بذلت الدولة السورية جهوداً نوعية لبسط السيادة الوطنية على شمال وشرق سورية ومواجهة تداعيات الانسحاب الأمريكي، وسط تحديات أمنية مركبة يفرضها مخاض انصهار "قسد" والتهديدات المتجددة لتنظيم "داعش" في البادية. تزامناً مع تصعيد ميداني إسرائيلي في الجنوب، واضطرابات في السلم الأهلي بالسويداء، مما يضع القوى الأمنية أمام اختبار مزدوج يجمع بين مكافحة الإرهاب العابر للحدود وضبط الجريمة المنظمة، لضمان الاستقرار وتثبيت ركائز النظام.
شمال شرق سورية: انتشار حكومي وانصهار "قسد" المرتبك
تشهد مناطق شمال وشرق سورية مرحلة انتقالية بالغة التعقيد والحساسية، حيث بدأ الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي عمليات انتشار تدريجية في مراكز المدن والمنشآت الاستراتيجية تنفيذاً لاتفاقيات الاندماج والسيطرة، وسط حالة من التذبذب الأمني الناتج عن ممارسات "قسد". فيما تسلمت وزارة الداخلية مهام الإشراف الأمني على مطار القامشلي، ودخلت أرتال الأمن العام إلى مدينتي الحسكة وعين العرب، وتمركزت في قريتي أبو فرع وحسو الرطلة بالريف الشرقي للحسكة، بالتزامن مع تسلم الجيش السوري قاعدة الشدادي العسكرية وقاعدة التنف الاستراتيجية عقب انسحاب القوات الأمريكية والتحالف الدولي باتجاه الأراضي العراقية والأردنية، وهو تحول يضع الدولة السورية أمام مسؤولية مباشرة في إدارة الحدود ومكافحة خلايا التنظيمات المتطرفة.
وعلى الرغم من التقدم الميداني المنضبط عموماً، إلا أنه لم يمنع حدوث خروقات أمنية وانتهاكات واسعة ارتكبتها مجموعات تابعة لـ "قوات سوريا الديمقراطية"، تمثلت في تنفيذ عمليات تصفية جماعية بحق سجناء في سجون غويران والصناعة وعين العرب، إذ عُثر على جثث مدنيين وسجناء قضوا تحت التعذيب أو بإعدامات ميدانية قبيل انسحاب "قسد". كما رُصدت عمليات نهب ممنهجة للمعدات والآليات الثقيلة من حقول نفط رميلان وتل عدس، وسرقة كامل محتويات مبانٍ حكومية في القامشلي قبيل إخلائها. ترافق ذلك مع حملات اعتقال تعسفية طالت المواطنين الذين استقبلوا القوات الحكومية أو رفعوا العلم السوري، إضافة إلى استهداف مدنيين برصاص القناصة في أحياء النشوة والعزيزية بالحسكة، مما يعكس محاولات "قسد" ترهيب السكان وعرقلة بسط سلطة الدولة.
وتشير المعطيات إلى وجود تيار داخل "قوات سوريا الديمقراطية" يسعى لتقويض اتفاقات الاندماج عبر افتعال صدامات ميدانية، حيث قامت مجموعات من "الشبيبة الثورية" برشق القوات الحكومية بالحجارة، إضافة إلى نشر قناصات فوق المباني التعليمية والمرافق العامة. ناهيك عن التحديات الأمنية الناتجة عن مخلفات الحرب، إذ تسببت الألغام التي زرعتها "قسد" في أنفاق صرين وريف اليعربية بوقوع قتلى وجرحى من الجيش السوري والمدنيين.
وفي دير الزور، نجحت قوى الأمن بإلقاء القبض على قادات سابقين في "قسد" متورطين بجرائم وانتهاكات، أبرزهم "أحمد الخبيل" (أبو خولة) و"عزيز أبو عسكر"، في خطوة تهدف لإنهاء سطوة أمراء الحرب واستعادة النظام القانوني في المناطق المحررة حديثاً.
الجنوب السوري: انتهاكات إسرائيلية وتصدع الاستقرار الميداني في السويداء
شهد ريفا القنيطرة ودرعا توغلات برية واسعة ومنظمة نفذتها قوات الجيش الإسرائيلي، ترافقت مع نشاط جوي مكثف لأكثر من عشر طائرات حربية في سماء المنطقة. وقد شملت التحركات البرية الإسرائيلية اقتحام قرى: صيدا الحانوت وعين زيوان وصيصون ومعرية وأوفانيا، كما قامت القوات المتوغلة بنصب حواجز مؤقتة وتفتيش منازل المدنيين واحتجاز عدد من المواطنين، بينهم رعاة أغنام وطلاب مدارس، قبل الانسحاب نحو مرتفعات الجولان المحتل. بينما استهدف القصف المدفعي الإسرائيلي منطقة مثلث الموت والصمدانية وبلدة الرفيد، إضافة إلى تنفيذ عملية ليلية لتدمير مستودع أسلحة في منطقة بيت جن، مما يدلل على محاولة إسرائيلية لفرض واقع أمني جديد على طول خط وقف إطلاق النار وتوسيع رقعة السيطرة الميدانية المباشرة.
وفي محافظة السويداء، سجلت التقارير الأمنية تدهوراً في الاستقرار الداخلي نتيجة هجمات شنتها مجموعات مسلحة في "الحرس الوطني" التابع لحكمت الهجري، استهدفت نقاط قوى الأمن الداخلي في محاور: ولغا وريمة حازم والمنصورة، مما أسفر عن إصابة عدد من العناصر. كما شهدت المحافظة صراعات داخلية بين الفصائل المسلحة، أدت إلى مقتل وإصابة عدد من الأشخاص جراء انفجار سيارات محملة بالذخيرة في بلدة القريا، إضافة إلى وقوع جريمة غامضة في قرية المتونة راح ضحيتها ثمانية أشخاص أثناء عملهم في قطف الزيتون.
وتشير القراءة الأمنية للأحداث إلى اتساع الفجوة بين عدة أطراف محلية في السويداء، وهو ما تجلى في انشقاق الأمير "حسن الأطرش" عن الفصائل التابعة للهجري ووصوله إلى درعا، بالتزامن مع تصاعد حدة التوتر بين "حركة رجال الكرامة" و"الحرس الوطني" إثر عمليات اختطاف متبادلة للقيادات. وأمام اعتداءات الفصائل المحلية على سائقي الشاحنات؛ اضطرت الحكومة السورية لإيقاف إدخال الشاحنات مؤقتاً إلى السويداء لضمان سلامة السائقين.
تنظيم الدولة: تصعيد "المرحلة الجديدة"
شهدت المنطقة الشرقية والبادية السورية تصعيداً لافتاً ومنظماً من قبل خلايا "تنظيم الدولة"، تزامناً مع إصدار المتحدث الرسمي باسم التنظيم كلمة صوتية أعلن فيها دخول ما أسماها "مرحلة جديدة من العمل" تستهدف النظام السوري الحالي وفصائل وزارة الدفاع بشكل رئيسي. وترجم التنظيم هذا التهديد بسلسلة هجمات مكثفة خلال ساعات قليلة، أبرزها الهجوم الانتحاري على حاجز السباهية غرب مدينة الرقة الذي أسفر عن ارتقاء أربعة قتلى من قوى الأمن الداخلي ومقتل المهاجمين، إضافة لاستهداف مبنى الأمن الداخلي في المنصورة، ومقرات الفرقة 86 في البوكمال، ونقاط عسكرية في الميادين وذيبان والطبقة والصبحة.
وتكشف هذه العمليات المتزامنة، التي شملت استخدام العبوات الناسفة والأسلحة الرشاشة، عن محاولة التنظيم إثبات قدرته على شن هجمات منسقة تتجاوز أسلوب "الذئاب المنفردة" إلى الاستهداف المباشر للمراكز الحيوية، مستغلاً حالة الفراغ الأمني في مناطق ريف دير الزور والبادية.
وفي سياق الاغتيالات المركزة، تبنى التنظيم تصفية القيادي في أمن البادية "بلال الخضير" في البوكمال بعد يوم واحد من ظهوره الإعلامي متحدياً خلايا التنظيم، كما طالت الاغتيالات عناصر من الجمارك والجيش السوري في الميادين وسلوك وتل أبيض، مما يشير إلى سعي التنظيم لترهيب الكوادر الأمنية والمتطوعين المحليين ومنعهم من الانخراط في صفوف القوات الحكومية. وأمام هذه التهديدات، اتخذت القوات العسكرية إجراءات وقائية شملت إعادة تجميع 11 نقطة وحاجزاً من محيط تدمر والسخنة نحو مواقع أكثر تحصيناً داخل المدن لتفادي الهجمات المباغتة، في حين نجحت قوى الأمن الداخلي بتنفيذ عمليات مداهمة نوعية في الميادين والبصيرة، أسفرت عن القبض على عناصر متورطة في استهداف قواتها.
على الصعيد الدولي، تمثلت التطورات المفصلية الأبرز بإخلاء قاعدة التنف وانسحاب القوات الأمريكية منها بالكامل، وإعلان القيادة المركزية الأمريكية الانتهاء من نقل أكثر من 5700 معتقل من عناصر "داعش" من مراكز الاحتجاز في سورية إلى العراق. وهو ما يفرض أعباءً أمنية إضافية على الحكومة السورية لملء الفراغ ومنع خلايا التنظيم من استعادة نشاطها في تلك المناطق الحيوية. أما على الصعيد اللوجستي، فاستمرت الجهود الإنسانية لإغلاق ملف مخيم الهول عبر تسيير آخر القوافل ونقل عوائل التنظيم نحو ريف حلب، في خطوة تهدف إلى إنهاء بؤرة التطرف الكبرى ودعم إعادة الاندماج.
تزايد مؤشرات العنف المنظم وتحديات الضبط الأمني
ارتفعت خلال شهر شباط مؤشرات العنف الممنهج والجريمة المنظمة، ففي حمص برزت سلسلة من الاغتيالات الدقيقة التي تعكس خللاً في الضبط الأمني، إذ قام مسلحون مجهولون على دراجات نارية باستهداف مدنيين موقعين 3 ضحايا في أحياء عكرمة ووادي الذهب، وتمت تصفية شاب داخل محله التجاري في شارع الطويل. فيما عُثر على جثة سائق سيارة أجرة مقتولاً بعد استدراجه وسلب ممتلكاته، وعلى شاب آخر بجانب سيارته المحترقة في داريا بريف دمشق. وتكشف هذه الحوادث عن تحول خطير في الجريمة الجنائية يعتمد أساليب العصابات المنظمة في الاستدراج والسرقة والاستهداف.
في حين انتقلت عمليات الاغتيال إلى مرحلة "الاستهداف الانتقائي المركّز" لشخصيات مرتبطة بالمنظومة الأمنية لنظام الأسد، شملت تصفية رئيس قسم تحقيق فرع سعسع سابقاً في منطقة المزة بدمشق، واستهداف مدني متهم بالتخابر مع نظام الأسد في حي الشعار بحلب. مما يشير إلى وجود خلايا قادرة على اختراق المناطق المحصنة لتنفيذ عمليات انتقامية.
وامتدت رقعة الانفلات الأمني لتشمل القرداحة حيث عُثر على الصحفي "علاء محمد" مقتولاً، ودرعا التي شهدت مقتل رئيس الاتحاد الرياضي السابق في بلدة عتمان وشرطي مسرّح في بلدة جباب، وصولاً إلى ريف الرقة الذي شهد تصفية شخص داخل منزله، إضافة إلى وقوع إصابات بين المدنيين إثر هجمات عشوائية بالقنابل وإطلاق النار في تلكلخ والشنان وذيبان، مما يرسم صورة متكاملة لتردي الحالة الأمنية وتعدد بؤر الاستهداف ودوافع الجرائم.
بالمقابل، أظهرت التطورات الميدانية خلال الفترة المرصودة جهوداً واضحة لضبط الأمن، حيث برزت فاعلية العمليات الاستباقية في تفكيك شبكات الجريمة المنظمة، لا سيما في محافظة حلب التي شهدت تفكيك عصابات تخصصت في سرقة محتويات المركبات، وانتحال الصفات الأمنية، وتزوير البطاقات العسكرية. ونجاح الأجهزة الأمنية في كشف ملابسات جرائم جنائية مروعة، وإلقاء القبض على مرتكب جريمة عائلية أسفرت عن مقتل 5 ضحايا في بلدة الدير الشرقي بريف معرّة النعمان خلال محاولته الفرار خارج البلاد، وتوقيف العصابة المسؤولة عن سطو مسلح دموي في دير عطية.
وعلى صعيد مكافحة الإرهاب، سجلت محافظة درعا عمليات أمنية أبرزها إلقاء القبض على متهميَن بتنفيذ عمليات اغتيال ممنهجة، بينما استمرت ملاحقة وتوقيف شخصيات مرتبطة بنظام الأسد ومتهمة بارتكاب انتهاكات وترهيب وعمليات خطف بينهم محامية وعنصر من ميليشيا "الدفاع الوطني".
في حين يشكّل انتشار تجارة المخدرات العابرة للحدود تحدياً كبيراً في ظل استخدام أساليب مبتكرة، حيث أُحبطت محاولات تهريب ضخمة لملايين الحبوب المخدرة (الكبتاغون) نحو العراق والأردن، استخدمت تقنيات حديثة كالبالونات الهوائية المزودة بأجهزة GPS والطائرات المسيرة. وهو ما يدل على تطور أساليب شبكات التهريب الدولية وقدرتها على استغلال التكنولوجيا لدعم وتمويه نشاطاتها.