شارك مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في ندوة بحثية عقدها مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي (سيتا)، بمدينة اسطنبول في يوم الخميس 20 تشرين الأول 2016، ناقش فيها الملف السوري، بمشاركة باحثين أتراك وسوريين.

تضمنت الندوة التي حملت عنوان "الفوضى في سورية إلى أين؟"، عرضاً للوضع الراهن في سورية، وناقشت التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة، لا سيما معركة "درع الفرات" وما عكسته من زيادة الدور التركي في سورية.

تحدث في الندوة كل من عضو الهيئة العليا للمفاوضات ورئيس الائتلاف السوري السابق، خالد خوجة، والمدير التنفيذي لمركز "عمران" للدراسات الاستراتيجية، الدكتور عمار القحف، بالإضافة إلى الدكتور أفق أولوتاش من مركز "سيتا"، والدكتور محي الدين أقامان من جامعة أنقرة.

مدير مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، الدكتور عمار قحف، لفت في ورقته إلى أن الأنظمة السياسية في البلدان التي شهدت احتجاجات ضد الأنظمة، سعت منذ البداية لترويج فكرة الفوضى وربطها بالثورات. وأشار إلى أن نظام بشار الأسد في سورية، وضع منذ بداية الثورة (2011) سردية للإرهاب وتعامل من خلالها مع حراك المحتجين، والربط فيما بينهم وبين الإرهاب. وأضاف أن الأسد عمل على خلق فوضى سياسية، واقتصادية، وأمنية، وبات ينظر للمشهد بأدوات أمنية، ما ساهم في زيادة دور أجهزة الأمن في سورية بالتعامل مع المحتجين.

بدوره أوضح الدكتور محي الدين أقامان أن "الفوضى الحاصلة في سورية" ساهمت في تحديد تركيا بشكل أكبر لخطوطها الحمراء في سورية، وتحديد ما الذي يمكن تحمله وما لا يمكن تحمله. ولفت إلى دور إيران وسياستها الطائفية الواضحة في سورية والعراق، كما تطرق في مداخلته إلى التنافس الروسي– الأمريكي في سورية، واصفاً موقف البيت الأبيض بـ "المتردد".

من جهته، أشار رئيس الائتلاف الوطني السوري السابق خالد خوجة، إلى جملة من الأسباب التي أوصلت الوضع في سورية لما هو عليه الآن، وركز بشكل أساسي على التراجع الأمريكي لصالح روسيا في سورية. وأكد أن الجيش الحر قد تم إضعافه مقابل تقوية جهات أخرى كـ ميليشيات "سورية الديمقراطية".

وعن عملية "درع الفرات"، رأى خوجة أن المعارك في الشمال السوري تغير التوازنات، منوهاً إلى أهمية مدينة الباب ومنبج وقال إن "هاتين المدينتين ستغيران قدر حلب". وتابع أن تركيا تعمل حالياً على "إعادة إنتاج الجيش السوري الحر وتقويته".

واتفق الباحث في مركز "سيتا" أفق أولوتاش مع بقية المشاركين بالندوة، على أن "درع الفرات" تشير في مجملها إلى زيادة الفاعلية التركية في سورية، معتبراً أن أنقرة تدفع ثمن استقلال سياساتها.

التصنيف أخبار عمران
الثلاثاء, 18 تشرين1/أكتوير 2016 15:40

ندوة بحثية حول: "الفوضى في سورية إلى أين؟"

سيشارك المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار قحف بأعمال ندوة بحثية يقيمها مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية SETA في مقره الكائن: استانبول/ منطقة أيوب بعنوان: "الفوضى في سورية إلى أين؟".

الزمان: 20 تشرين الأول /2016.

الساعة: 14.00 ظهراً.

كما سيشارك بأعمال الندوة كلاً من السادة التالية أسماؤهم؛

  1. البروفسور Muhittin Ataman من جامعة يلدرم بيازيد.
  2. الدكتور أفق ألوتاش من مركز SETA.
  3. الدكتور خالد خوجة، رئيس الائتلاف السوري المعارض، وعضو الهيئة العليا للتفاوض.

ملاحظة؛

الدعوة عامة، وستتوافر الترجمة بين اللغتين العربية والتركية.

للراغبين بالحضور يرجى التسجيل على الرابط التالي:

http://setav.org/RSVP/Create/43173

عنوان مركز SETA
Defterdar Mah. Savaklar Caddesi. No:41-43, 34050, Turkey

التصنيف أخبار عمران
الإثنين, 17 تشرين1/أكتوير 2016 12:56

ورشة عمل بعنوان: "مستقبل سورية"

حضر المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار قحف ورشة عمل عقدتها شبكة الأورميسكو البحثية بتاريخ 10/ تشرين الأول 2016، وبرعاية من مركز GPOT  التركي. حملت عنوان: "مستقبل سورية".

شارك في هذه الورشة عدد من المنظمات ومراكز البحثية كان منها؛

  • المنظمة العربية مبادرة الإصلاح (ARI).
  • منظمة معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية (EUISS).
  • المركز العالمي للاتجاهات السياسية (GPOT).
  • مركز برشلونة للشؤون الدولية (CIDOB).

ناقش الحضور خلال جلستهم المحاور التالية:

  1. المصالحة الوطنية وحماية الاقليات (مع تفنيد المفهومين وإعادة تركيبهما بما يتناسب مع الوقائع بعيداً عن الثقافوية وأخذاً بعين الاعتبار مآلات الوضع السوري والاستغلال الشديد للمسألة الطائفية من عدة أطراف.
  2. الجيش والأمن، ومحاربة الإرهاب (إعادة الهيكلة وإصلاح القطاع الأمني في إطار دولة القانون).
  3. حفظ السلام وإعادة البناء والتنمية (استعراض الإمكانيات الاقتصادية المتاحة اضافة إلى دور المانحين في المستقبل).
  4. بناء الدولة: الأبعاد السياسية والبنيوية والقانونية (المسار الدستوري، العقد الاجتماعي الجديد، اللامركزية السياسية والإدارية).
التصنيف أخبار عمران


تبرز قضية المياه كإحدى أهم جوانب المعاناة الإنسانية للسكان المدنيين في خضم الثورة السورية. بعد أن اسُتخدمت المياه كوسيلة لتحقيق المكاسب العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأصبحت متلازمة إلى حد كبير مع تغيرات السيطرة العسكرية ومناطق النفوذ. مما أثر بشكل حاد على توافر ها في غالبية المدن والأرياف، وحمل العديد من التداعيات السلبية على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان. وتحاول هذه الورقة التحليلية تسليط الضوء على هذا الجانب الإنساني الهام بهدف الحفاظ على الأمن المائي في جميع المناطق السورية واستمرار ديموميته.

ملخص تنفيذي

تشكل المياه أحد أهم مقومات استمرارية الحياة والمورد الأكثر تأثيراً في حياة السكان في جميع مناطق سورية. إلا أنه ومنذ بداية عام 2011 بدأت تبرز قضية المياه كإحدى أهم التحديات المرتبطة بالمعاناة الإنسانية للسكان المدنيين. وذلك بعد أن استخدمت أطراف الصراع المياه كوسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية. كما أصبح هذا المورد متلازماً إلى حد كبير مع تغيرات السيطرة العسكرية ومناطق النفوذ لهذه الأطراف، مما أثر بشكل حاد على توافر المياه في غالبية المدن والأرياف السورية نتيجة لتدهور البنية التحتية للمياه وفقدان وتضرر أكثر من نصف القدرة على الإنتاج الكلي للمياه. وقد حمل هذا الوضع الجديد العديد من التداعيات السلبية على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان داخل المدن والأرياف.

وانطلاقاً من ذلك تبرز إشكالية هذه الورقة في الإحاطة بواقع السيطرة العسكرية على الموارد والمرافق المائية في ظل الصراع الدائر في سورية مع قلة الدراسات المتخصصة والمتكاملة في هذا الصدد، وتتركز أهدافها الأساسية في تسليط الضوء على واقع ممارسات القوى العسكرية تجاه الموارد المائية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، والمعاناة التي يتكبدها السكان جراء حرمانهم من المياه وصعوبة الوصول إليها، وتحليل المنظور المستقبلي لهذه القوى في السيطرة على الموارد والمرافق المائية ودراسة التداعيات المستقبلية لعسكرة المياه على واقع الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للسكان.  

وتخلص الورقة إلى أن تنوع القوى العسكرية وتوزعها على امتداد الأرض السورية إلى جانب سيولة المشهد العسكري يحمل معه العديد من التحديات في ظل تبادل السيطرة بين هذه القوى، والقدرة على التحكم بالموارد المائية في المناطق الخاضعة لها، ومدى إدراكها لأهمية المورد المائي كعامل للاستقرار وتوطيد السلطة في مناطق سيطرتها وفقاً لأجندتها المستقبلية. وسيلقي كل ذلك بثقله على الموارد المائية من خلال الاستنزاف الكبير لها، نتيجة افتقاد هذه القوى القدرة على إدارة وتنمية الموارد المائية في هذه المرحلة الانتقالية للحفاظ على الأمن المائي واستمرار ديموميته. مع ما سيحمله كل ذلك من زيادة معاناة السكان نتيجة نقص المياه وتلوثها وصعوبة الحصول عليها.      

الأمن المائي في أتون الثورة السورية

تواترت التقارير التي تؤشر للواقع المائي المتردي في سورية ومستقبل مواردها المائية المهددة، في ظل تصاعد الأعمال العسكرية والتدمير الممنهج للبنية التحتية، وما تبعها من محاولة الأطراف العسكرية السيطرة على هذه الموارد لفرض نفوذها وتحقيق بعض المكاسب على حساب المعاناة الإنسانية للأفراد في مناطق سيطرتها، وهو ما يمثل أحد الأوجه الخفية لهذا الصراع.

ووفقاً للمعطيات التي حملتها هذه التقارير تضاءلت قدرة السكان في الحفاظ على النفاذ المستدام إلى كميات كافية من المياه بجودة مقبولة، وازدادت معدلات التلوث بشكل كبير، رافعة بذلك حالة الفقر المائي لدى الأفراد بسبب استمرار التناقص في حصة الفرد من الموارد المائية المتاحة، ومنذرة بأزمة مائية قادمة ستشكل تهديداً فعلياً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للسكان في ظل تفاقم الظروف المعيشية للأفراد وارتفاع أسعار مياه الشرب في العديد من المدن والأرياف.

إن تنوع القوى العسكرية وتوزعها على امتداد الأرض السورية والسيولة المستمرة للمشهد العسكري يحمل معه العديد من التحديات الحالية والمستقبلية للأمن المائي. في ظل تبادل السيطرة بين هذه القوى، والقدرة على التحكم بالموارد المائية في المناطق الخاضعة لها، ومدى إدراكها لأهمية المورد المائي كعامل للاستقرار وتوطيد السلطة وفقاً لأجندتها الحالية والمستقبلية، ومدى قدرتها كذلك على إدارة وتنمية هذا المورد في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة للحفاظ على الأمن المائي.

إن التفاوت في كمية ونوعية الموارد المائية والتوزعات السكانية المتباينة بين المناطق السورية المختلفة عبر العقود الماضية نتيجة للعديد من العوامل البيئية والسياسية أسهمت إلى حد كبير في اندلاع الثورة السورية ([1])، وقد أدى طول أمد الصراع وعدم وجود أفق واضح لنهايته إلى سعي القوى المتحاربة على الأرض للسيطرة على أكبر قدر ممكن من هذه الموارد وتسخيرها لتحقيق أهدافها، رغم كل التبعات التي يمكن أن تخلفه هذه السيطرة من تدهور الأمن المائي نتيجة تدمير البنية التحتية لشبكات المياه والسدود، ومحطات الطاقة التي تستخدم في تشغيل مرافق المياه في العديد من المدن والأرياف.  

السيطرة على الموارد المائية في المنظور المستقبلي

تشمل الموارد المائية التقليدية في سورية الموارد المائية السطحية التي تتكون من مجموعة من المجاري المائية أي الأنهار الداخلية والخارجية وموارد المياه الجوفية، إضافة إلى الموارد المائية غير التقليدية التي تشمل مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي ومياه التحلية. وتوصف الموارد المائية في سورية بالقليلة والمحدودة، وقد صنفت سورية في مجموعة البلاد الفقيرة بالماء منذ عام 2000، حيث تحدد العوامل الطبيعية والجغرافية والسياسية حجم هذه الموارد.

 

الشكل (1) يبين توزع الأحواض المائية في سورية مع حجم توافر المياه في هذه الأحواض

المصدر: محمد العبدالله، 2015، الأمن المائي في سورية: دراسة تحليلية لواقع الموارد المائية المتاحة، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تركيا.

ويبلغ عدد الأحواض المائية الرئيسية التي تختزنها الأراضي السورية سبعة أحواض مائية هي حوض الفرات وحلب، وحوض دجلة والخابور، وحوض الساحل، وحوض البادية، وحوض العاصي، وحوض بردى والأعوج، وحوض اليرموك. كما يوجد عدد من السدود الكبيرة والمتوسطة ضمن هذه الأحواض ومن أهمها سد الفرات وتشرين والبعث والوحدة والرستن وقطينة وتلدو ومحردة ويبين الشكل (1) توزع هذه الأحواض والسدود ضمن أراضي سورية وحجم المياه المتاحة في هذه الأحواض حتى نهاية عام 2011. حيث يقدر مجموع كمية الموارد المائية في سورية ما بين (18.209-16.375) مليار م3/سنة من المياه.

وتمثل السيطرة على الموارد المائية هدفاً استراتيجياً للقوى العسكرية المتصارعة في سورية، حيث يمنح التحكم في إمدادات المياه سيطرة استراتيجية لهذه القوى على المدن والأرياف. 

قوات سورية الديمقراطية

في سعيها لتحقيق ما أطلق عليه " مشروع الاتحاد الفيدرالي " تسعى قوات سورية الديمقراطية في استراتيجيتها المستقبلية للسيطرة على الموارد المائية من يد تنظيم الدولة وقوى المقاومة الوطنية بوجود دعم دولي. وإذا ما تحقق لها ذلك فإن الاتحاد الفيدرالي سيكون واقعاً ضمن أغنى ثلاث أحواض مائية في سورية والمتمثلة بكل من أحواض الفرات ودجلة والعاصي، والتي تحتوي على أهم الأنهار والسدود والبحيرات والمياه الجوفية في سورية. وقد عقدت الهيئات التابعة للإدارة الذاتية اجتماعات مع خبراء في الموارد المائية لدراسة أوضاع المياه في مقاطعة الجزيرة ووضع تصور مستقبلي لها ([2]). ويبين الشكل (2) مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية حتى تاريخ 15 تموز لعام 2016.

تنظيم الدولة

عمد تنظيم الدولة منذ ظهوره على الساحة السورية إلى الاستخدام الاستراتيجي للموارد الطبيعية كجزء أساسي من استراتيجيته التوسعية واستئصال كل من يرفض أفكاره المتطرفة في سعيه لإقامة “دولة الخلافة". وبدى هذا واضحاً في حجم الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها التنظيم في سبيل السيطرة على مرافق المياه واستخدامها كسلاح لتعزيز أهدافه السياسية والعسكرية والاقتصادية، فسعى جاهداً للسيطرة على السدود وخزانات المياه الضخمة ذات الأهمية الاستراتيجية في حوضي الفرات ودجلة. وكان من أهمها سد الفرات وتشرين والبعث، لأنه وجد في ذلك منفذاً له لتعظيم نفوذه وإلحاق الضرر بمناطق أكبر دون الحاجة إلى الاحتلال العسكري المباشر([3]). ويبين الشكل (2) مناطق سيطرة تنظيم الدولة حتى تاريخ 15 تموز لعام 2016.

 

الشكل (2) خارطة توزع أماكن نفوذ القوى العسكرية في سورية

المصدر: مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، وحدة المعلومات، 15-07-2016

نظام الأسد

يدرك نظام الأسد في رؤيته المستقبلية أهمية الحفاظ على المناطق الحيوية ذات الموارد الطبيعية في حال عدم تمكنه من السيطرة على كامل الأرض السورية. وقد تجسد هذا بشكل واضح في مشروعه بتحديد مناطق النفوذ الأكثر أولوية لديه تحت مسمى " سورية المفيدة " والذي لا يزيد عن 25% من مجمل مساحة البلد كما يوضحه الشكل (3)، والذي تدعمه كل من روسيا وإيران للإبقاء على موطئ قدم لهما في سورية بعد انتهاء الصراع ([4]). وتعتبر هذه المنطقة قلب سورية الحيوي استراتيجياً فضلاً عن كونها الأكثر كثافة ديمغرافياً ([5]).

الشكل (3) يبين مشروع سورية المفيدة

المصدر: مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، وحدة المعلومات، 15-07-2016

وبعد توالي خسائر النظام العسكرية واستنزافه على مدار الأعوام الماضية يحاول النظام جاهداً الحفاظ على مشروعه المستقبلي وتجسيده على أرض الواقع والذي يعد الملاذ الأخير له ولمناصريه بعد أن تلاشى أمله باستعادة السيطرة على كامل مساحة البلد([6]). ووفقاً للتصور المقترح لسورية المفيدة فسيكون حوضي العاصي والساحل وجزء من حوض بردى في المجال الحيوي بحيث يضمن النظام موارد مائية كافية تفي باحتياجاته المستقبلية. إلى جانب استفادته من كونه المنفذ الوحيد على البحر الأبيض المتوسط لما سيمنحه من ميزة استراتيجية كبيرة للاستفادة من الموارد الطبيعية الوفيرة في منطقة الساحل وسهل الغاب.

الموارد المائية سلاح في أيدي القوى العسكرية

بدى واضحاً في الصراع السوري وجود العديد من الأمثلة التي تعكس سعي القوى العسكرية المختلفة لاستخدام الموارد المائية كسلاح ضد بعضها البعض خلال الأعوام الخمس الماضية على أكثر من جبهة قتال. ويعد سلاح المياه وسيلة فاعلة من وجهة نظر هذه القوى للتوسع والاحتفاظ بالسيطرة في مناطق الصراع، كما أصبح قطع مياه الشرب وسيلة إضافية في الحصار ومصدر دخل لبعض القوى العسكرية، وسوقاً جديدة تحولت فيها مياه الشرب إلى سلعة باهظة الثمن، مع ما يلحقه ذلك من الأذى للمدنيين، إضافة إلى تحول هذه القضية إلى وسيلة ابتزاز في حالات عدة.

 إلى جانب ذلك يشكّل تواجد معظم الموارد المائية السطحية في الأرياف بتحويلها إلى خطوط تماس بين القوى العسكرية المتصارعة، الأمر الذي يضع المدن بشكل دائم في خطر تأمين المياه لسكانها الذين تضاعف عددهم مع ارتفاع وتيرة الصراع وازدياد عدد النازحين.

قوى المقاومة الوطنية

تجنبت قوى المقاومة الوطنية استخدام المياه كسلاح في وجه القوى العسكرية الأخرى، إلا أن الهجمة الشرسة لنظام الأسد وحلفائه ألجأت هذه القوى إلى استخدام هذا المورد للتخفيف من المعاناة الإنسانية للسكان في بعض المناطق. ففي وادي بردى في ريف دمشق اضطرت قوى المقاومة الوطنية في شهر حزيران من عام 2015 إلى استخدام المياه كسلاح لمواجهة قوات نظام الأسد، من خلال قيامها بتهديد النظام بتفجير نبع الفيجة لوقف عملياته بعد قيامه باستهداف المنطقة بمئات البراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية التي أحدثت دماراً هائلاً وأدت إلى تخلخلات طبقية تسببت في تحويل مجرى خروج المياه من الينابيع إلى مجارٍ أخرى في طبقات الأرض بدل أن تجري باتجاه حوض مياه نبع الفيجة. كما قامت هذه القوى بمساومة النظام على سماحها بضخ مياه عين الفيجة إلى مدينة دمشق مقابل التوصل إلى هدنة مؤقتة معه تضمن تطبيق جملة من المطالب الإنسانية للسكان تمثلت بشكل رئيسي في إيقاف كافة أنواع القصف واستهداف المدنيين على الحواجز، والإفراج الفوري عن كافة النساء المعتقلات وإدخال المواد الغذائية والطبية والمحروقات للمنطقة ([7]).

نظام الأسد

اتبع نظام الأسد في قمعه للثورة السورية سياسة الأرض المحروقة، وكان تركيزه منصباً على تدمير البنية التحتية في المدن الخارجة عن سيطرته، وتنوعت ممارسات قوات النظام في استخدام المياه لإلحاق أكبر ضرر ممكن لسكان هذه المدن. 

في مدينة حلب، التي تعد أبز الأمثلة على استخدام مياه الشرب كسلاح في ظل الصراع الدائر حالياً، تحولت أزمة المياه إلى معاناة تلازم كل من تبقى من سكان هذه المدينة، فبعد سيطرة تنظيم الدولة على محطتي الخفسة والبابيري الواقعتان في الريف الشرقي لمدينة حلب في شهر شباط من عام 2014 امتنعت مؤسسة الكهرباء التابعة لنظام الأسد عن تزويد المحطتين بالكهرباء مما أدى إلى توقفهما عن العمل ([8])، ثم عادتا للعمل على خلفية إجراء مفاوضات مع نظام الأسد من جهة النصرة ومنظمة الهلال الأحمر وبعض أهالي مدينة حلب من جهة أخرى. ويعد استمرار تدفق المياه النظيفة أمراً منقذاً لحياة سكان المدينة، وضرورة لمنع انتشار الأمراض التي تنقلها المياه.  

وفي محافظة درعا قامت الأجهزة الرسمية التابعة لنظام الأسد بحرمان السكان والأراضي الزراعية من المياه القادمة من جبل العرب، بعد أن قام النظام ببناء سدود تجميعية وسطحية في محافظة السويداء. وأدت هذه الإجراءات إلى جفاف العديد من السدود التجميعية ومنها سد درعا الشرقي أكبر سدود المنطقة التي تصل سعته الاستيعابية إلى 15 مليون م3 ويغذي مساحات شاسعة من المنطقة الشرقية لمدينة درعا تبلغ تقريباً 10000 دونم ([9])، وهو ما ينذر بتدهور الغطاء النباتي وتصحر المنطقة. بعد أن كانت هذه السدود توفر مياه الري لمئات الهكتارات من الأراضي الزراعية وتربية الماشية ([10]).

في محافظة دمشق قام النظام بقطع مياه الشرب عن مخيم اليرموك بتاريخ 9 أيلول 2014. كما قام النظام في مدينة دمشق بتحويل مياه الصرف الصحي إلى حي جوبر المحاصر كوسيلة عقاب جماعي لأهالي الحي بهدف نشر الأمراض والأوبئة ولإغراق الأقبية التي يتحصن فيها المدنيين ([11]).  

جبهة فتح الشام "جبهة النصرة سابقاً "

استغلت جبهة فتح الشام طيلة سنوات الصراع الماضية قدرتها على قطع مياه الشرب عن مدينة حلب كوسيلة لتحقيق مكاسب ميدانية ومادية كبيرة عن طريق الوقود الفائض الذي تم إرساله لتشغيل محطات التوليد وإعادة ضخ مياه الشرب.

 وفي عام 2014 وبعد سيطرتها على عدد من الأحياء في مدينة حلب، أصدرت الإدارة العامة للخدمات التابعة لجبهة فتح الشام والهيئة الشرعية لفصائل قوى المقاومة الوطنية في أوائل شهر نيسان في عام 2014 قراراً يقضي بوقف عمل مضخة سليمان الحلبي مما أدى إلى انقطاع المياه عن كافة أحياء مدينة حلب سواء الواقعة تحت سيطرة هذه القوى أو الواقعة تحت سيطرة نظام الأسد. كذلك قامت الهيئة في نهاية شهر نيسان في نفس العام بقطع التيار الكهربائي عن مدينة حلب بالكامل وأعلنت مطالبها المتضمنة توقف قوات النظام عن القصف اليومي بالبراميل والصواريخ على الأحياء السكنية في المناطق المحررة مقابل قيام الهيئة بالعمل على إعادة خدمة التيار الكهربائي. وكانت هذه الخطوة بعد أن قام النظام بقصف شبكات المياه ومحطة الكهرباء التي تغذي محطة المياه مما أدى إلى توقف ضخ المياه إلى المنازل وحرمان المدنيين من حقهم فيها، وزيادة معاناتهم في الحصول عليها نتيجة التحكم الكبير بأسعارها مع غياب الرقابة عليها، مما اضطرهم للانتظار في طوابير أمام آبار المياه غير المعقمة وصنابير مياه المساجد. كما لا يختلف حال المدنيين في مناطق سيطرة النظام عن حال نظرائهم في المناطق المحررة، بفعل تسلط لجان الدفاع الوطنّي على آبار المياه، واستخدامها لمصالهم الشخصية، إلى جانب المعاملة السيئة للمدنيين وإهانتهم من قبل ميليشيات النظام ([12]).

تنظيم الدولة

يعد تنظيم الدولة القوة العسكرية الوحيدة التي لجأت إلى الاستخدام الاستراتيجي للمياه كسلاح، فقد تمكَّن التنظيم بعد سيطرته على سد الفرات من حجز أكبر مستودع مائي ومنحه فرصة للسيطرة على المياه والكهرباء وتحقيق بعض المكاسب المادية، واستخدام السد كسلاح حرب ضد أعدائه عبر التهديد بإغراق المدن والمناطق المطلة على نهر الفرات عبر تحَّكُمِه بتدفق المياه وتسميمها، إلى جانب استخدام السد كذلك في التحصن وتخزين الأسلحة، أو حتى إحداث شلل في حياة المواطنين من خلال قدرته على التحكم في مياه السد عبر بناء السدود على النهر للاحتفاظ بالمياه وتجفيف مناطق معينة، وبهذه الطريقة يخفض من تزويد المياه للقرى والتجمعات السكنية. ومن جانب آخر يقوم التنظيم بإغراق بعض المناطق بإبعاد ساكنيها لمناطق أخرى وتدمير سبل عيشهم ([13]). وبالتالي مثلت هذه السيطرة سلاحاً تكتيكياً رئيسياً للتنظيم داخل سورية، لقناعته بعدم إمكانية قصفه من قبل أعدائه وعدم التسبب بكارثة إنسانية تتمثل في غمر مياهه لمدينتي الرقة ودير الزور إذا ما تم تدمير السد ([14]). لكن بالمقابل يوجد تخوف كبير من قبل المراقبين لمجريات الصراع بقيام التنظيم بتفجير السد إذا ما شعر بالخطر.  

قوات سورية الديمقراطية

أعلنت قوات سورية الديمقراطية بتاريخ 26 كانون الأول لعام 2015 سيطرتها على سد تشرين الواقع على نهر الفرات في ريف حلب الشرقي، وذلك بعد مواجهات عنيفة مع تنظيم الدولة. حيث قامت هذه القوات بإغلاق عنفات السد مما أدى إلى ارتفاع منسوب المياه، مهدداً بإغراق أكثر من 470 قرية على ضفاف نهر الفرات ([15]). وتزامن ظهور هذه المشكلة مع فرار مهندسي السد اللذين يديرون عمله بعد الاشتباكات العنيفة للسيطرة عليه. ومنع عودتهم بعد توقف الاشتباكات من قبل قوات سورية الديمقراطية بحجة تسليم السد لهيئة الطاقة في "مقاطعة كوباني"، لتبقى مهمة هذه القوات محصورة بتأمين حماية السد ([16]).

المواطن السوري يدفع الثمن

 يدفع المواطن السوري خلال سنوات الصراع الدائر في سورية الثمن الأكبر ضريبة تشبثه بأرضه حرماناً واعتقالاً ونزوحاً وقتلاً وتهجيراً. فالكثير من السكان تعايش مع واقع الصراع والقصف والدمار والخوف وفقدان أدنى مقومات الحياة، إلا أن صمودهم تجاه فقدان المياه أمر لا يمكن تحمله إذا ما طالت فترة انقطاعه.

  يجدر القول هنا بإن استخدام سلاح قطع المياه المباشر وغير المباشر عن السكان في المدن كأسلوب من أساليب الحرب يرقى إلى جريمة حرب وهو عمل إجرامي غير مقبول يهدد حياة المدنيين، كما أن مسؤولية احترام حقوق المدنيين تقع على عاتق جميع أطراف الصراع )[17](.

وفي هذا الصدد صرحت ممثلة اليونيسيف في سورية أن جميع أطراف النزاع في سورية استخدمت المياه كسلاح في الحرب، مما أدى إلى حرمان الملايين من المدنيين من الحصول على المياه النقية للشرب والاستخدام المنزلي. وأشارت الممثلة أن الأساليب التي اتبعتها هذه الأطراف شملت القيام بقطع المياه من المصدر، والغارات الجوية والهجمات البرية على مرافق المياه وإعاقة وصول العاملين المدنيين للحفاظ على وإصلاح وتشغيل المرافق. وقد وثقت اليونيسيف مثل هذه الأساليب في كل من حلب ودمشق ودرعا وحماة. وفي عام 2015 وحده واجه أكثر من خمسة ملايين سوري نقصاً حاداً في المياه مهدداً للحياة بسبب اتباع هذه الأساليب ([18]). حيث يقدر أن نسبة 70% من السكان في سورية لا يحصلون على مياه الشرب الآمنة بشكل منتظم ([19]) كما أدى تعطل محطات معالجة المياه إلى زيادة ملحوظة في الأمراض التي تنقلها المياه الملوثة مثل التيفوئيد خاصة في المنطقة الشرقية لصعوبة تزويد هذه المناطق بالمواد الكيمائية اللازمة لتعقيم هذه المياه ([20]).

من جهتها قالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن شبكة المياه في سورية معرضة لخطر الانهيار مع استمرار الصراع، وهو ما يزيد من خطر انتشار الأوبئة الصحية مثل التيفوئيد والكوليرا. وأضافت اللجنة أن إمدادات المياه تنقطع لأيام في المرة الواحدة عن الملايين في حلب ودمشق، وهو أسلوب تستخدمه كل الأطراف المتحاربة لممارسة السيطرة في المدن المقسمة([21])

وفي الجنوب السوري يعاني المزارعون نقصاً شديداً في مياه الري، إضافة لعشرات المدن والقرى التي تعاني العطش، خاصة في ريف درعا الشرقي، بسبب سرقة وتخريب المضخات وانقطاع التغذية الكهربائية المتواصل، وأدى غياب الحراسة لمناطق الضخ إلى خروج الكثير من هذه المضخات عن الخدمة والتي كانت تقوم بنقل المياه من ينابيع زيزون وتل شهاب لبعض قرى ومدن محافظتي درعا والسويداء ([22]).

التداعيات المستقبلية لعسكرة المياه

إن المتتبع لواقع الموارد المائية السورية عبر العقود الماضية يلحظ بوادر لحدوث فجوة مائية بسبب الاستنزاف والتلوث الكبير للموارد المائية الذي شهدته سورية خلال هذه العقود، وقد ازداد هذا الأمر سوءاً مع بداية عام 2011، بسبب التدمير الممنهج لهذه الموارد من قبل قوات النظام واستغلال القوى العسكرية الأخرى لهذه الموارد كسلاح ضد بعضها. فبعد مرور خمس سنوات من الصراع تأثرت البنية التحتية للمياه في البلاد بشكل كبير، حيث يقدر أن نصف إجمالي الطاقة الإنتاجية قد ضاع أو تلف ([23]). إضافة إلى الآثار المحتملة على كل من السكان والتنمية المستدامة وعمليات إعادة الإعمار. تشير بيانات البنك الدولي أن الخسائر في قطاع المياه هي الأعلى حيث بلغت 121 مليون دولار ([24])، كما أدى الصراع إلى مقتل وفرار العديد من العاملين في قطاع المياه والصرف الصحي. وبات ما يقرب من ثلثي السوريين يحصلون على المياه من مصادر تتراوح درجة خطورتها بين المتوسطة والعالية ([25]). وانخفض معدل توفر المياه من 75 لتر لكل شخص يومياً إلى 25 لتر ([26]). وتقدر وزارة الموارد المائية الخسائر الناجمة عن الصراع حتى الآن بنحو 74 مليار ليرة سورية ([27]).

في ضوء التوقعات الآنية والمنظورة حول التغيرات التي ستشهدها سورية في هيكل السكان والاقتصاد في السنوات القليلة القادمة، وما سيترتب عليها من زيادة الطلب على الموارد المائية اللازمة لعملية إعادة الإعمار والتنمية، فإن السؤال الذي سَيُطرح من قبل الجهات التي سيعهد إليها بهذه المهمة يتركز حول مدى كفاية مواردنا المائية من حيث الكم والنوع لتلبية الاحتياجات المطلوبة لها، ويبقى الجواب على هذا السؤال رهناً للتطورات الجارية على الأرض. فمع استمرار الصراع سيزداد حجم الاستنزاف الكبير لهذه الموارد، وسيزداد حجم الدمار الذي سيلحق ببنيتها التحتية، إضافة إلى زيادة حجم التلوث الكبير الذي سيصيبها، وما سيترتب على ذلك من تكاليف اقتصادية كبيرة ستمثل إحدى أبرز التحديات التي ستواجه الشعب السوري في المرحلة القادمة. وسيتطلب ذلك مستقبلاً المزيد من تنسيق الجهود بين القيادة العسكرية، وبين جهود بناء السلام المحلي من قبل القيادة السياسية، فيما يتعلق بالقضايا ذات البعد البيئي، والتي تعد إدارة الموارد المائية أحد مفاصلها الرئيسية.

إضافة إلى ما سبق فإن فقدان المياه يمثل أحد الأسباب الرئيسية لنزوح عدد كبير من السكان إلى مناطق بعيدة عن الصراع في وقت قصير. الأمر الذي سيترتب عليه العديد من الآثار والانعكاسات المستقبلية السلبية على كمية ونوعية الموارد المائية المتاحة.

وقد ظهر هذا التأثير بشكل خاص في موارد المياه الجوفية، والتي تشير الكثير من التقارير الداخلية إلى وجود استنزاف كبير لها من خلال الحفر العشوائي للآبار في غالبية المناطق السورية، إضافة أيضاً إلى التلوث الحاصل في العديد من مصادر المياه السطحية والجوفية ومرد ذلك إلى غياب الرقابة اللازمة للحد من هذه الأعمال، وعدم القدرة في ذات الوقت على تأمين المتطلبات اللازمة للسكان من المياه. إضافة إلى أن الهجمات والهجمات المضادة لأطراف الصراع دمرت العديد من مرافق معالجة مياه الصرف الصحي، مما أدى إلى تلوث مياه الشرب. ورغم صدور العديد من الإرشادات الصحية المتعلقة بضرورة غلي المياه الآتية من الصنابير والآبار إلا أن ارتفاع أسعار الوقود في العديد من المناطق حال دون تمكن الأهالي من القيام بذلك. 

على الرغم من هذه المؤشرات التي تنذر بالخطر، فإن القوى العسكرية على الأرض تعيش حالة الإنكار للمنعكسات السلبية لهذه الأزمة، ولم تتخذ التدابير اللازمة للاستجابة لتداعياتها السلبية. وينصب تركيزها على دعم جبهات القتال، فيما تترك إدارة وصيانة الموارد المائية لمجموعة قليلة من الوكالات الدولية وأصحاب الاختصاص المقيمين في الداخل وسيقود أي تعطل في تزويد السكان بالمياه أو تلوثها إلى حركة نزوح كبيرة للسكان داخل سورية أو إلى دول الجوار.   

ووفقاً لما تقدم فلا بد من وضع المياه كأولوية لدى منظمات الأمم المتحدة بالنسبة للشرب والصرف الصحي والري، وأن الفشل في عمل هذا سوف يضع سورية في خطر المأساة الوشيكة والتي يمكن أن تكون أكبر في نطاقها من قدرة السكان على تحمل تبعاتها. ولا بد أن يكون لحماية الموارد المائية أولوية لدى القائمين على الشأن المائي عبر السعي إلى حماية نوعية الموارد المائية من التلوث. ذلك أن هذه الموارد تعد من أهم الموارد الطبيعية في سورية والتي ستتحكم بتوزيع السكان وأنشطتهم الاقتصادية في المستقبل، وهي بذلك تعد من أهم مرتكزات الأمن الغذائي والأمن الوطني. وسيدعو ذلك إلى ضرورة تقدير قيمة هذه الموارد عند إعداد المشاريع ووضع الخطط الخاصة بعمليات التنمية وإعادة الإعمار، إلى جانب السعي الدائم إلى تحقيق الفاعلية المطلوبة في إدارة هذه الموارد لتنميتها والمحافظة عليها من النفاد، وتحقيق المتطلبات اللازمة للأمن المائي. وتمثل ندرة هذه الموارد وتزايد الطلب عليها في سورية تحدياً مهماً، والتي أدت سياسات نظام الأسد على مر العقود الماضية إلى تدهورها واستنزافها بشكل كبير، مع ما يتطلبه ذلك من ضرورة التقييم المستمر لهذه الموارد من حيث مصادرها وتوزيعها وتقييم الطلب عليها وتحديد التغيرات الحاصلة فيها في ظل الظروف الحالية.

خاتمة

بعد مرور ست أعوام على الصراع الدائر في سورية يجد الملايين من سكان هذا البلد أنهم قد تركوا تحت القصف الممنهج من قبل قوات النظام وحلفائه، وانتهاكات تنظيم الدولة وقوات سورية الديمقراطية مع عدم وجود وازع أخلاقي يردع أياً منهم عن استخدام هذا المورد الطبيعي الأكثر حيوية لتحقيق أهدافها. وعلى الرغم من إدراك هذه الفصائل أن استخدام المياه كسلاح تكتيكي من قبلها قد تسبب في احراز بعض الخسائر العسكرية للأطراف الأخرى الداخلة في الصراع، إلا أنها تدرك تماماً أن استخدام المياه كسلاح عسكري تكتيكي عديم الفائدة نسبياً ولكن يمكن اعتباره أداة فاعلة للسيطرة السياسية وفقاً لأجندتها المستقبلية، مع تجاهلها للآثار السلبية التي سببها الاستخدام العسكري للمياه على حياة المدنيين واستقرارهم الاقتصادي والاجتماعي نتيجة تعرضهم للأخطار الناجمة عن نقص المياه وتلوثها.

إن العواقب الإنسانية المترتبة عن النقص في إمداد المياه وتلوثها نتيجة استخدامها كسلاح من المحتمل أن تدوم تأثيراتها لفترة طويلة في المستقبل مهما كانت نتيجة الصراع الدائر حالياً. ويمكننا تلمس آثار ذلك بشكل واضح في المعاناة التي سببها نقص المياه في مناطق الصراع من ارتفاع أعداد السكان النازحين والمهجرين من مناطقهم إلى مناطق أخرى. إضافة إلى زيادة تفشي الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة والنقص في مياه الصرف الصحي ومستلزمات النظافة في غالبية مخيمات النزوح.  

في ظل ما سبق فإن الفشل في الاستجابة لأزمة المياه الحالية سوف تزيد من زعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المنطقة. وبالتالي لا بد من تكاتف جهود جميع الفاعلين في القضية السورية ووضع المياه كأولوية بالنسبة لكل من الشرب والصرف الصحي والري، وأن عدم القدرة على تحقيق متطلبات ذلك سوف يضع سورية في خطر المأساة الوشيكة والتي يمكن أن تكون أكبر في نطاق تداعياتها السلبية من قدرة السكان على تحمل هذه التداعيات وتبعاتها المستقبلية.

 

 

([1]) تعامل نظام الأسد على مر العقود الماضية مع الموارد المائية باعتبارها قضية أمن قومي محاطة بـثقافة السرية، وكان أي نقاش حاسم في هذا الشأن غير مقبول. وظل يعمل قطاع المياه السوري في حقيقتين. من جهة هناك الرواية الرسمية التي تصور سورية على أنها شحيحة المياه بشكل طبيعي وتعمل بنشاط على تحديث قطاع المياه لديها، ومن ناحية أخرى، هناك واقع على الأرض يتمثل بنظام إدارة مياه غير فعال وفاسد مكَّن من استغلال موارد المياه والأراضي على نطاق واسع وأحدث المزيد من الفقر والحرمان والهجرة الداخلية وسط المجتمعات الريفية.

([2]) هيئة الري والزراعة في مقاطعة الجزيرة، تاريخ 12-5-2016: https://goo.gl/QO7zJB

([3]) Tobias von Lossow, Water as Weapon: IS on the Euphrates and Tigris, German Institute for International and Security Affairs, January 2016.

([4]) مفهوم سورية المفيدة وتطبيقاته، قناة الجزيرة الفضائية، برنامج الواقع العربي، 29-9-2015: http://goo.gl/RUqO9s

 ([5])"سوريا المفيدة" آخر الأوراق الروسية لإنقاذ الأسد، تقرير خاص، 01-10-2015، الخليج أونلاين: http://goo.gl/xxm8Dh

 ([6]) عدنان عبد الرزاق، الأسد يكرس سورية المفيدة، 30-05-2016، موقع العربي الجديد الإلكتروني: https://goo.gl/2O5BN3

([7]) وادي بردى: النظام يصعد .. والمعارضة تذكر بشروطها لتزويد دمشق بالمياه، 21-6-2015، جريدة المدن الإلكترونية: http://goo.gl/ASP4Eb

([8]) وفقاً لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة " يونيسيف"، يعد مرفق معالجة المياه في الخفسة أحد أهم المرافق في سورية، حيث تنتج المحطة ما معدله 400 مليون لتر من مياه الشرب يومياً. حيث تقوم المحطة بسحب المياه من نهر الفرات، الذي يعتبر المصدر الوحيد لمياه الشرب لأكثر من مليوني شخص لكامل مدينة حلب والمناطق الشرقية من المحافظة.

([9])دقّ ناقوس الخطر. جفاف سد مدينة درعا يهدد حياة الناس وزراعتهم، 15-04-2014، موقع أورينت نت: http://o-t.tv/_9

([10])النظام السوري يعاقب درعا بمنع المياه عنها، 17-05-2016، الجزيرة نت، http://goo.gl/poEedu

 ([11])نظام الأسد ينتقم من حي جوبر المحاصر بإغراقه بمياه الصرف الصحي، الهيئة السورية للإعلام، 22-05-2016: https://goo.gl/a5Vndq

 ([12]) جبهة فتح الشام هي المسؤولة عن قطع المياه عن مدينة حلب، تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان بتاريخ14-5-2014: http://goo.gl/G22DgE

([13]) Matthias von heın, Islamic state using water as a weapon, 3/3/2016: deutsche welle: http://goo.gl/KIG6bB

([14])كيف يستخدم تنظيم «الدولة الإسلامية» المياه كسلاح في العراق وسوريا؟، 8 فبراير ,2016، موقع ساسة بوست: http://goo.gl/3BuZ1x

 ([15]) محمد خالد، 31/12/2015، سد تشرين في خطر: داعش أم سورية الديموقراطية، جريدة المدن الإلكترونية. http://goo.gl/RZAv20

([16]) يشير تقرير خاص لجريدة عنب بلدي بعنوان: سد تشرين.. الإنجاز الأكبر لـ “سوريا الديمقراطية” منذ تأسيسها، أشار ت فيه إلى أن مياه نهر الفرات غمرت 7 قرى في ريف حلب الشرقي عقب سيطرة قوات سورية الديمقراطية على سد تشرين في منطقة منبج وتوقف عنفاته عن العمل. وفي بيان لها حول الموضوع وجهت وزارة الطاقة والثروة المعدنية في الحكومة السورية المؤقتة بتاريخ 30 كانون الأول، نداءً إلى هيئة الأمم المتحدة والهلال والصليب الأحمر وجميع المنظمات والدول الفاعلة في الملف السوري لاتخاذ إجراءات فورية لتحييد سد تشرين الكهرمائي عن أي عمل عسكري في محيطه. وطالب البيان كذلك ببذل جميع الجهود للسماح بإعادة الكادر الفني العامل في السد سابقًا لإدارته وتشغيله من حيث تمرير المياه وتوليد الكهرباء، وأكدت الوزارة أنها تواصلت مع الحكومة التركية لإيقاف المياه عن السد إلى حين عودته للخدمة: http://goo.gl/IHeglU

([17]) يوجد عدد من الاتفاقيات التي تصنف استخدام المياه كسلاح باعتبارها جريمة حرب. ومن أهمها البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف المتعلق بحماية ضحايا النازعات المسلحة غير الدولية (المادة 49) والذي ينص على أن " تجويع المدنيين كأسلوب للقتال محرم. ووفقاً لذلك يحظر مهاجمة أو تدمير أو إزالة أو تعطيل أي مواد لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين مثل المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب والإمدادات وأعمال الري ". ويتعين على الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف تقديم الأشخاص للمحاكمة أو تسليمهم ممن يزعم بأنهم ارتكبوا الانتهاكات المشار إليها في هذا البروتوكول. كما تحدّد الفقرة 1 من المادة 11 من شرعة حقوق الإنسان، " أنّ للإنسان الحقَّ في تأمين مستوىً معيشيٍّ كافٍ يضمن له الكرامة الإنسانية والحياة، ومن ضمنها الماء. وأنّ الحقّ في الماء هو حقٌّ لا يمكن فصله عن الحقّ في أعلى مستوىً من الصحّة الجسمي ".

([18])ممثلة اليونيسف: جميع الأطراف استخدمت المياه كسلاح بالحرب السورية، مقابلة إذاعية على راديو روزانة بتاريخ 9-3-2016 : http://rozana.fm/ar/node/18267

 ([19]) خطة الاستجابة الإنسانية في سورية لعام 2016، والخطة الإقليمية للاجئين والصمود 2016-2017، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

([20]) Nouar Shamout, Syria Faces an Imminent Food and Water Crisis, 24 June 2014, chatham house, the Royal Institute of International Affairs, UK. 

([21])الصليب الأحمر يحذر من انتشار أوبئة في سورية بسبب مشكلة المياه، إذاعة الحرة، 03-09-2015:http://goo.gl/JICPbl

 ([22])ينابيع المياه بجنوب سوريا تذهب هدرا.. وإسرائيل المستفيدة، عربي 21، 30-03-2016: http://goo.gl/SpR28t

([23])Syria: Water used as weapon of war, 02-9-2015, The International Committee of the Red Cross  https://www.icrc.org/en/document/syria-water-used-weapon-war

([24])The Importance of Planning Syria’s Eventual Reconstruction, May 24, 2016, The World Bank: http://goo.gl/KhwFnS 

 ([25]) الموجز الاقتصادي الفصلي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا: الآثار الاقتصادية للحرب والسلام، العدد (6)، يناير 2016، البنك الدولي.

([26]) - Running dry: Water and sanitation crisis threatens Syrian children، unicef: http://goo.gl/GKjfVS

([27]) يصعب تحديد قيمتها الفعلية بالدولار بدقّة لكونها قيمة تراكمية في ظل الارتفاع المتواصل لسعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية، إلا أن القيمة بالتأكيد        تتجاوز النصف مليار دولار.

 

التصنيف أوراق بحثية

بتاريخ 30 تموز 2016، استضافت قناة دار الإيمان الفضائية ضمن نشرتها الإخبارية، الدكتور عمار قحف، المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية. للتعليق على التطورات الأخيرة وحصار مدينة حلب حيث يتم حبس أكثر من 300 ألف من المدنيين، وأن السكان لا يثقون بدعوات الروس للملاجئ الإنسانية التي تهدف إلى تغيير ديمغرافي وطرد المواطتين من بلدهم. ما فائدة مدينة حلب بدون أهلها وكيف يتم ادعاء العمل على حل سياسي مع استمرار سلاح التجويع والحصار لإرغام السكان على الصلح مع من قتل أكثر من نصف ملبون سوري وهجر أكثر من نصف السوريين.

تغطية قناة الأورينت نيوز للندوة البحثية التي عقدها مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بولاية غازي عينتاب التركية بتاريخ 19 آذار / مارس 2016، جاءت الندوة بمناسبة إصدار المركز لكتابه السنوي الثاني بعنوان: "اختبارات وطنية في مواجهة سيولة المشهد السوري"، والذي أصدر بالتزامن مع الذكرى الخامسة للثورة السورية.

يتضمن التقرير المصور مقابلات شخصية أجريت مع مجموعة من باحثي مركز عمران للدراسات الاستراتيجية في نهاية الندوة البحثية التي عقدها المركز بولاية غازي عينتاب التركية وذلك بمناسبة إصدار المركز لكتابه السنوي الثاني بعنوان: "اختبارت وطنية في مواجهة سيولة المشهد السوري". الذي تزامن إصداره مع الذكرى الخامسة لانطلاقة الثورة السورية.

الأربعاء, 20 نيسان/أبريل 2016 13:55

موسكو والريادة الدولية من البوابة السورية

يفيد التقييم التفصيلي لمجموعة السلوكيات الروسية والأمريكية في الشأن السوري، في تثبيت قاعدتين مهمتين في أسس التعاطي مع "الملف" السوري، لم يعتريهما أي تبدل رغم كم المتغيرات التي شهدتها الجغرافية السورية، ومن شأنهما تسهيل فهم أهم ملامح "ادعاءات الانفراج" التي تمت هندستها وفق سياسات لا تمت للبعد المجتمعي للقضية السورية بأية صلة.

القاعدة الأولى: تذبذب الأداء الأمريكي  في الملف السوري وعدم ثباته واتسامه بردود الفعل وفق قواعد الحد الأدنى من التدخل، وذلك بحكم ما أسماه كولين دويك في كتابه (عقيدة أوباما) التي تشجع الانسحاب من ملفات المنطقة التي يمكن –وفق هذه العقيدة-  إبعاد ارتداداتها الأمنية عن المصالح الأمريكية دون التدخل المباشر فيها، والاستناد إلى محورين رئيسين وهما: مبدأ التوجه إلى الداخل الأميركي وإيلائه القدر اللازم من الزخم السياسي من أجل تمرير أفكار أوباما الأقرب إلى الاشتراكية المعتدلة، فهو يعتقد أن قوة أميركا تنبع من تماسكها ونمائها في الداخل وليس من علاقاتها الدولية وسطوتها الخارجية ، وأن الأمن القومي الأميركي لا يمر في قناة السياسات الدولية بل يعززه مجتمع قوي يقوم على إتاحة الخدمات للجميع ، كمشروعه لترشيد التأمين الصحي الذي يسمى بـ"أوباما كير" ، وقضية الهجرة، والرعاية الصحية، والتعليم، والمناخ والبيئة .والمحور الثاني تغييبه لمبدأ الاشتباك في العلاقات الدولية لصالح  سعيه الحثيث لسياسات الاحتواء تجاه دولاً كانت تعتبر إلى ما قبيل مجيئه إلى سدة البيت الأبيض دولا مخاصمة أو مارقة أو عدوة مثل الصين وإيران وروسيا، هذا من جهة، ولتغليب خيار محاربة الإرهاب وفق محدّدات خاصة غير مكلفة لا تخلو من التوظيفات السياسية ولا تنسجم بالضرورة مع القضايا الاجتماعية المحلياتية من جهة أخرى.

أما القاعدة الثانية: هي ثبات ووضوح الموقف السياسي الروسي تجاه القضايا الإقليمية لا سيما حيال الملف السوري (بغض النظر عن عدم اتساق هذا الموقف مع طبيعة المتغيرات التي شهدتها البنية العربية) خاصة بعد سقوط القذافي واعتبار موسكو أن الولايات المتحدة وحلف الناتو قد استغلوا القرار الأممي رقم 1973 الصادر بتاريخ 17/3/2011 ونفذوه بطرق مضرة لشبكة المصالح الأمنية والجيوسياسية الدولية في المنطقة و"مخالفة لنص القرار "، إذ أن "قرار مجلس الأمن الدولي طالب بفرض منطقة الحظر الجوي، لكن طائرات عسكرية كانت تحلق هناك كل يوم، كما طالب القرار بمنع تصدير الأسلحة لكنه تم تصدير أسلحة، وحظر القرار كذلك وبشكل مباشر استخدام القوات البرية، لكنه كانت هناك قوات لدول محددة، كما تبين في ما بعد" -وهذا كله وفق ادعاءات موسكو-

إذاً إدارة الكرملين  لن تسمح بتكرار السيناريو الليبي لأسباب عدة منها ما يتعلق برؤية بوتين الخاصة للحركات الإصلاحية في الوطن العربي وخطورة قوى الإسلام السياسي على الأمن القومي الروسي، ومنها ما يرتبط بطبيعة رجاءات العودة والتمركز في قلب النظام الدولي، وحماية مصالح روسيا الجيوبولتيكية،  حيث اعتبر  بوريس دولغوف الباحث العلمي في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية خلال ندوة  نظمتها اللجنة الروسية للتضامن مع ليبيا وسوريا في موسكو في آذار 2016: "أن مجلس الأمن كان قد تبنى حينها قراراً بصيغة معينة بخصوص ليبيا، لكن الغرب تصرف هناك بصيغة أخرى...والنتيجة هي أننا نرى دولة منهارة وحكومتين متناحرتين في طرابلس وطبرق".
أدركت موسكو القاعدة الأولى وهندست سياساتها الدولية في المنطقة وفقاً لذلك بالتظافر مع متطلبات صيانة الأمن القومي الروسي فضمت القرم قبل عامين، واستطاعت ضبط التفاعلات الدولية في الأزمة الأوكرانية، كما أنها  طورت من نوعية تدخلاتها في المشرق العربي عبر بوابة المسرح السوري، الذي أضحى مع انحسار الدور الأمريكي فرصة جيواستراتيجية لموسكو للبدء بعودة نوعية جديدة إلى المنطقة، بحيث تعمل من خلالها على ملء الشواغر الناجمة عن محدّدات تعاطي أوباما القائمة على مبدأ الإدارة من الخلف وعدم الانخراط المباشر في ملفات المنطقة، فانتقلت من مستويات الدعم العسكري والسياسي والدبلوماسي إلى مستوى أكثر صلابة عبر الانخراط المباشر في تفاعلات المشهد السوري مستغلاً تلك "الوكالة الدولية" التي اكتسبتها موسكو منذ اتفاق الكيماوي الشهير، واستطاع إلى حد بعيد صد طموحات بعض الدول الإقليمية (كالسعودية وقطر وتركيا) وإلغاء أي احتمال لتطور هذه الطموحات لتدخلات صلبة، كما وأجبر الفاعل الإيراني على صياغة سياسته وفق قواعد التعاون والبناء المشترك مع موسكو – ناهيك عن أن هذا التدخل حفز بعض الدول الداعمة للثورة المضادّة بالاصطفاف خلف الدب الروسي ويهيئ الفرصة لبلورة محور إقليمي بقيادة موسكو. وهذه مجموعة مكاسب متنامية ستحرص موسكو على تثبيتها كقواعد ناظمة للمجال السوري لا سيما "تثبيت أولوية مكافحة الإرهاب" في المشرق العربي بعدما طوعت موسكو ميادين السياسة والعسكرة في سورية، واستطاعت رسم الإطار العام لمسار العملية السياسية في سورية بكل أجندته والذي سيكون له الانعكاس الأبرز على باقي ملفات المنطقة.

تجد موسكو في شعار "تثبيت أولوية مكافحة الإرهاب" في المشرق العربي – الذي بات الإشكال الوحيد في الملف السوري وفق وجهة النظر الدولية-  عدة مكاسب استراتيجية كامنة في ثنايا الجغرافية السورية، كتغييب الحركات الإسلامية بكل تدرجاتها عن أي مشاريع للتغيير السياسي في المنطقة عبر تثبيت حوامل الثورة المضادة وتدعيم مفاهيم وكوادر الدولة "العميقة"، والاستثمار والتوظيف السياسي غير المباشر للجماعات العابرة للحدود، في سبيل الالتفاف على قضايا التغيير السياسي في المشرق العربي، إلى جانب تصدّرها المشهد السياسي والعسكري وإخضاعه لشروطها الجيوسياسية، إضافةً إلى ترسيخ قاعدة مشتركة بغية زيادة مساحة التوافق مع الولايات المتحدة كخطوة أولى لإعادة حلحلة باقي الإشكالات والملفات الدولية العالقة، ناهيك عن مبررات الاستراتيجية الأمنية الخاصة بموسكو فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب إذ تعتبر موسكو أن مواجهة وضرب "الإرهاب" هي من الضربات الاستباقية والمحددات الرئيسة للسياسة الخارجية نظراً لتأثيرها على العمق الاستراتيجي الروسي حيث يشكل ارتداد العناصر القوقازية المقاتلة بجانب تنظيم الدولة أو بالتنسيق معه نحو شمال القوقاز خطرا كبيرا على هذا العمق، إذ  أن منطقة شمال القوقاز، بإطلالها على البحر الأسود غرباً، تمثل المنفذ الرئيسي والمباشر لموسكو عبر مضيقي البوسفور والدردنيل إلى البحر المتوسط، ومنه إلى ميناء طرطوس (سوريا) - نقطة ارتكازها في الشرق الأوسط-  علاوة على الخسائر الفادحة التي ستتلقاها موسكو في حال قيام الجهاديين بعمليات تجاه خط أنابيب "السيل التركي" المنطلق من القوقاز الروسي عبر البحر الأسود. كما تؤثر أيضاً على مناطق النفوذ في منطقتي آسيا الوسطى (أوزبكستان، كازخستان، طاجيكستان، قيرغيزستان، تركمنستان)، وجنوب القوقاز (أذربيجان، جورجيا، أرمينيا)، التي تسعى موسكو لتوطيد العلاقات معهم وتدعيمها، وتوسيع النفوذ، بالإضافة لإدماج دول المنطقتين ضمن مشروع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي للحد من تصاعد النفوذ الأمريكي، وعليه فإن الضربات الروسية ضد "داعش" حافزا لتعزيز علاقات موسكو بالجمهوريات السوفيتية السابقة، في ظل الهواجس الأمنية التي تسيطر على هذه الأخيرة إزاء اتساع نشاطات التيار السلفي الجهادي في آسيا الوسطى والقوقاز.

كما تحاول موسكو اليوم تصدير نفسها دولياً بأنها القادرة على حل الصراعات الدولية، وهذا ما تضمنته وثيقة "استراتيجية الأمن القومي لروسيا الاتحادية" الصادرة في مطلع هذا العام والتي يمكن عنونتها بـ"( الانتقال من الدفاع للهجوم) إذ أكد عقيد الاستخبارات الروسي السابق "بافل لي" على أن روسيا "قررت الأخذ بزمام المبادرة، والانتقال من موقع الدفاع إلى الهجوم، وذلك بعدما أيقنت أن إيجاد حلول للمسائل الخلافية مع الغرب بشأن أوكرانيا وسوريا وغيرهما من القضايا وصل إلى طريق مسدود".

تبدو خطوات بوتين في سورية أكثر رسوخاً واتساقاً من الحراكات الدولية الأمريكية التي أعاقتها عقيدة أوباما وأرجأت الحسم في المواقف السياسية المتعلقة بالملف السوري حتى استلام الرئيس الجديد الذي سيجد نفسه أمام تركة ثقيلة وواقعاً سياسياً وعسكرياً وأمنياً لا يمكن التحكم بتفاعلات هذا الملف بمعزل عن المشاركة الروسية التي عززت شروطها الجيوسياسية، وكما قال المحلل السياسي الروسي قنسطنطين إيغرت أن "بوتين هزم باراك أوباما مجدداً فتدخل بوتين في سوريا وفاجأ الغرب وأجبر "الولايات المتحدة على التحدث معه على قدم المساواة". كما أن زعيم الكرملين نجح في خلق واقع جديد جعل من أزمة أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم أمراً ثانويا".

ويمكن القول ختاماً، وكما أدركت كاترين الكبرى (إمبراطورة روسيا 1762-1796) أهمية دمشق إذ قالت "دمشق تمسك مفتاح البيت الروسي"، عَلِمَ بوتين جيداً أن "دمشق هي مفتاح عصر جديد". فهل من مدركٍ في بلاد العرب؟

المصدر موقع العربي الجديد: https://goo.gl/rjQ4N1

التصنيف مقالات الرأي

لم تكن الثورة السورية حدثاً يُشكل امتداداً لثورات الربيع العربيٍّ فحسب، بل كانت أيضاً حركة احتجاج في بيئة ذات خصائص جيوسياسية بالغة التعقيد، تفرض على السلوك السياسي الإقليمي والدولي حيالها اتخاذ مجموعة أدوات حذرة تُراعي طبيعة ووظيفة دور النظام السياسي في سورية ضمن المعادلات المصلحية والتوازنات الأمنية الإقليمية والدولية، وتتواكب في آنٍ معاً مع مطالب المجتمع السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية، فكانت النتيجة الأولية سلوك يكتنفه التردد ويحاول عبر أدوات ناعمة الدفع باتجاه حوار بين السلطة وقوى التغيير المجتمعية تحمي البُنية السورية من الانهيار. ووفقاً لذلك لم يخرج السلوك الخليجي عن هذا الإطار في المرحلة الأولى.

تزامنت هذه الحركة الاحتجاجية مع حالة من الفوضى والسيولة في النظام الدولي وانسداد أقنية التواصل بين مراكز القوى الإقليمية والدولية، وتبلور بعض القوى على هامش هذا النظام، ومحاولتها ملء الفراغ جراء تراخي القدرة الأمريكية وانحسارها لصالح أولويات يفرضها المجال الداخلي الأمريكي. إن هذا التراخي أرخى بظلاله الفواعل الاقليمية، حيث جرى دخولها على خط التوتر والانقسام في ظل حالة من النهوض الهوياتي كمُكون مستجد في عناصر القوة القومية، في إطار سعي هذه الدول إلى إيجاد مكانة لها في سلم التراتب الإقليمي الذي بدا أن تشكيله يتناسب مع فائض السيولة والفوضى في النظام الدولي المتحرك نزولاً وصعوداً على إيقاع حالة الانعزال الأمريكية.

سمات التحرك الخليجي حيال القضية السورية

لقد ترافق الفعل الثوري في سورية مع ما يمكن تسميتها "مرحلة النهوض الخليجية" وتفعيل الدور الخليجي الاستراتيجي الذي يُرافقه عمليات ترتيب في المسرح الاستراتيجي المناسب لمجاله الحيوي، والذي يشمل فيما يشمل الحواف الجغرافية لمنطقة المركز والأطراف والتُخوم، وخاصة بعد محاولة إيران تقليص وإلغاء هوامش التحرك الاستراتيجي للمنظومة الخليجية، ومحاولة خنقه ضمن حيز جغرافي يُوجب عليها سياسات دفاعية حذرة. وفي هذه الحال، تبدو سورية مكسباً استراتيجياً بالغ الأهمية لدول الخليج، نظراً لما تُتيحه جغرافيتها من إطلالات مهمة على البر التركي وإشراف استراتيجي على لبنان وتماس مع إسرائيل، فضلاً عن تشكيلها نصف دائرة تطوق العراق وتتلامس معه في ثلثه السني، مما يشكل معادلاً موضوعياً صاداً ومانعاً للجيب الإيراني في العراق، إضافة إلى تعطيلها للميزة التي تتمتع بها إيران حالياً عبر تطويقها للفضاء الخليجي من خلال البر الشامي (سورية ولبنان)، وامتلاكها ساحات تصارع بعيدة عن مراكزها الحيوية، الأمر الذي يعطيها مرونة وقدرة أكبر على المناورة والمساومة، ناهيك عن الأهمية الديموغرافية السورية التي يمكنها أن تُشكل - في حال انضمامها للكتلة الديموغرافية الخليجية- معادلاً موازياً للكتلة الديموغرافية الإيرانية.

لقد اتخذت دول الخليج مواقف أكثر وضوحاً حيال النظام الحاكم في سورية مقارنةً بغيرها من الدول العربية في مرحلة الاحتجاج السلمي، حيث تولت منذ البداية طرح العديد من المخارج للأزمة السورية، وشكلت مبادراتها الدينامية الأساسية والمحركة لمبادرة الجامعة العربية الأولى. إلا أن استمرار رفض الحكومة السورية أدى إلى تطور الموقف الخليجي والمطالبة بتنحي رئيس النظام السوري لصالح نائبه (المبادرة العربية الثانية)، ومن ثّم رفض الحوار معه ليُفضي إلى تقديم الدعم السياسي والمعنوي للمعارضة السورية في المجتمع الإقليمي والدولي. وبلغ هذا الموقف ذروته في تلك المرحلة عندما سحبت دول الخليج سفراءها من دمشق وطردت نظراءهم السوريين من أراضيها.

أما في المرحلة المسلحة فقد اتبعت كل من قطر والسعودية والإمارات سياسات تمكين المعارضة ومدها بالدعم اللوجستي بدايةً ثم دعوة المجتمع الدولي ومطالبته بتسليح الجيش السوري الحر والاعتراف بمؤسسات المعارضة الرسمية وهيئاتها. في حين التزمت البحرين والكويت رسمياً بموقف الجامعة العربية من الأزمة، واختلفت طرق تعاطيها وتراوحت ما بين التصعيد تارة والعودة إلى الخطابات الدبلوماسية الناعمة تارة أخرى، فيما كان التفاعل على المستوى الشعبي متمثلاً في البرلمانات والمجتمع المدني أكثر بروزًا في الكويت والبحرين، وكان في معظمه متقدماً على المواقف الرسمية. أما سلطنة عمان فلم تتوافق في كثير من مواقفها مع دول الخليج رافضةً فكرة تدويل الأزمة السورية وتسليح المعارضة ونزع الشرعية عن النظام.

ويمكن رد تطور مواقف بعض دول الخليج المناهضة للنظام السوري إلى عدة أسباب:

•    تماهي خطاب الحكومة السورية مع الخطاب الإيراني عبر تأكيدها المستمر بأن هذه التحركات هي نتاج "مؤامرة كونية تقوم بها قوى إرهابية مدفوعة خليجياً لتنفيذ مخططات وأجندات إسرائيلية إمبريالية تستهدف نهج المقاومة"، وهذا عُدَّ دليلاً على تطور الدور الإيراني في سورية من شريك إلى مُهيمن على حساب الدول الإقليمية الأخرى.
•    كان الملف الإنساني حاضراً في الموقف الخليجي تجاه ما يحدث في سورية من عنف ممنهج على المستويين الشعبي والحكومي الخليجي. ناهيك عن إفرازات هذا الملف التي تشكل تهديداً حقيقياً للمجال المشرقي والمتمثلة بعدة قضايا أهمها:
  أ.  طوفان اللاجئين الذي أوقع دول الجوار في مأزق اجتماعي وأمني.
 ب. جرائم ضد الإنسانية ممنهجة وجماعية ذات بعد فئوي من شأنها تأجيج الصراعات المذهبية الطائفية في المنطقة.
•    التخوف من حالة عدم الاستقرار المتولدة عن استمرار العنف في سورية، وإمكانية استثماره من قبل العديد من الأطراف الإقليمية والدولية للتوغل في شؤون المنطقة الأمر الذي هيّأ للتدخل في الشأن الخليجي الداخلي، خصوصاً بعد تنامي خطر الجماعات العابرة للحدود المعادية بالأصل لأنظمة الحكم في المنطقة.
•    سياسة اللامبالاة المتبعة من قبل إدارة أوباما في التدخل لحسم الأزمة في سورية لصالح القضية المجتمعية، وظهور علامات واضحة على تغير سياسة الإدارة الأمريكية تجاه حلفائها التقليدين في المنطقة لصالح إيران، أفسح المجال للأخيرة للتمدد إقليمياً مستندةً على دعم روسي صيني، وشجع النظام السوري على الاستمرار في خيار الحسم العسكري. وكنتيجة طبيعية دُفِع بدول الخليج إلى أخذ زمام المبادرة في تحديد مستقبل المنطقة العربية وخوض غمار المنافسة على الفاعلية الإقليمية.
•    تزايد الشعور الجمعي للثوار بعد انتهاج النظام لأبشع السياسات الطائفية بحقهم، بضرورة أن تدرك الدول "السنية" مسؤولياتها تجاه مكون أساس تربطه وإياهم عدة عناصر عقدية، يمارس بحقه كل أشكال العنف الطائفي وممارسات إرهاب الدولة، وعلى رأسهم دول الخليج.

التطورات المحلية والإقليمية وأثرها على التفاعل الخليجي

فرضت التطورات الإقليمية والتعقيدات المحلية التي تعتري الجغرافية السورية قبل عام 2015 عدة معوقّات أدتّ إلى تلكؤ مسار التحرك الخليجي الداعم للقضية السورية عما كان عليه في بداية الثورة. ولعل أهم هذه المعوقات تلك المرتبطة بطبيعة سلوك وأداء الفاعل الأمريكي، الذي يُدير ملفاته السياسية المختلفة على أساس ترشيد استخدام قوته عبر سياسة القيادة من الخلف. فلم تعد إدارة أوباما تنظر لمنطقة المشرق العربي إلا من مدخل البحث عن أوراق ضغط توظف في ملف المفاوضات النووية الإيرانية (التي كانت لم تنجز بعد) مع المجتمع الدولي، وهذا ما يمكن عده خليجياً اللامبالاة بأولويات الحليف الخليجي جعل بعض القيادات الخليجية تُعيد النظر في طبيعة التحالف ووظائفه، الأمر الذي أعاق نوعاً ما طبيعة الحركة الخليجية في المسار السوري.

ومما زاد مناخات تقليل الفاعلية الخليجية هو تبعات انحسار مداخل الحل السياسي سواء عبر فشل مؤتمر جنيف 2، أو من خلال الأطروحات التسكينية التي تهدف إلى حسن إدارة الأزمة بدلاً من التصاقها بجوهر القضية، أو عبر تعطيل مجلس الأمن من قبل الفاعل الروسي الذي استخدم حق النقض في وجه عدة قرارات ساهم في دفعها بعض دول الخليج، وكان من شأنها أن تساهم في التخفيف من معاناة السوريين والدفع باتجاه حلول سياسية، ناهيك عن استمرار دعمه العسكري والسياسي للحكومة السورية. هذا الانحسار الذي ترافق مع تنامي خطر المجموعات العابرة للحدود التي أدت لتعدد مستويات الصراع (صراع مسلح بين النظام والمعارضة، صراع طائفي غذّاه تدخل المجموعات الشيعية العراقية واللبنانية والإيرانية في الملف السوري، صراع محاور إقليمية ودولية، وصراع ضد الإرهاب على الأرض السورية) الأمر الذي جعل التحرك الخليجي في المجال السوري حراكاً محسوباً ودقيقاً يخدم بالدرجة الأولى أولوية الأمن القومي الخليجي، والذي نجم عنه مشاركة بعض دول الخليج في عمليات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب والتي حصرت هدفها بمحاربة التنظيمات الإرهابية بمعزل عن إيجاد حل للأزمة السورية، الأمر الذي أدى إلى تشتت جهود دول الخليج في تحقيق غاياتهم في سورية. ونتج عنه في مرحلة متطورة خلافات حادة بين الفاعلين الخليجين (السعودية وقطر) ونشوء تحالفات جديدة نتيجة اختلاف واضطراب السياسات تجاه الملف السوري، مما أثر بشكل سلبي على القضية السورية ذاتها.

ومع بداية عام 2015 فرضت قوى المقاومة الوطنية في صراعها مع النظام واقعاً عسكرياً وسياسياً جديداً (راجع الشكل رقم 1)، حيث ظهر النظام السوري مستنزفاً، وفي موقع الدفاع، وتصدعت مقاربته الأمنية للقضية الذي تمسك بفكرة قدرته على تحقيق الحسم العسكري الشامل، وعدّه شرطاً لازماً للبدء بالحديث عن أي حلٍ للأزمة. وخاصة بعد مكاسبه العسكرية خلال عام 2014، الذي تحصل عليها من خلال تدّخل حلفائه بشكلٍ مباشرٍ لمساعدته، وتراجع الدعم الإقليمي والدولي للمعارضة، إلا أن حدوث تطورات إقليمية بالغة الأهمية في الفضاء التفاعلي للنظام الإقليمي ساهمت في إعادة الزخم الخليجي في القضية السورية سواء عبر الدعم السياسي والاقتصادي والإنساني بشكل مباشر أو من خلال نتائج وآثار السلوك الخليجي الناشئ إثر بعض الأحداث التي تمس أمنه القومي، والتي ارتدت ايجاباً على قوى المقاومة الوطنية السورية (السياسية والعسكرية) كعملية عاصفة الحزم، أو اتفاق لوزان بين إيران والمجتمع الدولي، أو التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية.

عاصفة الحزم وأثرها على الملف السوري

لقد مثّلت الحقبة الماضية للسياسة الخارجية السعودية تخلّياً عن نسقها المعتاد وسياستها الاحتوائية والناعمة، وسبّب ذلك النهج حالة استقطاب إقليمي ساهم في تأزم المشهد السياسي على مستوى النظام العربي ككل. كما دفعت ثنائية الرؤية السياسية في العلاقات الإقليمية (صديق/عدو) إلى وقوع المملكة في مأزق تضارب مصالحها ومبررات تدخّلها وخياراتها، كما أظهرت الأشهر الأولى من الحقبة الجديدة توجه الرياض للقطيعة مع أولويات العهد المنصرم، ويتجلى بشكله الأوضح في عملية عاصفة الحزم العسكرية في اليمن وما تبعها من إعادة الدفء للعلاقات السعودية مع كلّ من تركيا وقطر، الذي انعكس بالأثر على في المشهد السوري، وخفف من حالات الاستقطاب التي انعكست سلباً على الفاعلية السياسية والعسكرية لقوى المقاومة الوطنية السورية، ولعل النتيجة الأكثر وضوحاً لحالة التوافق الناشئة هي عمليات تحرير كامل محافظة إدلب وأجزاء كبيرة من درعا وتوسع بقع السيطرة في محيط دمشق.

اتفاق لوزان ومآلاته

أفرز الاتفاق النووي الذي تم إبرامه بين إيران والدول الكبرى الست بتاريخ 14 يوليو/ تموز 2015، مناخات وهوامش سياسية في أجواء التفاعلات الإقليمية في المشرق العربي، إذ حاولت إيران من خلالها زيادة مجالها الحركي على المستوى السياسي والدبلوماسي في سبيل تعزيز القدرة والنفوذ في ساحات الصراع بهذه المنطقة، وخاصة في سورية مستفيدةً من عنصر الزمن المتاح قبل ظهور أي عثرات في تنفيذ وتطبيق هذا الاتفاق، ومُنطلقة من ضرورة تكريس الفاعل الإيراني في معادلات الحل الإقليمية، إلا أن اتفاق الفاعلين الإقليميين وخاصة دول الخليج في غاية صد التمدد الإيراني وصد طموحاتها الاستحواذية الناشئة بعد الاتفاق ساهم في تعطيل الفاعلية الإيرانية المرتجاة في الجغرافية السورية، إذ كثفت هذه الدول دعمها لقوى المقاومة الوطنية والتي بدورها زادت من غرف العمليات ودرجات التنسيق فيما بينها للحفاظ على المنجز العسكري، إلا أن مبدأ إدارة الأزمة واستعصاء مداخل الحل السياسي المرتبط بغايات الفاعلين الإقليميين المتعارضة وكثرة الملفات (الداخلية والإقليمية) المفتوحة التي تعالجها دول الخليج وتركيا بالإضافة إلى بعض الاعتلالات البُنيوية في جسد المؤسسات الرسمية للمعارضة ساهم في عدم تحسين التموضع السياسي لقوى المقاومة الوطنية.

التدخل الروسي وتبعاته السياسية

ربما تُشكل ادعائية موسكو بأن تدخلها العسكري في سورية سيرافقه ضغوط على الأسد للخروج من المشهد السياسي إبان المرحلة الانتقالية أو بعدها، إضافة لما قد يُمثله هذا التدخل من احتمالية معادلة قوى بوجه التمدد الإيراني في سورية عاملين مطمئنين نوعاً ما للفاعل الخليجي عامة، ورغم أن سلوك موسكو العسكري والسياسي في المنطقة يُحفز بعض الفاعلين الإقليميين على دعم ومباركة هذا الأداء فهو من شأنه أن يوجه ضربة موجعة للقوى الإسلامية "الخصم السياسي الاستراتيجي" من جهة، وسيوفر المناخات الملائمة لنمو الثورات المضادة من جهة أخرى وبالتالي ضمان استمرار مصالحهما الأمنية والاستراتيجية، وهذا السلوك يتعارض بمفرزاته مع أمن الخليج العربي الذي ترى دوله أن نمو محور (إيران، موسكو، العبادي، الأسد) من شأنه زيادة فاعلية إيران التي لا زالت تعبث بالمجال الحيوي في هذه المنطقة، وعليه ستنتهج دول الخليج أيضاً سياسة الحذر والترقب وتصحيح أية انحرافات عبر زيادة الدعم العسكري كماً ونوعاً.

كما تفرض الوقائع أن التدخل الروسي -الذي لم تُمانعه واشنطن-زاد من تعقيد وتشابك خيوط الملف السوري وحتم على الفاعلين الإقليميين إعادة تتدارس خياراتها وسياساتها في هذا الملف، خاصة أن عنوان التدخل الحقيقي هو حماية نظام الأسد الذي يشهد انهياراً عسكرياً لقُواه وللمليشيات التي تدعمه، وهو ما جعل دول المنطقة تُفعل أدواتها الدبلوماسية لتلمس الغاية السياسية لهذا الفعل الناشئ وما مدى جدواه.

بعد أقل من شهر على التدخل الروسي تتداعى الروس إلى اجتماع رباعي جمع وزراء خارجية السعودية وتركيا وروسيا والولايات المتحدة حول سُبل إيجاد حل سياسي يُنهي الأزمة في سورية وفق ادعاءات موسكو، وهذا من شأنه التأكيد على أن الروس لا يودون أن يتورطوا عميقاً وطويلاً في المشهد السوري، ويبحثون عن مخرج سياسي يُراعي الشروط التي ارتجتها موسكو بتدخلها، إلا أن ما كشفته الاجتماعات الثنائية والثلاثية والرباعية تدل على حقيقة أن المناخ غير جاهز للحل السياسي خاصة أن السلوك الروسي لم يعزز بعد إجراءات بناء الثقة وفق مبدأ الفعل لا التصريح، وما ساهم في تعطيل الغاية الروسية هو تمسك الفاعل الخليجي والتركي بضرورة رحيل الأسد والذي لا يمكن لمصالحهما الجيوسياسية والأمنية أن تستقيم مع وجوده الذي ارتهن كلياً لإيران وأدى عنفه إلى أقسى مأساة إنسانية في القرن.

مآل المشهد السوري والاختبارات الخليجية

لقد ساهمت معطيات ومتغيرات عام 2015 في تثبيت مجموعة من المؤشرات (التي باتت أكثر وضوحاً) لا سيما فيما يتعلق بعدم نضوج المناخ الدولي والمحلي للحل السياسي العادل المتسق والمنبثق من المطالب المجتمعية، أو تلك المرتبطة بالفاعليين الإقليميين الذين تتوسع هوامش حركتهم وتتقلص وفقاً لنوع السياسات الدولية المتبعة من جهة، أو تتقلص وتتراجع بحكم المعطلات التي تشهدها البنية الإقليمية كعدم اتساق الرؤية السياسية في الوحدة الإقليمية الواحدة وتعارض التكتيكات والآليات المتبعة من قبل كل دولة، ويمكننا ذكر بعض هذه المؤشرات:

•    إن تسارع طهران لتحسين تموضعها في المنطقة إبان اتفاق لوزان لايزال قلقاً وغير مستقر، وهذا ليس بحكم إعادة تعريف الفاعل الإيراني لطبيعة دوره في النظام الإقليمي، بل بحكم ظهور متغيرات جعلته ينكفئ لحظياً محاولاً تثبيت حدود فاعليته ومراقباً لنمو وتطورات الأحداث في المنطقة، وهذا يُعزز استمرار فرضية أن السلوك الإيراني لا يزال يرتجي تفتيت أهم المسارح الجيوسياسية في المنطقة في سبيل إضعاف دول الأطراف وتصدره لدفة القيادة التي سيحاول من خلالها التحكم في ملفات المنطقة بغية ضمان عودته لممارسة دوره الشرطي قبل أحداث الربيع العربي من جهة ولاستكمال مشروعه الاستحواذي على مراكز القوة في المجال الحيوي والجيبولتيكي لهذه المنطقة.
•    عدم حسم وإنجاز رؤية سياسية موحدة بين الوحدات الخليجية حيال مفرزات الربيع العربي السياسية والأمنية، سيبقى معطلاً للأثر الاستراتيجي المرتجى، وهذا من شأنه أن يعزز احتمالية التعارض والتضارب، واحتفاظ كل طرف على قدرته على العرقلة أو الفاعلية، كما أن عدم اتساق ووحدة التعامل والسلوك حيال قيادة وإدارة السيسي سيُبقى للأخير فرصة التحرك والانتقال بين محاور المنطقة الناشئة الذي يميل ويستقيم وفقاً لثنائية الضبط الأمني المحلي والمساهمة في تعزيز مناخات إقليمية ترسخ شرعيته التي لاتزال محل جدل داخل مصر وخارجها.
•    تزايد اقتناع فعاليات وإدارات الولايات المتحدة الأمريكية التي تشهد حالات خلافية أو توافقية مع إدارة أوباما فيما يتعلق بأداء واشنطن في الشرق الأوسط، بضرورة ترحيل هذه الملفات الخلافية إلى طاولة الرئيس الجديد، إذ تؤكد المؤشرات أن الولايات المتحدة قد ثبتت أسس التعاطي مع الملف السوري ( مثلاً) لا سيما العسكري منه، إلا أنها لاتزال في مكان خلفي قادرة على التعطيل ولا ترغب في التفعيل، مانحةً بعض الدول كإيران وروسيا هوامش معينة تعتقد واشنطن أنها ستزيد من فرص غرقهما في الأحداث السائلة في الجغرافية السورية، ومحاولةً توظيف بعض المتغيرات الناشئة للضغط على الفواعل الإقليمية المؤيدة للثورة السورية ومشاركتها ضمن عمليات محاربة الإرهاب، وكل ذلك يرسخ معطيات عدم جدية الولايات المتحدة في انجاز الحل مع السماح لتعديل وتوازن المشهد المحلي السوري بين المعارضة والنظام.
•    إن التدخل الروسي قد نمّا مناخات الانحدار باتجاه الأفغنة القابلة للتدحرج لتغدو سمة المنطقة ككل، ويدلل سلوكه العسكري على أن المشهد العسكري مستمر باتجاه التعقيد، إذ يرغب الفعل العسكري الروسي على المستوى المحلي بقلب المعادلة العسكرية لصالح نظام الأسد لإعادة تمكينه، حيث ينوي تحضير مسرح العمليات لتسهيل التوغل البري لقوى النظام وحلفائه، إلا ان ذلك سيصطدم باللامركزية العسكرية لقوى المقاومة الوطنية التي أضحت بعد ثلاث سنوات من العمل العسكري تسم بقدر كاف من المرونة والتغيير والقدرة على المبادأة وذلك وفق أنساق غير متشابهة هذا من جهة، ومن جهة أخرى فتدلل تجارب الحشد الشعبي في العراق وعمليات الانسحاب الأخيرة لقوى النظام على مستوى القدرة التعبوية المنخفض المستمر لقوات المحور الذي ترغب موسكو بتدعيمه، وبالتالي فإن المشكلة المتنامية في هذه القوى ستجعل من هذه العمليات الروسية تخفق من تحويل هذه القوى من مرحلة الدفاع إلى الهجوم، وهذا من شأنه أن يجعل الجغرافية السورية تحتضن أرقاماً إضافية في عدد الوفيات ويعقد الملف الإنساني من جهة، وتضيف إلى مستويات الصراع نوعاً آخر وهو الصراع المباشر مع المصالح الروسية من جهة أخرى داخل الحدود السورية أو خارجها.
•    إن محاولات موسكو الدبلوماسية والسياسية الناشئة " اجتماعات فيينا" لن تنحرف عن مساراتها الأساسية المناوئة للثورة السورية، إذ ستكون استمراراً للفكرة المنتديات التي بدأتها مطلع هذا العام، فها هي تحاول تعريف المعارضة المعتدلة استمراراً وامعاناً منها في تمييعها وتصدير فعاليات لا تتعارض رؤاها مع "ضرورات" بقاء النظام السوري ولا تملك أوراق تأثير في الصراع الناشئ. وهو الأمر ستجهد قوى المقاومة الوطنية وحلفائها الإقليميين من دحضه والتقليل من أثره.

عموماً تؤكد هذه المؤشرات وغيرها على أن الرغبة الدولية بالتوصل إلى حل سياسي في سورية لاتزال غير حقيقية وما هذا الزخم الدبلوماسي والسياسي الأخير إلا حلقة رتيبة من مسلسل ادعاءات الحل السياسي الذي ينوي تسليم الأولوية لمكافحة الإرهاب على حساب التغيير السياسي الحقيقي الذي يعتبر العامل الأساس في توليد مناخات الاستقرار التي ستهيأ العوامل المجتمعية لطرد الإرهاب وقواه من المنطقة، وهو أمرٌ ينبغي أن تبقى دول الخليج مدركةً له، لأن ذلك سيصب في مصلحة استقرار الأمن العربي والإقليمي. وهذا يحتم على هذه الدول وغيرها تجاوز معطلات التأثير في الملف السوري سواء المرتبطة ببنيتها الداخلية أو المتعلقة بضرورات اتساق الرؤية والأدوات الخارجية، والاستمرار بالضغط على الفواعل الدولية لتبقى القضية المجتمعية هي المحرك الأساس في أي عملية سياسية، مستغلة فرصتها التاريخية في تمكين القوى الاجتماعية سياسياً واقتصادياً الأمر الذي سيكون صاداً للمشروع الإيراني غير المنسجم مع هوية المنطقة وتفاعلاتها من جهة، وسيعزز من مناخات صد وتجفيف قوة الجماعات العابرة للحدود واسقاط ورقة لطالما احسنت قوى الاستبداد توظيفها في تمزيق البنية المحلية واستغلال ذلك لإعادة شرعنة بقائها.

التصنيف مقالات الرأي