تعتبر مهمة ضبط الجيوش في البيئات المعقدة من أصعب مهام إدارة العمليات القتالية حيث تثبت تجارب الجيوش الكبرى، ومنها الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان أن الانضباط لا يتولد تلقائياً من الاحتراف أو التفوق التقني. وعموماً يصعب ضبط أي جيش حين يختلط الخصم بالمدنيين وبالأخص في بيئات مختلفة العرق أو الدين أو المذهب، وكذلك يصعب الضبط حين تتغير قواعد الاشتباك تحت ضغط الخسائر، وحين تستخدم العبوات والكمائن والتخفي كوسائل لاستنزاف الأعصاب قبل استنزاف القدرات. ومع تقدم الرقمنة يضاعف وجود الهاتف والكاميرا وطغيان السرديات أثر أي حادثة فردية ليعممها على كامل المؤسسة العسكرية، وذلك لأن الانتهاك المحدود قد ينسف هدفاً سياسياً واسعاً عبر فقدان الثقة، وتغذية التجنيد المضاد، وتقييد القرار السياسي. ويفيد هذا القياس في تأكيد أن الانضباط ليس قيمة مثالية، بل شرط للنجاح الاستراتيجي في الحروب التي ينافس فيها الخصم على السكان بقدر منافسته على الأرض.
في السياق السوري يسجل أن العمليات التي انطلقت من الشيخ مقصود والأشرفية في حلب مطلع عام 2026، ثم امتدت إلى دير حافر ومسكنة، قبل أن تتصل لاحقاً بمحاور الطبقة والجزيرة السورية وصولاً إلى الحسكة، قدمت مؤشراً مهماً على انتقال تدريجي من استخدام القوة إلى إدارة القوة مع ارتفاع عال في الانضباط والانصياع للقرارات والتعميمات ومدونة السلوك الصادرة عن وزارة الدفاع والتي استمرت من خلال تعميم نشرات مسلكية على أفراد الجيش من قادة وعناصر.
ويبرز هذا الانتقال بوصفه تطوراً في العلاقة المدنية العسكرية أكثر مما هو تطورٌ في التكتيك، لأن معيار النجاح في البيئات المأهولة لا يقاس بحسم الجبهة وحدها، بل بقدرة المؤسسة على تثبيت الأمن من دون إنتاج خصومة اجتماعية جديدة.
مثلت معارك الشيخ مقصود والأشرفية في حلب اختباراً عملياً لجيش حديث التشكيل نسبياً يشهد اندماج لعدة فصائل حيث جرت العمليات العسكرية داخل أحياء مكتظة، ومع خصم يمتلك قدرة على الاحتماء بالسكان ورفع كلفة أي خطأ. ويفترض هذا النوع من العمليات انضباطاً أعلى من المعتاد، باعتبار أن أي اندفاع غير محسوب يحول التفوق الناري إلى عبء سياسي. ولم يكن تباطؤ التنفيذ، وتدرج الاقتحام، وتحديد مناطق الاستهداف بدقة، وفتح ممرات آمنة، وإدارة الإجلاء بالتنسيق مع مؤسسات الدولة الأخرى تفاصيل هامشية، بل كان نتاج انضباط وظيفي وسلوكي استطاع بموجبه تحييد الخصم، وتحييد المجتمع عن المعركة.
كما يعتبر الخروج المنظم لبعض مقاتلي قسد أو منح مخرج قانوني لمن يلقي السلاح استراتيجية ناجعة في تقليل الخسائر، وتجنب توسيع دائرة العداء، وقطع الطريق على اتهامات الانتقام. ويُستنتج بأن القيادة السورية تعاملت مع الكلفة الأخلاقية باعتبارها كلفة أمنية وإنسانية لاحقة.
يتأكد المنحى نفسه مع إعلان دير حافر ومسكنة مناطق عسكرية مغلقة في 13 كانون الثاني/يناير 2026، لأن إغلاق المجال قبل الاشتباك يقلص الاحتكاك العشوائي، ويسهل ضبط الحركة، ويحول القتال إلى مهمة محددة الحدود. ويُفهم أن رسم حدود الإجراء ليس خطوة إدارية فقط، بل آلية للانضباط يقيد بها الاجتهاد الفردي، وتحمى بها خطوط الإمداد، وتبنى بها قابلية المساءلة، لأن تجاوز الحدود يصبح قابلاً للرصد والمعاقبة.
كما استدعى اتساع العمليات باتجاه الطبقة والجزيرة السورية مزيداً من الانضباط، لأن تعقيد البيئة يزداد بتداخل المجتمعات، وحساسية الهويات، وتعدد الولاءات، وتراكم اقتصاد الحرب. ويفرض ذلك على الجيش أن يقاتل وفي ذات الوقت أن يمنع نفسه من الوقوع في فخ السيطرة الخشنة الذي ينجح لحظياً ويخسر استراتيجياً. وبدا أيضاً بأن العشائر العربية التي انتفضت ضد قسد التزمت بالسلوك المتزن الذي شاهدته سابقاً خلال العمليات العسكرية للجيش في الشيخ مقصود والأشرفية قبل الوصول إلى مناطقها.
قامت وزارة الدفاع بتعميم عدة نشرات مسلكية بوصفها إطاراً تنظيمياً يدفع نحو المزيد من الضبط في محاولة منها لصناعة معيار سلوك يسبق الاشتباك ويلازمه، عبر توحيد منطق القتال ضمن سردية الدولة، وتقييد الحركة بسلسلة القيادة، وحماية المدنيين والممتلكات، وضبط المجال المعلوماتي، والابتعاد عن لغة تشعل حساسيات مناطقية أو عرقية.
ويدل تتابع هذه النشرات زمنياً على أن وزارة الدفاع لم تكتف بوضع المحددات، بل حاولت بناء نظام توجيه يرافق المعركة خطوة بخطوة، ولا سيما في لحظة الحسكة التي اختلط فيها الميدان بالتفاهمات السياسية ومهل التشاور أو هدن وقف إطلاق النار. مما عزز منطق إدارة المخاطر ومنع التفلت، وحاصر خطاب الاستفزاز لأنه يوقظ نزاعات كامنة، ويضبط النشر ويحول الخطأ الفردي إلى أزمة وطنية في ساعات.
شهدت سورية خلال عام 2025 أحداثاً عسكرية في الساحل في آذار/مارس 2025 وفي السويداء في تموز/يوليو 2025، حيث يفسر استدعاء هذه الأحداث الحاجة إلى مقاربة واقعية ومنطقية، لأن الانفلات حينها لم يضر الضحايا فقط، بل أضر الدولة نفسها عبر تعميق الشروخ وإضعاف الثقة ورفع كلفة الحكم. وهذا لا يعني أيضاً بأن الأطراف الأخرى من هذه الصراعات لم ترتكب انتهاكات جسيمة ليس بحق المدنيين بحسب، بل أيضاً بحق العسكريين وقوى الأمن الداخلي.
يدل سلوك المؤسسة العسكرية الجديدة إلى وجود قطيعة عملية مع تلك الذاكرة، لا عبر خطاب مطمئن فقط، بل عبر سلوك يحد من أي دوافع ثأرية ويمنع تحويل العمليات العسكرية إلى صراع هوية. مع ذلك لا ينكر وجود حالات عدم التزام لدى بعض العناصر، وهو أمر متوقع في جيش يتوسع ميدانياً على جبهات متباعدة ويستقبل عناصر جديدة ويعمل في بيئات انتقال سيطرة، إلا أنه يواجه بمحاسبة وبمسار تقاضي.
بطبيعة الحال قد يتحول هذا التفلت إلى خطر مضاعف حين يقرأ اجتماعياً على أنه سلوك مؤسسة لا سلوك فرد، وحين يستخدم سياسياً لإعادة إنتاج خطاب التخويف أو لاستدعاء التدخلات. ويفرض ذلك التعامل مع المخالفة بسرعة وحزم، لأن تأخير المساءلة يساوي عملياً تشجيعاً ضمنياً، ويضعف هيبة القانون التي يفترض أن تكون ميزة الجيش الجديد. وهو تماماً ما قامت به إدارة الأمن والشرطة العسكرية في وزارة الدفاع بالقيام به عبر توقيف كافة العسكريين ممن لم يتلزم بالتعليمات والقرارات الصادرة سابقاً وعلى رأسها القرار 31 لعام 2025 الصادر عن وزارة الدفاع ([1]).
يستدعي تثبيت هذا المسار تحويل التوجيه إلى تنفيذ عبر أربع ركائز أساسية مترابطة هي:
أولاً: تفعيل المساءلة بوصفها أداة ردع داخلي، عبر تفتيش ميداني فعال، وتوثيق منضبط، وعقوبات متدرجة تطبق فعلياً، وربط مسؤولية القائد بسلوك عناصره لا بنتائج النيران فقط.
ثانياً: فتح قنوات شكاوى مدنية آمنة وسريعة ترتبط بالشرطة العسكرية والسلطات المحلية أسوة بإدارة الشكاوى في وزارة الداخلية، باعتبار أن الاستجابة المبكرة تطفئ الشرارة قبل أن تتحول إلى خصومة عامة.
ثالثاً: تعميق برامج التدريب على قواعد الاشتباك وحماية المدنيين وإدارة الحشود، مع إعادة تذكير العناصر بأن ضبط الغضب جزء من القوة وليس نقيض لها.
رابعاً: ضبط المجال المعلوماتي والإعلامي داخل الوحدات، لأن الفوضى الرقمية تسبق الفوضى الميدانية، ولأن الشائعة في البيئات الهشة توازي رصاصة أو حتى قنبلة في أثرها.
يمثل الانضباط الذي ظهر أثناء تنفيذ العمليات العسكرية فرصة استراتيجية لإعادة تعريف العلاقة بين الجيش والمجتمع على أساس القانون لا الخوف، وضرورة أن يمضي قدماً ليتحول إلى ثقافة مؤسسية بحيث يُقرن الخطاب بحركية ومسؤولية وأن يتعامل مع المخالفات بوصفها تهديداً للأمن الوطني لا مجرد خطأ فردي.
([1]) "وزارة الدفاع السورية تصدر حزمة قرارات لتنظيم الانضباط العسكري"، شبكة شام الإخبارية، تاريخ النشر: 25/08/2025،رابط إلكتروني: https://bit.ly/49DSa9o