تقف عائقاً أمام تنفيذ مشاريع فيها.

  • يُظهر الشكل رقم (16) توزع المشاريع على البلدات والمدن في مناطق المعارضة، إذ حلّت مدينة إدلب على رأس قائمة المدن الأكثر تنفيذاً للمشاريع بواقع 437 مشروعاً، وتلتها مدينتا الباب واعزاز 402 و306 على التوالي. ويشير تركز المنظمات المحلية والأجنبية من جانب، والمخيمات من جانب آخر إلى استقطاب هذه المدن للمشاريع بشكل أكثر من غيرها. ومن جانب آخر يلحظ التقرير التغيرات الجذرية التي حلّت على بعض القرى والبلدات الصغيرة التي باتت مع تدفق النازحين وتموضع المخيمات والمنظمات ونشاط المجالس المحلية فيها وظروف الحرب، حواضر كبيرة تحظى بأهمية وذات كثافة سكانية عالية، مثل بزّاعة والدانا وسرمدا، وأخيراً يتضح من الشكل أيضاً؛ صعود بعض البلدات والمدن إلى أعلى الترتيب جراء ارتفاع سوية الأعمال المنفّذة فيها خلال الفترة القريبة الماضية، مثل الدانا وعفرين.

تبين نتائج الرصد في النصف الأول لعام 2021 جملة من نقاط القوة والضعف قي القطاعات المرصودة في مناطق "درع الفرات" و"عفرين" ومحافظة إدلب، فبالنسبة لنقاط الضعف يمكن شملها بالنقاط الآتية:

  • ما تزال العديد من المنظمات والمجالس المحلية لا تصرّح بأعمالها المنجزة في المنطقة، أو لا تذكر تفاصيل ووصف المشروع ومكانه عند نشر صور تنفيذها لمشاريع لأسباب عديدة بينها أمنية، ومع عدم وجود مركز إحصاء مركزي، يحيل هذا إلى ضبابية في عملية الرصد قد ينعكس على تحليل القطاعات والمدن بشكل أو بآخر.
  • تم الإعلان عن تنفيذ مشاريع مدن صناعية، وأسواق هال تجارية، وتجاوز خطوات تسبق هذا الإعلان وهذه المشاريع، مثل تجهيز بيئة قانونية ذات قوانين وتشريعات تساعد هذه القطاعات الاستراتيجية، والتسويق لها لجذب الأموال والمصانع إلى المنطقة.
  • تشكل المخيمات المتناثرة في المنطقة عبئاً ليس على ساكنيها وحسب، بل على المنظمات والمجالس المحلية أيضاً، بسبب استهلاكها العالي للموارد المالية التي يمكن توجيهها إلى قطاعات وبلدات أخرى، أو يمكن ضخها في بناء مجمعات سكنية يقيم فيها النازحون ويهنئون بحياة أكثر أمناً واستقراراً.


أما بالنسبة لنقاط القوة التي يسجلها التقرير:

  • خلال هذه الفترة استمرت المجالس المحلية في إنارة المزيد من الطرقات في بلدات ومدن عدة، سواءً من خط الكهرباء الرئيسي أو من ألواح شمسية، فضلاً عن تركيب أنظمة طاقة شمسية لتوليد الكهرباء في مئات المنازل كما في كفر تخاريم وسلقين ومعرة مصرين.
  • إذا كانت هناك فروقات يمكن لحظها في المنطقة بين كل نصف عام، فهي تعبيد وتأهيل الطرقات والساحات والأسواق، بالإسفلت وحجر الأنترلوك، إذ يتم تشبيك المدن والقرى بعضها بعضاً بالشكل الذي يسهّل عملية تنقل المدنيين والتجارة المحلية.
  • زيادة اعتماد المنظمات في تنفيذ المشاريع على منح المناقصات والعطاءات، وهو ما ساهم في ارتفاع أعداد المشاريع في قطاع التجارة والمنطقة عموماً.

توصيات ختامية

في ظل ارتفاع مؤشر التعافي الاقتصادي المبكر خلال النصف الأول من 2021 يورد التقرير توصيتين من شأنهما رفد العملية بمزيد من التنسيق في المنطقة وفواعلها، ومزيد من العمل في القطاعات غير الفاعلة حتى الآن:

  • توجه المجالس المحلية والمنظمات لبناء مجمعات سكنية ونقل النازحين إليها بشكل منظّم ووفق خطة ممنهجة، يتم التخلص من المخيمات بعد فترة محددة، سيسهم هذا الأمر في إعادة توزيع رأس المال المتوفر نحو قطاعات اقتصادية أخرى مثل الصناعة والتمويل والزراعة والثروة الحيوانية والاتصالات والإسكان والتعمير، وتخليص النازح من عبء حياة المخيمات البالية، وسوء ظروفها المعيشة.
  • أن تبدأ المجالس المحلية عملية تنظيم للبيئة التمويلية والصناعية عبر مأسسة متكاملة للأوراق والقوانين والهيئات الناظمة لعمل هذه القطاعات، بالشكل الذي يقدم المنطقة بيئة جاذبة للاستثمار تحتوي على كل المرغّبات التي يبحث عنها رأس المال، وصاحب المصنع، والمعمل، والورشة.

 

التصنيف التقارير

 

تمهيد

ما تزال مناطق سيطرة المعارضة في شمال وشمال غرب سورية تواجه العديد من المشكلات المركبة، والتي تعيق تحقيق الاستقرار، بعد أكثر من ثلاثة أعوام على تحرير المنطقة من تنظيم "داعش" و"قوات سوريا الديمقراطية"، عبر عمليتي"درع الفرات" و"غصن الزيتون"، فمع استتباب الأوضاع العسكرية نسبياً بقيت الأحوال الاقتصادية تشكل هاجساً كبيراً للسلطات الحوكمية التي تشرف على إدارة المنطقة.

تهدف عملية التعافي الاقتصادي كجزء من عملية التعافي المبكر إلى مساعدة المجتمعات المحلية للعودة إلى نوع من الحياة الطبيعية، واستقرار الوضع لمنعه من العودة إلى العنف والأزمة، ويتمثل الهدف العام للتعافي المبكر في شقين، الأول: استرجاع البنية التحتية الأساسية المادية والاجتماعية، التي تساعد على استئناف السكان لأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية؛ والثاني: توفير حلول مستدامة للمشكلات التي تعاني منها المنطقة، والتفكير بأهداف التنمية بعيدة المدى.

ويتكون برنامج التعافي الاقتصادي المبكر بحسب الأمم المتحدة من 3 مسارات، تبدأ بالتوازي بسرعات وكثافة مختلفة أثناء عملية التفاوض على اتفاق سلام أو تسوية سياسية. والمسارات الثلاث هي([1]): إحلال الاستقرار، توفير الدخل والتوظيف الطارئ، والمسار الثاني إعادة الدمج المحلي، والمسار الانتقالي، خلق وظائف مستدامة وعمل لائق في المسار الثالث. وبينما ينشغل المسار الثاني والثالث في خضم المرحلة الانتقالية، تنظر الورقة التالية في المسار الأول الذي يستهدف المقاتلين السابقين والشباب واللاجئين والعائدين إلى مناطق النزاع، وتُعطى الأولوية في هذا المسار للإجراءات قصيرة المدى، التي تخلق فرص عمل وتدعم العمل الحر، كما يوصي هذا المسار بالبرامج الضرورية لتحسين سبل العيش وتدعيم الاستقرار، مثل تقديم النقد مقابل العمل، والتوظيف الطارئ في القطاع العام والتدريب وتمويل الأعمال والمشاريع الناشئة.

تحاول هذه الورقة تلمس ملامح الاستقرار الاقتصادي في مناطق المعارضة، ضمن ظروفها السياسية والعسكرية والاقتصادية، منطلقة من أن بناء الاستقرار سيكفل وضع المنطقة في مصاف المرحلة الأولى من مراحل التعافي الاقتصادي المبكر، وينقل البلاد من النزاع إلى السلم، ويمهّد لإعادة الإعمار، دون نسيان شروط تحقيق السلام: البيئة الآمنة، والاتفاق السياسي.

واقع التعافي المبكر وفق القطاعات الاقتصادية والتنموية

بالنظر إلى ما تم جمعه من بيانات وإحصاءات، حول المشاريع والنشاطات في "درع الفرات" وعفرين وإدلب بين 2018 و 2020، فقد عملت المجالس المحلية والمنظّمات على إرساء قواعد الاستقرار، وفق منظورٍ ونطاقٍ ضيّقٍ، يتناسب وطبيعة وظروف المنطقة، فقد تركز اهتمامها على تأمين الخدمات الأساسية للسكان، على الرغم من عدم توفر أبسط المتطلبات والظروف الملائمة للعمل، جراء البيئة الهشّة المهدَدَة بعودة العنف، وعدم توافر الموارد المالية لتمويل المشاريع، وصرف جزء كبير من الأموال والجهد على العمل الإغاثي لمساعدة النازحين، والمهددات الأمنية المتمثلة بالاغتيالات والتفجيرات والخلافات بين الفصائل، واشتعال الجبهات بين الفينة والأخرى. يوضّح الجدول أدناه([2]) أرقاماً مفصّلةً حول المشاريع المنفّذة في القطاعات الأحد عشر([3])، نسوق من خلاله أبرز الملاحظات والنتائج وفقاً للقطاعات والمدن على مدار عامين ونصف بين 2018 و2020:

- بلغ إجمالي الأعمال والمشاريع التي تم تنفيذها في "درع الفرات" وعفرين وإدلب نحو 2434 مشروعاً، موزعاً على قطاعات اقتصادية عدة، لوحظ فيها ارتفاع الأعمال المنفّذة بشكل مطّرد، من 338 مشروعاً في النصف الثاني لـ 2018، إلى 812 مشروعاً في النصف الثاني لـ 2020. حاز خلالها قطاع النقل والمواصلات على الاهتمام الأوسع في تنفيذ المشاريع، إذ تم تنفيذ 451 مشروعاً، ساهمت في ترميم ما دمرته الحرب من طرقات رئيسية وفرعية، ووصل القرى والمدن بعضها ببعض، وتسهيل حركة المدنيين والتجارة البينية.

  • تنفيذ 441 مشروعاً في قطاع المياه والصرف الصحي، تتضمن إصلاح الشبكات القديمة، وتمديد شبكات جديدة، وإجراء ورشات دورية في إصلاح الأعطال، وقد وفرت هذه المشاريع في مختلف المناطق خدمة إيصال المياه النظيفة للسكان بدلاً عن شراء المياه من الآبار. كما تم إيصال الكهرباء عبر التعاقد مع ثلاث شركات تركية، هي: AK ENERGY وEST والشركة السورية التركية للكهرباء، عملت على استجرار الكهرباء من تركيا إلى مناطق عدة في المنطقة، أنارت المنازل والشوارع بعد خروج شبكة الكهرباء في المنطقة عن العمل، فتم تنفيذ 91 مشروعاً.
  • بلغ عدد المخيمات نحو 1293 مخيماً، بينها 282 مخيماً عشوائياً، وعدد سكان تلك المخيمات 1,043,869مليون نازح، من أصل أكثر من 4 ملايين شخص يسكنون المنطقة. وفي سبيل خدمة النازحين في تلك المخيمات؛ تم تنفيذ 330 مشروعاً، على شاكلة تمهيد الطرقات بين الخيم، وتمديد شبكات مياه وصرف صحي، وإيصال الكهرباء، وكانت المشاريع الأبرز في هذا القطاع بناء عشرات التجمعات السكنية، التي تضم آلاف الوحدات السكنية، ومن شأنها توفير منازل آمنة ومستدامة للنازحين، تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء، وتخفّض من فاتورة إغاثة المخيمات.
  • تنفيذ 295 مشروعاً في قطاع الإسكان والتعمير، مثل استخراج تراخيص وإنشاء أبنية سكنية وتجارية، و150 مشروعاً في قطاع الخدمات الاجتماعية، ممثلة ببناء المدارس، والمشافي، والمستوصفات، والملاعب، والحدائق، وترميم الأسواق التاريخية، والمرافق العامة الأخرى.
  • 198 مشروعاً تم تنفيذها في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية، يتركز معظمها في دعم المزارعين بالبذار والأعلاف والسماد، وتلقيح الأبقار، والأغنام، والدجاج. وتبع الزراعة قطاع التجارة بواقع 191 مشروعاً على مدار عامين ونصف، بالاستفادة من تطور حالة الطرق، والتشبيك الحاصل بين القرى والمدن من جهة، وبين المنطقة وتركيا من جهة أخرى، فضلاً عن زيادة أعداد المناقصات والعطاءات من قبل المنظمات. وأخيراً بقي قطاعات، مثل التمويل، والصناعة، والاتصالات، الأضعف في مؤشر التعافي الاقتصادي المبكر، محققة 91 و12 و7 مشاريع لكل منها على التوالي، على الرغم من إنشاء غرف تجارة وصناعة، وإنشاء 3 مناطق صناعية في الباب والراعي وإعزاز.

واقع التعافي المبكر وفق المدن

وعلى مستوى المدن، يُلاحظ بالنظر إلى الجدول رقم (2) مدينة الباب في قمة المؤشر، بواقع 321 مشروعاً، نُفذت في مختلف القطاعات الاقتصادية، معظمها جاء من مشاريع الإسكان والتعمير، وجاء بعد الباب مدينة إدلب بـ306 مشاريع، معظمها في النزوح الداخلي وقطاع المياه والزراعة، ومن ثم مدينة إعزاز بـ259 مشروعاً، بفضل مشاريع الكهرباء والمياه والنقل. ومن بين الأسباب التي ساهمت في تنفيذ مشاريع أكثر من غيرها من المدن: الكثافة السكانية المتأتية من النازحين؛ وتواجد كثيف للمنظمات، والفصائل العسكرية، والتجار، والمستثمرين الأفراد؛ ومركزية هذه المدن وأهميتها ما قبل الثورة، ما يجعلها تحذو نحو التطور أكثر من غيرها من المدن. وقد ساهم تركز المشاريع في مدن محددة مثل إعزاز والباب وإدلب في أن تكون حواضر المنطقة، من حيث النشاط العمراني، وحركة الأسواق التجارية.

وغابت العديد من البلدات والمدن في العام 2018 و2019، لكنها شهدت نشاطاً أكثر في قطاعات عدة، كما في سرمدا والدانا ومعرة مصرين وحارم وأطمة، بفضل أعمال قطاع المياه والنقل والنزوح الداخلي. فيما اختفت مدن من المؤشر لاحقاً بعد سيطرة النظام على بلدات ومدن عدة في جنوب إدلب، مثل معرة النعمان وسراقب.

ومما يمكن لحظه أيضاً على المستوى الإداري، تشكيل غرف تجارة وصناعة، واتحاد لتلك الغرف، وتعاونيات، وجمعيات متخصصة في الحرف والمهن، مثل جمعية للصيّاغ والملابس والنسيج، تعمل على مساعدة التجار والصناعيين في إصدار إذن عبور بين سورية وتركيا، وتأسيس وترخيص الشركات، والتواصل مباشرة مع الولاة الأتراك المسؤولين عن المنطقة. كما حاولت المجالس المحلية لعب أدوار نقدية في المنطقة، عبر استبدال الليرة السورية بالليرة التركية، ومنع التعامل مع النظام، ومنع استيراد أو تصدير بعض المواد من وإلى تركيا، حفاظاً على استقرار الأسعار، فضلاً عن توقيع عقود ومذكرات تفاهم مع العديد من الشركات والمنظمات لتنفيذ مشاريع وتقديم خدمات.

التحديات والتوصيات الختامية

نجحت المجالس المحلية والمنظمات في تنفيذ المشاريع والنشاطات ما دفع ببدء عملية التعافي الاقتصادي المبكر، وتلمس ملامح استقرار نسبي على مستويات عدة، ومع تجاوز 3 أعوام على تحرر المنطقة من تنظيم "داعش" في 2017، ورصد نشاطات وأعمال عامين ونصف في المنطقة، تواجه المنطقة تحديات عدة، يمكن تقسيمها وفق الأطر التالية:

إطار أمني عسكري

ما تزال المعارك تشكل مثبطاً رئيسياً لأي نشاط اقتصادي وعملية استقرار في المنطقة، إذ أسهمت المعارك في ريف إدلب الجنوبي في سيطرة النظام على مدن كبيرة، مثل معرة النعمان وسراقب، ساهمت في زيادة أعداد النازحين، وقضم مساحات زراعية كبيرة. ومن جانب آخر، ما يزال مؤشر الاغتيالات يسجل ارتفاعاً في المنطقة، يسهم في زعزعة أمن المنطقة واستقرارها، وزيادة شعور التجار والأهالي بالتهديد، إذ شهدت مناطق "درع الفرات" وعفرين 67 عملية اغتيال وتفجير بعبوات ناسفة، أسفرت عن 39 ضحية من قبل غرفة عمليات غضب الزيتون، وخلايا تنظيم "داعش"، وأخرى مجهولة المنفّذ، استهدفت عناصر الجيش الوطني والجيش التركي. أما في إدلب فهناك 25 عملية بين اغتيال وتفجير بعبوة ناسفة وطيران مسير، أسفرت عن 51 ضحية، استهدفت عناصر وقيادات جهادية، وفصائل الجبهة الوطنية للتحرير والجيش التركي.

إطار قانوني وإداري

ما تزال البيئة القانونية تعاني من مواطن ضعف نتيجة تعدد السلطات القضائية؛ بين من يتّبع شكل الجهاز القضائي السوري في منطقة "درع الفرات" وعفرين، ومن يتبع مجلساً أعلى للقضاء، مكون من المشايخ، ويعتمد على أحكام الشريعة الإسلامية في إدلب وريفها، فضلاً عن احتكام المنطقة للقوى العسكرية والفصائلية. كما يسبب ترهّل القضاء وضعف القوانين الناظمة للأعمال والشركات والأموال والحقوق والعقود، في بطء عملية الاستقرار، ودخول الرساميل، وزيادة الاحتكار، والفساد. ومن ناحية ثانية ما تزال حالة التشظي بين المجالس المحلية والحكومة المؤقتة وحكومة الإنقاذ تظهر المنطقة بهويات عدة، ومنهجيات مختلفة، في الإدارة وصناعة القرار.

إطار سياسي

تسبب تأخير الحل السياسي وفق القرارات الدولية ذات الشأن بالملف السوري، في تشكيل هاجس كبير لدى سكان المنطقة، والمغتربين الراغبين بالعمل والاستثمار فيها، وللدول الفاعلة والصديقة للمعارضة السورية، إذ يرتبط مصير مناطق المعارضة بشكل الحل السياسي، والتوافقات الإقليمية والدولية حولها.

تشكل الأطر الآنفة الذكر دافعاً في تأخير أي عملية استقرار وتعافٍ اقتصادي مبكر في المنطقة، وهي تحديات لا يسع للأجسام الحوكمية إلا أخذها بالاعتبار، والتواءم معها، وترتيب أوراقها الداخلية، إذا أرادت جذب المزيد من الاستثمارات والأعمال والأموال، ودفع عملية الاستقرار نحو الأمام. وتبعاً لتموضع المنطقة في المسار الأول من عملية التعافي الاقتصادي المبكر، إحلال الاستقرار، وتبعاً لأرقام وبيانات ما تم رصده على مدار عامين ونصف وللتحديات أعلاه؛ توصي الورقة بما يلي:

  • بعد إقدام غرف التجارة والصناعة في المنطقة على تشكيل اتحاد لها، سيكون من المفيد جداً إتباع هذه العملية بسياسات من شأنها توحيد شكل الإجراءات والقوانين فيما بينها، وإصدار قرارات استثمارية تغطي الفجوة القانونية والقضائية، وترسم آليات حفظ الحقوق والذمم المالية، وشكل العقود والتراخيص وأنواعها وشروطها، ووضع هيئة مختصة تتبع للاتحاد، لتنفيذ هذه المهمة.
  • تأسيس جمعية مالية ذات مساهمة محدودة بين اتحاد غرف التجارة والصناعة، وتحوز على ثقة وضمان رجال الأعمال، والوجهاء، والمجالس المحلية، والمنظمات، ويعمل فيها أصحاب الاختصاص، تقدم خدمات مالية محلية، من قبيل إيداع الأموال وسحبها، وتصريف العملات الأجنبية، وتعمد إلى فتح اعتمادات مالية في بنوك، مثل تركيا، وأربيل، وقطر، لتسهيل تحويل الأموال بين المنطقة وتلك الدول لأغراض تجارية.
  • نقل نشاط المنظمات الإغاثي، ولو جزءٌ منه، إلى نشاط تنموي، عبر تأسيس أذرع حاضنات أعمال خاصة Business Incubator، تهتم بدعم الصناعات الخفيفة، والحرف، والمهن اليدوية، وإحلال ما يمكن إنتاجه محلياً، عبر تقديم قروض متناهية الصغر، والدخول في عقود تشاركية مع تلك الأعمال.

ختاماً، تشكل عملية التعافي الاقتصادي المبكر الركيزة الأساسية في إخراج المنطقة من دائرة العنف والعودة للحياة الطبيعية، ولا يتم هذا إلا بتوفر الإرادة، وتكاتف جهود المؤسسات الرسمية مع المجتمع المدني؛ لتحقيق الأهداف المرسومة، والصعود في سُلّم مستويات التعافي المبكر. بعد ثلاثة أعوام يمكن القول إن المنطقة، وبفضل مشاريع وخدمات المجالس والمنظمات المحلية العاملة في سورية، استطاعت التقدم في المستوى الأول من التعافي المبكر، إحلال الاستقرار، عبر تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وتنظيم شؤون الحياة المختلفة، ولا شكّ، يعد هذا دافعاً لاستقرار الأهالي، وتحريك عجلة الاقتصاد. من شأن استمرار عمل المجالس المحلية والمنظمّات على هذه الوتيرة، والأخذ بالتحديات بعين الاعتبار، والتشاور مع الكفاءات الوطنية؛ التطور أكثر ضمن المستوى الأول في عملية التعافي الاقتصادي المبكر، والمضي قدماً نحو المستوى الثاني، إعادة الدمج المحلي.


 

 

 

([1])  United Nations (2009), United Nations Policy for Post-Conflict Employment Creation, Income Generation and Reintegration, UN system-wide policy paper: https://bit.ly/337K7xb

([2] ) انظر مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، التعافي الاقتصادي المبكر في مناطق المعارضة بين النصف الثاني 2018 والنصف الثاني 2020 على الروابط التالية: https://bit.ly/3jafNuC، https://bit.ly/2WzyRLb ، https://bit.ly/37donmN ، https://bit.ly/3ffE9BY 

 ([3]) القطاعات الأحد عشر التي تم رصدها هي: التجارة، والصناعة، والزراعة والثروة الحيوانية، والتمويل، والاتصالات، والإسكان والتعمير، والخدمات الاجتماعية، والكهرباء، والمياه والصرف الصحي، والنقل والمواصلات، وأخيراً النزوح الداخلي.

 
التصنيف أوراق بحثية