الدراسات

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-

استندت جمهورية الصين الشعبية إلى نمو اقتصادي صاعد على مستوى العالم أمَّن لها مروحة بدائل زادت من قدرتها على مواجهة مختلف الضغوطات وتوسيع قاعدة مناوراتها الديبلوماسية على المستوى الدولي . تستند بكين في رسم الاستراتيجية التي تحدد توجهات سياستها الخارجية بالسعي للسيطرة على النفط الآسيوي والتوسع في النشاط الاقتصادي، والعمل على إنشاء تكتلات سياسية حول الصين -تُشكل الصين محورها-، بالإضافة إلى التحرك العسكري الصينيفي أنحاء العالم، خصوصاً في الممرات المائية الهامة، والسعي للسيطرة على بعضها، ناهيك عن تقوية الوجود الصيني في منطقة الشرق الأوسط عبر استراتيجية منظمة وطويلة الأمد.

تزامن اندلاع الثورة السورية مع تحول الاهتمام الأمريكي من الشرق الأوسط إلى المحيط الهادئ، الأمر الذي ولّد فراغاً إقليمياً سعَت إيران إلى شغله، وشكل فرصة لروسيا لمحاولة العودة إلى مسرح الأحداث الدولية. وتلاقى ذلك مع مصلحة الصين التي تعتبر التوجهات الأمريكية الناشئة تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهي الطامحة للعب دور دولي أكبر يكون متناسباً مع قوتها الاقتصادية والعسكرية الصاعدة؛ فشكلت سورية بهذا المعنى نقطة الارتكاز الأقوى والبوابة شبه الوحيدة لتحقيق تلك المصالح. وبناءً على تلك القاعدة تَشكل الموقف الصيني تجاه الأزمة السورية ليتصاعد ويأخذ مداه ضمن محور (روسيا، إيران) ومواجهة القطب الأمريكي. لذلك فإن دوافع الموقف الصيني تبرز بشكل أوضح عبر دراسة تعاطي الصين في المنطقة وتفكيك أدائها في إطار التوازنات الدولية والأحلاف الناشئة.

التعاطي الصيني الناشئ في المنطقة: سورية نموذجاً

تعتبر الصين الشرق الأوسط عامة وسورية خاصة منطقة ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية وأمنية لها. ويعود تاريخ العلاقات الصينية – السورية إلى مئات السنين، إذ شكلت سورية الطريق التجاري الذي ربط بلاد الصين ببلاد العرب والذي عرف بطريق الحرير قديماً. ومنذ نشأة جمهورية الصين الشعبية منتصف القرن الماضي اهتمت بكين بسورية واعتبرتها النقطة الأضعف للنفوذ الغربي في منطقة الشرق الأوسط، وخط الدفاع الأول عن مصالح الصين في آسيا الوسطى والقوقاز، وبلد العبور لمعظم النفط العراقي ما بين عامي 1934 و1982 والكثير من النفط السعودي ما بين عامي 1973 و1982 .

وفي عام 2002 التقت أهـداف السياسة الخارجية السورية مع المساعي الصينية الهادفة إلى زيادة نشاطها الاقتصادي في العالم وفي منطقة الشرق الأوسط، بعد طرح بشار الأسد (في ذات العام) استراتيجيةً تسعى لتحويل سورية إلى قاعدة لنقل الغاز، ومنطقة تجارة حرة تصل بين الشرق والغرب، عبر ربط البحار الخمسة (البحر المتوسط، بحر قزوين، البحر الأحـمـر، البحر الأســود، الخليج الـعـربـي) مـن خـلال سـوريـة. وبينما لـم تتحمس الـولايـات المتحدة والدول الغربية ، رأت الصين في استراتيجية بشار الأسد مشروعاً لإحياء طريق الحرير، يمكن أن يُسهم في بناء منطقة جديدة للتنمية الاقتصادية في غرب الصين، تكون بمرتبة جسر يربط آسيا والمحيط الهادي شرقاً بالمنطقة العربية غرباً، وتشكل بذلك أطول ممر اقتصادي رئيسي في العالم، ونمطاً جديداً للانفتاح الصيني.

وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين الدولتين حوالي 2.48 مليار دولار (من بين مائة مليار دولار تمثل التجارة العربية-الصينية) عام 2010، إضافة لحوالي 1.82 مليار كعقود هندسية صينية في سورية، و4.82 مليون دولار تحويلات عمال صينيين في حوالي 30 شركة صينية في سورية و16.81 مليون دولار على شكل استثمارات صينية مباشرة. واحتلت الصين المرتبة الأولى في عام 2010 في الشركاء التجاريين لسورية بنسبة تصل إلى 6.9% من إجمالي التجارة السورية مقابل 3% لروسيا الاتحادية ، كما أن الشركات الصينية تساعد سورية في مواجهة المشكلات التكنولوجية الناتجة عن العقوبات الأوروبية على سورية في القطاع النفطي الذي يمثل 20% من إجمالي الناتج المحلي السوري.

ويبدو أن الموقف الصيني تجاه منطقة الشرق الأوسط وما شهدته من موجات الربيع العربي وتحديداً الثورة السورية، أخذ يتبلور وفقاً لسياق استراتيجية جديدة متسقة مع قدرات بكين المتنامية، حيث تجاوز الموقف الصيني من الأزمة السورية حدود عدم الرضا عن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، إلى الموقف المباشر والمعارض لتلك السياسة بشكل علني، بعدما استخدمت الصين‏ حق الفيتو للاعتراض على مشروع القرار العربي الأوروبي‏، الذي يتبنى دعوة الجامعة العربية لتنحي الرئيس السوري بشار الأسد عن السلطة. الفيتو الصيني الذي عُدّ تطوراً نوعياً مهماً ليس فقط في أسلوب تعامل الصين مع منطقة الشرق الأوسط الغنية بموارد الطاقة الضرورية للمحافظة على نموها الاقتصادي المتسارع، وإنما أيضاً في نظرة بكين إلى دورها الدبلوماسي والسياسي علي الساحة العالمية، وهي التي تُعد من أقل الأعضاء الدائمين استخداما لحق الفيتو، (استعملته 13 مرة خلال 41 عاماً) لتستخدم هذا الحق أربع مرات لإحباط صدور قرارات عن مجلس الأمن، اثنان منها دعيا إلى تنحي الرئيس السوري (بشار الأسـد)، وثالث طالب بتطبيق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة على النظام السوري، الـذي ينص على فرض عقوبات، والرابع سعى إلى إحالة الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية. فعارضت الصين أي تدخل عسكري في سورية، حتى وإن جاء لمحاربة التنظيمات الإرهابية فيها. واللافت أن الصين كانت تستطيع محاباة معظم الدول العربية والغربية عن طريق الاكتفاء بالامتناع عن التصويت-كما فعلت سابقاً حيال القرار الخاص بالأزمة الليبية-خصوصاً أنها كانت تعلم سلفاً أن روسيا سوف تستخدم حق الفيتو لإجهاض مشروع التدخل الدولي ضد نظام الرئيس الأسد، لكن بكين قررت أن تدلي بدلوها وتعترض علانية، رغم ما استتبعه ذلك من انتقادات خليجية وأمريكية شديدة.

يؤكد تغيير الموقف الصيني من أحداث وتحولات مشهد الربيع العربي على نية بكين إبراز نفسها لاعباً جديداً في منطقة الشرق الأوسط، بما يتسق مع مصالحها المتنامية فيها، خاصة فيما يتعلق بالنفط والغاز الطبيعي، ورغبتها في لعب دور دبلوماسي وسياسي عالمي يتناسب مع تنامي قدراتها الاقتصادية والعسكرية في الآونة الأخيرة، ووفقاً لما تمليه شروط علاقاتها وتحالفاتها الدولية.

دافع المنافسة مع واشنطن

تتحكم عدة هواجس في السياسة الصينية تجاه الربيع العربي عموماً، والثورة السورية بشكل خاص، وتحديداً ما يتعلق منها بمفرزات الربيع العربي. ويمكن رد جذر تلك الهواجس لأسباب تتعلق بالمنافسة مع واشنطن، إذ تزامن مع عهد الثورات العربية إعلان الولايات المتحدة عن تمركز استراتيجيتها الخارجية خلال القرن الحادي والعشرين في الاستثمار الدبلوماسي والاقتصادي ضمن منطقة المحيط الهادئ، الأمر الذي يعتبر تهديداً مباشراً للصين في منطقة نفوذها، حيث دعا باراك أوباما عام 2012 الولايات المتحدة الأمريكية لمراجعة منظومتها الدفاعية في آسيا ومنطقة المحيط الهادئ. كما اعتبرت الصين أن المناورات العسكرية الأمريكية المشتركة مع اليابان وكوريا الجنوبية تشكل تهديداً يهدف إلى تطويقها أمنياً، كما لم تخف قلقها من بيع الولايات المتحدة أسلحة لتايوان في صفقة قيمتها ستة مليارات دولار.

كما ترافق ذلك مع تزايد الضغط الأميركي على الصين لرفع قيمة عملتها والذي لم يجد صدى لدى الحكومة الصينية نظراً لاعتماد الصين على صادراتها بشكل كبير؛ ما خلق نوعًا من التوتر بين الطرفين في حدود معينة لاسيما في ظل اللوائح التي تبنّاها الكونجرس الأميركي في العام الماضي بهذا الخصوص.

وفي ذات السياق تعتقد الصين أن استقبال الولايات المتحدة الأمريكية لـ(الدلاي لاما) زعيم الأقلية البوذية عام 2011 تشجيعاً للجماعات الانفصالية، كما تعتبر انتقاد الولايات المتحدة لها لزيادة إنفاقها العسكري، واتهامها بانتهاك حقوق الاقليات وحقوق الإنسان والحريات العامة، هو تدخل في شؤونها الداخلية . وهو ما شكل عوامل محركة لإتخاذ سياسات أكثر حزماً في المنطقة.

ويتعلق الجزء الآخر من هذه الهواجس؛ بتنامي الدور التركي، فلقد ساهم وضع الدرع الصاروخية للناتو في تركيا بتزايد ضرورة تدخل الصين ضمن معادلة الشرق الأوسط، في ظل الدور التركي الصاعد فيها، وحساسية العلاقات التركية – الصينية، بسبب الامتداد التركي داخل الصين في إقليم سانكيانج المسلم، حيث يوجد في الصين نحو 25 مليون مسلم، وتخشى من وصول صدى الثورات العربية إلى الحركات الانفصالية في أراضيها.
وبناء على ذلك؛ يتضح أن الموقف الصيني من الأزمة السورية ليس منفصلاً عن سعي صيني "لرد فعل" محسوب على السياسات الأميركية في الميادين المشار إليها أعلاه، وتحسباً لامتداد الاحتجاجات إلى أراضيها، واستغلال ملف حقوق الإنسان الصيني الحافل بالانتهاكات للتدخل في شؤونها والضغط عليها.

مساندة النظام دعماً لطهران: ضرورة جيبولتيكية

بالإضافة إلى أهمية سورية الاستراتيجية بالنسبة إلى الصين، تخشى الأخيرة أن يؤثر سقوط النظام الـسـوري الحالي على مكانة إيــران الإقليمية كحليف استراتيجي لـسـوريـة، حيث تحتل إيران موقعاً مركزياً في سلم الأولويات الصينية، بسبب تضافر الجيوبوليتيك وتأمين الواردات من الطاقة. والعامل الأخير يحتل رأس أولويات الأمن القومي الصيني منذ عام 1993 على الأقل، إذ أصبحت الصين في ذلك العام مستورداً صافياً لموارد الطاقة وبتعاظم معدلات التنمية زادت الحاجات الصينية من الطاقة بنسبة 230 في المئة خلال فترة ربع قرن فقط (1980 - 2004) كما أن إيران منتج ضخم للطاقة وسوق كبيرة لتصريف المنتجات الصينية اللازمة لإدامة معدلات التنمية المرتفعة، والتي تشكل الأساس لنموذجها الاقتصادي الحالي.

ويساهم التحالف مع إيران بتسهيل المهمة الصينية في دخول الشرق الأوسط في الاستراتيجيات العالمية، وفك عزلة الصين عنه. فنظرة متأنية إلى خريطة الشرق الأوسط وغرب آسيا تكشف بوضوح أن إيران هي الحليف شبه الوحيد للصين في هذه المنطقة، الذي يؤمن 45 في المئة من وارداتها النفطية. كما تنظر الصين إلى إيران باعتبارها المطل المائي المحتمل في الخليج العربي للأسطول الصيني الضخم، وهو المطل المفيد تجارياً وجيوبوليتيكياً. وتتعزز هذه الفرضية بملاحظة أفضلية القرب الجغرافي للصين - مقارنة مع أميركا مثلاً - من القوس الجغرافي الحاوي حوالي 71 في المئة من احتياطات النفط عالمياً، وحوالي 69 في المئة من احتياطات الغاز الطبيعي. ويشمل هذا القوس الجغرافي روسيا، وآسيا الوسطى، وإيران والعراق، والسعودية، ودول الخليج العربية. ويسمح هذا القرب الجغرافي للصين بإحراز الأفضلية في التسابق على موارد الطاقة مع واشنطن مستقبلاً، شريطة أن يكون لها موطئ قدم توفره إيران بموقعها الجغرافي في قلب القوس المذكور .

كما تقدم الجغرافيا الإيرانية للصين ميزتين معاً، الأولى: حقول الجنوب الإيراني المطلة على الخليج العربي تؤمن جزءاً معقولاً من نفط الشرق الأوسط، أما الشمال الإيراني فيمنح بكين فرصة الإطلالة الممتازة على بحر قزوين الغني بالطاقة هو الأخر.

وإذا أضفنا الأهمية الاستراتيجية لإيران كثاني أهم مورِّد للنفط للصين من ناحية، ومشاركتهما معاً في استراتيجية إحياء طريق الحرير من ناحية أخرى، فإن مكانة إيران تتعزز في استراتيجية الصين الدولية. ورغم أن السعودية تمثل المورِّد الأول للصين، لكن الحساب الاستراتيجي الصيني يقوم على أساس أن أية أزمة حادة بين الصين والولايات المتحدة قد تجعل من السعودية طرفاً لا يُؤْمن جانبه، خلافاً لما هو عليه الوضع في إيران.
هكذا أصبحت الصين الغطاء الدولي لإيران في مجلس الأمن منذ احتدام الأزمة النووية، التي ترافقت مع إبرام الصفقات الضخمة في قطاع الطاقة بين بكين وطهران، والتي بلغت حوالي مئة وعشرين مليار دولار، إذ صارت الصين الرابح الأول من الأزمة النووية الإيرانية حتى الاتفاق النووي .

ضرورات التحالف مع روسيا: "القطب الناشئ"

شهدت العلاقات الروسية الصينية تحسُّناً غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، وتدل الاتفاقيات الموقَّعة خلال الزيارة الأخيرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين (20 من مايو/أيار 2014) إلى شنغهاي، على أن البلدين يُريدان الارتقاء بحجم العلاقات بينهما على مستويات الدفاع والاقتصاد؛ وخصوصاً في مجال الطاقة الذي حقَّق فيه البلدان اختراقًا كبيرًا؛ وبالإضافة إلى حجم صفقة الغاز أثارت المناورات العسكرية البحرية التي جرت بين البلدين خلال زيارة بوتين العديد من التساؤلات؛ خصوصًا حول أسباب التوجُّه الصيني نحو روسيا، وإمكانية بروز تحالف روسي صيني موجَّه ضد الولايات المتحدة الأميركية، عبر التنسيق على عدة مستويات، لعل أهمها يتعلق بما يلي:

أولاً: أمن الطاقة: حيث وقَّع البلدان خلال الزيارة الأخيرة للرئيس بوتين إلى الصين صفقة غاز تاريخية، بلغت قيمتها حوالي 400 مليار دولار، تُزود روسيا بموجبها الصين بـ38 مليار متر مكعب من الغاز سنويّاً لمدة ثلاثين سنة؛ وذلك عبر الأنابيب من الشرق الأقصى الروسي بحلول سنة 2018، واستغرق العمل لإبرام هذه الصفقة عدة سنوات من التفاوض؛ تعثَّرت مرَّات عديدة بسبب فشل الدولتين في التوصُّل لثمن يُرضيهما معًا، قبل أن يصل البلدان إلى هذا الاتفاق التاريخي. وكانت روسيا والصين قد توصَّلتا إلى اتفاق آخر في مارس/آذار 2013، تعهَّدت بموجبه شركة روسنفت بزيادة صادراتها من النفط إلى الصين من 300 ألف برميل يوميًّا إلى حوالي 800 ألف في المستقبل القريب (لم يذكر الاتفاق تاريخًا محدّداً) . وتضمّن الاتفاق -أيضًا- مساهمة الشركة الوطنية الصينية للبترول في تطوير ثلاثة حقول بحرية في بحر بارنتس، وثمانية حقول نفطية في شرق سيبيريا.

يأتي اهتمام الصين بمصادر الطاقة الروسية في إطار استراتيجية بعيدة المدى لتنويع مصادر إمدادات الطاقة؛ فالصين تستورد حوالي النصف من حاجياتها من الطاقة، وتأتي معظم هذه الإمدادات من الشرق الأوسط، وبالنظر إلى الجو السياسي المضطرب في هذه المنطقة بفعل الربيع العربي وبعض المشاكل الإقليمية الأخرى؛ اضطرت بكين إلى البحث عن مصادر بديلة من بينها آسيا الوسطى وروسيا؛ لتتفادى الاعتماد على منطقة واحدة فقط، وتضمن بذلك تدفُّق الإمدادات بشكل مستقر.

تتوجَّه بكين إلى توفير إمدادات لا تمر عبر مضيق ملقا؛ الذي يُشَكل نقطة ضعف استراتيجية للصين؛ حيث يمرُّ عبر هذا المضيق حوالي 80% من واردات النفط الصينية، كما أن الولايات المتحدة منتشرة عبر كل مسالك الملاحة البحرية عبر العالم، وتُدرك الصين أن إغلاق المضيق أو فرض حصار بحري عليها من طرف القوى المعادية لها سيحول دون وصول حاجياتها من الإمدادات؛ لذا تُحَاول الصين توفير مصادر بديلة لا تمر عبر الخطوط البحرية ، وترى في روسيا المصدر الذي سيُوفر لها إمدادات الطاقة عبر البر، وسيتيح لها تجاوز أي حصار بحري محتمل.

ثانياً: تمتين التعاون العسكري حيث تُشكل روسيا على المستوى العسكري أهم مزود للصين بالسلاح منذ أن فرضت الدول الغربية حظراً على مبيعات الأسلحة إلى الصين سنة 1989، وتمثل مبيعات السلاح الروسي أهم مصدر في عمليات التحديث الواسعة التي عرفتها القوات البحرية والجوية الصينية في العقود الأخيرة؛ وتشمل المبيعات الطائرات المتطورة، والغواصات، والمدمرات، وصواريخ أرض-جو، والصواريخ المضادة للسفن، ونقل التكنولوجيا العسكرية والإنتاج المشترك لبعض من هذه الأسلحة؛ ومن المتوقع أن تتوصل الصين إلى اتفاق لشراء 24 طائرة من نوع سوخوي 35 إس المتطورة جداً، وأربع غواصات، ونظام الدفاع الجوي المتطور إس 400، ومن جهة أخرى تشكل المناورات العسكرية المشتركة دليلاً آخر على مدى قوة العلاقة بين البلدين؛ حيث بدأ البلدان سلسلة من المناورات العسكرية المشتركة منذ 2005، آخرها كانت المناورات البحرية المشتركة التي جرت بين 20 و26 من مايو/أيار 2014 في بحر الصين الجنوبي، وهذه المناورات جرت للعام الثالث على التوالي بعد مناورات إبريل/نيسان من 2012 في البحر الأصفر، ومناورات يونيو/حزيران 2013 التي جرت في فلاديفوستوك بروسيا.

ثالثاً: النظام الأمني القاري الجديد: من بين أهم الأهداف الاستراتيجية للصين حالياً هو إنشاء نظام اقتصادي وسياسي عالمي متعدد الأقطاب، والابتعاد تدريجياً عن النظام الحالي الذي ترى الصين أنه يخدم مصالح الدول الغربية، وخصوصاً الولايات المتحدة الأميركية، وبعد صعود روسيا كقوة عالمية بعد أكثر من عشرين سنة على انهيار الاتحاد السوفيتي، ترى الصين أن تقارباً مع روسيا سيخدم المصالح الصينية بشكل أكبر. ويظهر هذا جلياً من خلال تعاون البلدين على مستوى المؤسسات الدولية والإقليمية؛ حيث ينسق البلدان جهودهما في إطار مجموعة دول البريكس؛ التي تخطط لإنشاء بنك وصندوق مساعدات على غرار المؤسستين الماليتين الغربيتين: البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفي سياق آسيوي أنشأت الصين منظمة شنغهاي للتعاون لتوفير آلية للتعاون المشترك بين روسيا والصين (وباقي الدول الأعضاء في هذه المنظمة) في منطقة آسيا الوسطى. كما ترى الصين أن هذه المنظمة تُقدم نموذجاً للتعاون المتعدد الأطراف، وتُقدم رؤية تشاركية للأمن الإقليمي في آسيا الوسطى؛ وذلك على خلاف الرؤية الأحادية التي تتبناها واشنطن، والتركيز في تحالفاتها على الجانب الأمني فقط. وتنشط الصين بتعاون مع روسيا في إطار "مؤتمر التفاعل وإجراءات بناء الثقة في آسيا" (CICA)؛ وهو مؤتمر يصل عدد الدول الأعضاء فيه إلى 26 عضواً (اليابان ليست عضواً فيه)؛ ويهدف إلى تعزيز التعاون والحفاظ على الأمن والسلام والاستقرار في آسيا كما تصفه الصين؛ لكن الهدف الحقيقي من ورائه هو بناء نظام أمني قاري لمواجهة التحالفات الأميركية واليابانية في آسيا.

خاتمة

إن الهدف الاستراتيجي الذي جرى التعبير عنه من قبل الطرف الأميركي المتمثل بالتحول نحو جبهة الهادئ الآسيوية، رأت فيه الصين محاولة أميركية لمزاحمة نفوذها في تلك المنطقة، لترد الصين من خلال توجهات تخلق فرص مساومة لبكين، كالموقف من الأزمة السورية والعلاقات مع طهران. وعليه فإن الصين وروسيا في خندق واحد والعلاقة بينهما مبنية على تقاطع مصالح حقيقية من وجهة نظرهم. وقد نجح هذا التحالف الصيني-الروسي مع إيران عبر إطالة الأزمة ودعم صمود نظام الأسد في كسب لعبة عض الأصابع مع المجتمع الدولي.

كما نجح التحالف الروسي-الصيني أيضاً في فرض إيران كجزءٍ من هذا الحل بعد استبعادها لسنوات. واليوم وبعد التدخل الروسي على الأرض ورفع العقوبات الاقتصادية عن إيران تبدو الصين في موقف أقل رسوخاً من الموقف الروسي بسبب طبيعة استراتيجيتها تجاه المنطقة بشكل خاص وتوجهاتها الدولية بشكل عام. غير أن بعض العوامل قد تجعل التراجع الصيني عن استمرار الموقف الحالي أمراً ليس هيناً، ويتجلّى ذلك في حرصها على العلاقة مع إيران وروسيا التي تمثل مورداً مهماً لها في مصادر الطاقة والسلاح.

لطالما ساهم الموقف الصيني-الروسي في تعقيد الأزمة السورية عبر الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري للنظام، وما الدخول الروسي المباشر على المشهد السوري ومحاولة تأطير الحل السياسي وفق رؤيته، ولكن بخطوات تدريجية تسهّل السيطرة على تداعياتها وتحافظ على شكل النظام المفيد بالنسبة لها. ويمكن في ضوء هذه المعطيات لدول الخليج بما تملكه من موارد الطاقة ومن تموضع سياسي قوي في مقابل إيران أن تساهم في إيجاد الحليف البديل للصين تدريجياً عبر الانفتاح على الصين بنفس اللغة التي تتعامل وفقها سياسياً، إضافة إلى استمرار انفتاح المعارضة السورية على بكين وبناء جسور يتم استثمارها في المرحلة الانتقالية.

تم النشر على مجلة آراء حول الخليج العدد 106: http://goo.gl/ZJYnJc

التصنيف أوراق بحثية

نظم مركز عمران للدراسات الاستراتيجية ندوة بحثية بعنوان "المشهد السوري والتهديد الأمني"، بالتعاون مع مركز "سيتا SETA" للدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التركي، وذلك في مدينة اسطنبول.

افتتح الدكتور عمار القحف، المدير التنفيذي لمركز عمران الندوة بكلمة ترحيبية، أوضح خلالها أهمية هذه الندوة والأوراق المطروحة فيها، وأشار إلى إطلاق مركز عمران للدراسات الاستراتيجية لكتابه السنوي الثاني بالتزامن مع الذكرى الخامسة للثورة السورية.

شارك في الندوة كل من الباحثين: الأستاذ معن طلاع، والأستاذ ساشا العلو، من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. وجان آجون، ومراد يشيلتاش، من مركز SETAللدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأدارها الباحث طلحة كوسيه من مركز SETA.

في وقته "الارتدادات الأمنية للسلوك الدولي والإقليمي في سورية"، تحدث الباحث معن طلاع عن سلوك وسياسات بعض القوى الدولية (الولايات المتحدة وروسيا) والإقليمية (إيران وتركيا ومصر والأردن ودول مجلس التعاون الخليجي) تجاه الملف السوري، وكيف انعكست ارتدادات أمنية على المشهد السوري، مبيناً أهم مميزاته وانعكاساته.

أما الباحث ساشا العلو، فقد حاول في ورقته "الإرهاب كمدخل في وأد ‏الثورة السورية"، تفكيك حركية "الإرهاب" في الثورة السورية، وفقاً لسلوك الفاعلين المحليين الإقليمين والدوليين في الملف السوري، وتبيان أثر تلك السلوكيات على تنامي الإرهاب وتأثيره على التموضع السياسي العسكري للمعارضة السورية، ومساهمته في نقل الإرهاب من متحول في المعادلة السورية إلى ثابت على حساب القضية السياسية.

وفي ورقته، تحدث الباحث مراد يشيلتاش من مركز سيتا، عن انهيار المنظومات الامنية في المنطقة بسبب إطالة أمد الأزمة السورية، وعن آثار عدم التعاون بين هذه المنظومات في مواجهة التحديات المنبثقة عن الأزمة السورية. كما بيّن أن هناك عدة صراعات تؤثر على الأمن في المنطقة هي الصراع العربي الاسرائيلي، والأزمة العراقية، وأزمات المتفرعة عن الجماعات المتشددة في شمال افريقيا. وأشار الى الصراع الطائفي في المنطقة وتناميه في الآونة الأخيرة، ودور بعض الدول في تغذيته.

في كلمته، اعتبر الباحث جان آجون أن انهيار النظام الأمني في سورية أدى الى انتشار الجماعات المتشددة، الدينية والعرقية، التي تقاسمت هذه الأدوار الأمنية كتنظيم داعش والنصرة و"PYD". وأوضح الباحث أن تركيا حاولت ضم تنظيم "PYD" إلى المعارضة السورية وفك ارتباطها بالنظام السوري وPKK في بداية الثورة، وأن الدعم الغربي لهذا التنظيم دفعه إلى محاولة تصفية أطياف المعارضة الكردية، كالمجلس الوطني الكردي لاحتكار التمثيل الكردي في سورية.

لمشاهدة التقرير المصور انقر على الرابط التالي:https://youtu.be/fuo2eBfaS3M

 

التصنيف الفعاليات
الأربعاء, 23 آذار/مارس 2016 01:55

خمس أشهر ونصف من التواجد الروسي في سورية

 مقدمة

أعلنت روسيا في 30 أيلول/سبتمبر 2015 عن بدأ عملياتها العسكرية في سورية، وذلك بعد أن طلب الرئيس السوري، بشار الأسد، دعماً عسكرياً من موسكو ووافق مجلس الاتحاد الروسي على تفويض الرئيس فلاديمير بوتين استخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد.

 جاءت هذه الضربات بعد تزايد الدعم العسكري المعلن لنظام الأسد من قبل موسكو، والإعلان عن تشكيل مركز معلوماتي في بغداد تشارك فيه روسيا وإيران والعراق وسوريا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

 استهدفت أولى الضربات الروسية في 30 أيلول/سبتمبر مواقع تابعة لتنظيم الدولة في محافظة حمص، وفقاً لادعاءات وزارة الدفاع الروسية؛ إلا أن تلك المواقع كانت تبعد أكثر من 50 كلم عن مواقع التنظيم الحقيقية، حيث تركزت غارات روسيا في اليوم الأول على مواقع قوى الثورة السورية في ريفي حمص وحماه الشماليين والتي سقط من جرائها العشرات من المدنيين.

مواقع النفوذ والسيطرة قبل التدخل الروسي وبعد سحب روسيا لقسم من قواتها

جاء التدخل الروسي ضمن مرحلة كان النظام يتلقى فيها خسائر كبيرة على يد قوى الثورة السورية في أغلب الجبهات، مرحلة كادت أن تكون مفصلية في مسار الثورة لولا الإشكاليات العسكرية البينية بين فصائل الثورة السورية.  في الوقت الذي كانت جبهات النظام مع تنظيم الدولة تشهد معارك كر وفر، تحديداً في ريف حمص الشرقي وفي ريف حمص الجنوبي.

map

1. النظام وقوى الثورة السورية

تقدمت قوات النظام برياً والميليشيات الشيعية الموالية لها على بعض الجبهات التي تخضع لسيطرة قوى الثورة السورية “ريف حلب الجنوبي – ريف حلب الغربي – ريف اللاذقية "، محرزاً تقدماً على عدة محاور، أبرزها فك الحصار عن بلدتي "نبل والزهراء" في ريف حلب الشمالي الغربي، واستعادة السيطرة على مناطق واسعة في ريف اللاذقية "سلمى – ربيعة – كنسبا"، فيما فشلت قوات النظام من تحقيق أهدافها في كلٍ من "ريف حمص الشمالي – ريف حماه الشمالي".
 
2. النظام وتنظيم الدولة

شهد ريف حلب الشرقي تقدماً واسعاً لقوات النظام، حيث تمكنت الأخيرة من فك الحصار عن مطار كويرس، كما تقدمت في ريف حمص الشرقي وبات يفصلها عن مدينة تدمر أقل من 2 كلم.

3. قوى سورية الديمقراطية والاستفادة بشكل غير مباشر

تتلقى قوى سورية الديمقراطية دعماً عسكرياً هائلاً من قوات التحالف الدولي، ولكن هذا لم يمنع موسكو من دعمها بشكل غير مباشر بالتزامن مع حملة الروس والنظام على ريف حلب الغربي-الشمالي، فانتهزت قوات سورية الديمقراطية تلك الحملة لتتمكن من فرض سيطرتها على عدة مواقع ضمن نطاق سيطرة قوى الثورة السورية؛ أهمها "تل رفعت – منغ – ماير – كفين – احرص – دير جمال -الزيارة".


مكاسب النظام خلال التواجد الروسي وحتى سحب جزء من قواتها


إنجازات روسيا في فترة تدخلها حتى سحبها لجزء من قواتها

إنشاء منطقة عدم تجوال في الاجواء السورية واجبار طيران التحالف الدولي من التنسيق المباشر مع القوات الروسية قبل تنفيذ أي غارة، وذلك عبر نصب جهاز يعرف بـ Richag-AV الذي يتمتع بقدرة عالية على اعتراض الاتصالات والإشارات التي قد تُرسل إلى الصواريخ الذكية ومنها الباتريوت الأمريكي.

إرساء سفينة حربية بالمياه السورية بالقرب من اللاذقية تحوي على مئات الصواريخ s300 العابرة للقارات، هذا وقد حافظت روسيا على موقع تلك البارجة الحربية على الرغم من إعلانها لسحب الجزء الأكبر من قواتها.
وفرت كمية كبيرة من الذخيرة والمستشارين والتقنيين لقوات النظام.

تمكين النظام عسكرياً في المناطق التي أطلق عليها النظام اسم (سورية المفيدة) وتحصين دفاعات النظام بالخط الساحلي من الشمال الى الجنوب، وزرع شوكة للمعارضة في البادية شرقي حماه وجنوب شرق محافظة حمص باتجاه تدمر.
حماية وتثبيت المصالح المختلفة لدى روسيا بدأً من الوجود العسكري وصولاً إلى الصفقات التجارية أو الدعم التقني لمشاريع غاز ونفط في البادية السورية.

التصنيف تقارير خاصة

شارك الدكتور عمار القحف، المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية، في برنامج حديث العرب على قناة الرافدين الفضائية، بتاريخ الخميس. حيث تناولت الحلقة التي حملت عنوان "صراع الإرادات يؤخر انطلاق محادثات جنيف السورية"، فرص انعقاد المفاوضات، والمعوقات والالتباسات والأسباب التي تحول دون انطلاقها.

وأكد الدكتور القحف في مشاركته على أن وحدة صف المعارضة السورية هذه الفترة هي في أعلى مستوياتها منذ بداية الثورة السورية، وأن موقف الهيئة العليا للمفاوضات يحظى بتأييد جميع قوى الثورة السياسية والعسكرية، ومنظمات المجتمع المدني. كما أوضح الدكتور القحف أن مفاوضات جنيف 3 اليوم تمثل تراجعاً عما تم الاتفاق عليه في وثيقة جنيف1 عام 2012، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وهو إنشاء هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، وأن المطروح هو تشكيل ما يسمى "حكومة وحدة وطنية"، مع عدم ضمان عدم ترشح بشار الأسد لأي انتخابات مقبلة في سورية.

وبيّن أيضاً أنه لا توجد، حتى الآن، إرادة دولية لإيجاد حل سياسي في سورية يستند إلى خيارات الشعب السوري ومطالبه المشروعة، وعلى الرغم من ذلك، فإن المعارضة السورية ملتزمة بعملية سياسية تفضي إلى تحقيق مطالب الشعب السوري، لا سيما بعد الالتفاف الشعبي الحاصل حولها، ما يجعل الكرة الآن في ملعب الأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى.

وإجابة على سؤال يتعلق بالموقف الأمريكي من المعارضة السورية، قال الدكتور القحف إن السلوك الأمريكي منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، يتسم بالزهد في المنطقة العربية، ويتصف بالانعزال والانكماش، مؤكداً على ضرورة مواجهة تغوّل المشروع الإيراني في المنطقة.

ضمن برنامج نبض البلد استضاف الإعلامي محمد الخالدي كلاً من المدير التنفيذي لمركز عمران الدكتور عمار قحف والدكتور ناصر المصري عضو المنتدى العربي للأمن وحظر الانتشار النووي والدكتور منير زهران سفير مصر الأسبق لدى منظمة الأمم المتحدة للحديث حول الاتفاق النووي الايراني وأثره على الأزمة السورية.

قال المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار قحف، إن الموقف الروسي جاء عندما فشلت كل المحاولات الأخرى لإنقاذ النظام، مشيرا إلى أنه يزاحف النفوذ الإيراني على الأرض.

جاء ذلك خلال مشاركة الدكتور قحف في برنامج "في العمق"، على قناة "الجزيرة الإخبارية"، وذلك يوم الاثنين 28 أيلول/ سبتمير، لمناقشة التطورات السياسية الدولية في الملف السوري، بمشاركة وزير الدفاع السابق في الحكومة السورية المؤقتة أسعد مصطفى.

واعتبر قحف أن الموقف الأمريكي منذ الربيع العربي لم يتغير، واصفاً إياه بـ "الزاهد في قضايا أمور الشرق الأوسط"، وهو ما توج بالاتفاق الإيراني، بعد أن حسم أمره بأنه لا يريد موقفا أو قرارا، مشيرا إلى أن هناك مبالغة في تقدير التأثير الأمريكي بالنسبة لسلاح الثوار.

واعتبر قحف أنه لا يمكن وصف روسيا بأنها المتصدرة للموقف الدولي تجاه سورية، لأن المواقف الدولية متأرجحة ومتبدلة، خصوصاً بوجود مواقف أخرى رافضة لوجود الأسد، كالموقف السعودي الرافض لوجود الأسد في المرحلة الانتقالية، بالإضافة لدول مجموعة الاتصال الداعمة للثورة السورية.

وحول العلاقة الروسية الإيرانية، أوضح الدكتور قحف أن هناك تنسيقا بالحد الأدنى بين الدولتين، إلا أن فشل إيران في إدارة الملف السوري قد يكون دافعا لروسيا للتدخل لتزاحم النفوذ الإيراني، لا لتنافسه، بسبب اختلاف بعض الأهداف بين الدولتين.   

وتوقع الدكتور قحف أن يؤدي التدخل الروسي لتغذية المزيد من الإرهاب والتطرف، متمنيا ألا تتحول سورية أرضاً للصراع وحربا طويلة المدى، على شاكلة أفغانستان بعد التدخل الروسي هناك.

ودعا مدير مركز "عمران" للدراسات الاستراتيجية المجموعات الدولية الداعمة للثورة السورية، التي لم تعد تقتصر على السعودية وقطر وتركيا، بزيادة دعمها للقوى التي تحارب "الإرهاب الأصلي" متمثلاً بنظام الأسد الذي جذب كلالقوى العابرة للحدود، معتبراً أن التغير الميداني سيزيد الدول الداعمة للثورة إذا رأوا الكفة ترجح لصالحها.

واعتبر قحف أن بإمكان الدول الداعمة أن تفعل الكثير لتغير الموازين الاستراتيجية، مثل إقامة المنطقة الآمنة التي أصبحت ضرورة إنسانية وسياسية وعسكرية واستراتيجية، لحماية تركيا شمالاً، وحماية أمن دول الخليج.

وحول بقاء الأسد كرئيس في المرحلة الانتقالية، أشار مدير مركز "عمران" إلى أن ذلك غير ممكن من الناحية العملية أساساً، وسط تفكك وانهيار النظام السوري، ولا يملك الأسد السيطرة على أي جزء منه، وسط سيطرة إيرانية وروسية على مفاصل الدولة، بشكل كامل، وسط نظام إقطاعي و "لا مركزي" مليشياتي، مما ينفي إمكانية تأهيل هذا النظام.

وحول مواقف المعارضة السورية، اعتبر الدكتور قحف أن المعارضة أكثر توحداً من أي وقت مضى، مشيراً إلى وثيقة "المجلس الإسلامي السوري" للمبادئ الخمسة التي وقتها كل القوى الثورية تقريباً، داعياً الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة لإدارة العمل الثوري من داخل سورية، بالتنسيق مع القوى العسكرية، لاستثمار الانتصارات العسكرية من داخل سورية.

ضمن مشاركته ببرنامج "سوريا اليوم". عمار قحف: روسيا وإيران متباعدتين دبلوماسياً، والنظام السوري متشرذم.

قال المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمار قحف، أن هناك فترة لا تتجاوز الأشهر القليلة، لتواجه روسيا أزمة مالية وعسكرية جراء تدخلها في سورية، بسبب استنزاف قواتها يومياً، وغرقها في القضية السورية.

جاء ذلك خلال مشاركة الدكتور قحف في برنامج "سوريا اليوم"، على قناة "الحوار"،وذلك مساء الخميس 5 تشرين الثاني/ نوفمبر، لمناقشة التطورات السياسية الإقليمية والدولية في الملف السوري.

واعتبر قحف أن سبب الترويج الروسي لمعلومات تقول إن لقاءات تمت بين الجيش الحر ومسؤولين روس، ما هو إلا استجداء لانتصار إعلامي وهمي، تحاول من خلاله كسب الوقت لتغطية هزيمتها وتورطها في سورية، سيّما بعد نفي الجيش الحر ذلك.

وأضاف قحف أن تورط روسيا تثبته انتصارات الثوار اليوم في كل من حماه ودرعا وصولاً إلى دمشق وريفها، في ظل عجز نظام الأسد عن التعاون حتى مع القصف الروسي، ما يعني خسارة الروس لشريكهم على الأرض، يضاف إلى ذلك حالة التباعد الدبلوماسي الروسي الإيراني، بالرغم من غياب الاحتكاك السلبي بينهما.

وعن أسباب عدم تحرك الغرب حتى الآن لإيقاف حالة الحرب في سورية، أوضح قحف الحالة المعقّدة للمنطقة الجيوسياسية التي تقع سورية فيها، وتقاطع المصالح الاقتصادية والإقليمية طويلة الأمد كتمرير السلاح، والنفط والغاز، وغيرها، ما يعني وقوع المنطقة برمتها في الشرك الروسي الأميركي، معوّلاً على فرصة إعادة تكوين نظام عربي إقليمي، يتصدّى للخطر الذي بات يهدد المنظومة العربية، وهو دعم مصر وبعض الدول العربية الأخرى لنظام الأسد، إلى جانب استدراج الأخير للقوى والميليشيات الإيرانية، وكذلك القوى الإرهابية العابرة للحدود، ما يهدّد وحدة واستقرار المنطقة.


وحول أداء القوى الداعمة للثورة إقليمياً ودولياً، أكّد قحف أن العديد منها وعلى رأسها إقليمياً تركية والمملكة العربية السعودية وقطر تقدّم كل ما أمكنها وفق المتاح، معتبراً أداءها في فيينا مؤشراً واضحاً على التناغم الكبير بين مواقفها، وكذلك وحدة رسائلها تجاه الملف السوري، لافتاً إلى ضرورة أن يدعم السوريون شركاءهم بالأساليب والأفكار والمقترحات والحلول التي تساعدهم على خوض غمار الحرب "الكلامية" على حدّ وصفه، بين الفاعلين الدوليين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

أمّا عن الدور العربي الفاعل في القضية السورية، دعا المدير التنفيذي لمركز "عمران" المسلمين والعرب لتولّي دورهم في إعادة تعريف مصطلح الإرهاب، والذي تستغله روسيا وإيران وميليشيات حزب الله والقوى العابرة للحدود للتدخل في سورية، من خلال التعريف بقيمهم ومبادئهم، ورفضهم سفك الدماء والقتل والدمار الذي يمارسه الأسد وحلفائه.

ورغم تأكيد قحف على تكاثر أعداء الشعب السوري، إلا أنّه أثنى على دور دول الخليج، وكذلك المسلمين في أنحاء العالم، والأصدقاء الفرنسيين والبريطانيين وكذلك الدور الأمريكي بالرغم من تأرجحه، لدعمهم القضية السورية، مطالباً السوريين أنفسهم بتوحيد الصفوف، وتحديد المعتدلين الذين يرتضيهم، لئلا يبقى وجود الإرهابين والمتطرفين الذين استجلبهم الأسد مطيّة للدول للتدخل واحتلال سورية.

وفي الحديث عن مخططات النظام لوأد الثورة بعد مضي خمسة سنوات عليها، نفى قحف أن يكون للنظام وجود حقيقي على الأرض في ظل تولي حلفائه إدارة البلاد على المستوى الأمني والسياسي والعسكري، وكذلك انهيار مؤسسات الدولة والبنية التحتية بنسبة 70 إلى 80 %، ما يمنح السوريين فرصة الانتقال من الفكر الثوري إلى فكر الدولة، وإعادة ضبط الحياة المدنية عبر تمكين المجالس المحلية، واسترداد وظائف الدولة بمزيد من استثمار الاقتصاد المحلي والتنمية، وخلق برامج اجتماعية لمكافحة الفكر المتطرف الدخيل على الثقافة السورية، وإعادة اللحمة الاجتماعية في المناطق المحررة من الطغمة الحاكمة.

وفي الإجابة عن توقع رد فعل الشعب السوري في حال التوصل لاتفاق يفرض بقاء الأسد في السلطة، وصف قحف مثل هذا الحل بالغباء السياسي، وعدم قراءة المشهد بواقعية، مشيراً إلى أنّه من غير الممكن فرض نظام متهاوٍ متشرذم أو فرض شخص أيّاً يكن على إرادة شعب صامد حتى اليوم.

أجرت قناة دار الإيمان ضمن نشرتها الإخبارية استضافة هاتفية مع الباحث معن طلاع -باحث في مسار السياسية والعلاقات الدولية- بمركزعمران للدراسات الاستراتيجية. للتعليق على الأحداث السياسية الأخيرة وتم التركيز على التطورات الأخيرة المتعلقة بقدوم طائرات سعودية لقاعدة إنجليلك التركية بالإضافة على مدلولات وتداعيات القصف المدفعي الذي قام به الجيش التركي ضد قوى الـ YPG.

المداخلة كاملة على الرابط التالي: https://youtu.be/1dhiOCY12U0

ملخص: وإذ يمثل الخلاف السعودي الإيراني الأخير مؤشراً خطيراً لاحتمالية تصاعد الصراع بين القوتين، وشكلاً جديداً من أشكال المواجهة؛ إلا أنه وبالوقت ذاته يعد نتيجة طبيعية ومتوقعة لثوابت السياستين الإيرانية والسعودية وتطورهما في إطار المتغيرات الدولية والإقليمية وما استتبعته من أدوات جديدة وفاعلية مختلفة لكلا القوتين. فبقدر ما يشكله هذا الصراع من مخاطر محتملة على المملكة ودول الخليج؛ إلا أنه إدارته بشكل استراتيجي وفق تحالفات العمق العربي الإسلامي تحمل معها فرصاً كامنة لإعادة تحسين تموضع على مستوى المنطقة، وتلافي أخطاء ارتكبت على مر عقود ضمن هذا الصراع المؤجل.

يمثل التدخل الإيراني المباشر  في السياسة الداخلية السعودية إثر إعدامها رجل الدين الشيعي نمر النمر، وما قابله من  تصعيد دبلوماسي في الجانب السعودي؛ مؤشراً خطيراً لاحتمالية تصاعد الخلاف بين القوتين، وشكلاً جديداً من أشكال المواجهة؛ إلا أنه وبالوقت ذاته يعد نتيجة طبيعية ومتوقعة لثوابت السياستين الإيرانية والسعودية وتطورهما في إطار  المتغيرات الدولية والإقليمية وعلى رأسها الانسحاب الأمريكي من ملفات المنطقة، و ما ولده من فراغ يبدو أنه دفع بطهران إلى محاولات ملئه وفرض على المملكة استراتيجية جديدة للمواجهة. استكمالاً للصراع القديم بين القوتين على النفوذ في المنطقة، والذي بدأ قبل نهاية حكم الشاه في إيران، ليتبلور عقب الإطاحة به ووصول النظام السياسي الحالي إلى الحكم عبر ما تسميه طهران "الثورة الإسلامية" عام 1979، مروراً بعدة مراحل غير مباشرة، منها ما يسمى بحرب الخليج الأولى (الحرب بين إيران والعراق)1980-1988، وما تلاه من سباق التسليح في المنطقة، ومن ثم الصراع الذي نقلته إيران عبر الجغرافية إلى المنطقة العربية(اليمن، لبنان، سوريا، العراق، البحرين) من خلال عدة ملفات (سياسي، اقتصادي عسكري)، وما استدعاه هذا الصراع من ساحات ومجالات متعددة سيشكل بعضها أو مجملها فضاءً محتملاً  لترجمة الخلاف الأخير وتصعيده.

بناء عليه؛ تحاول هذه الورقة بعد توصيف الخلاف السعودي الإيراني وتحليل دوافعه والمناخات الدولية والإقليمية المعززة له؛ استشراف أبعاد هذا الخلاف وارتداداته المحتملة على المنطقة العربية وتحديداً الملف السوري، محاولةً إبراز التحديات الإقليمية أمام المملكة العربية السعودية إثر هذا الخلاف، وفقاً لخصوصية الملفات العالقة في المنطقة وما تستتبعه من أدوات وفاعلية مختلفة لكل منها.

السلوك الإيراني واستراتيجية استثمار المناخ

يعبَر السلوك الإيراني تجاه السعودية، وتحديداً بعد عاصفة الحزم عن تخبط طهران الواضح أمام استراتيجية المواجهة التي اتخذتها الرياض في التدخل المباشر باليمن، والتي أظهرت الجانب الإيراني مرتبكاً، تكاد تخرج ردود أفعاله عن سلوكيات دولة ضمن مواجهة مباشرة، إلى استثمار إعلامي لحوادث بهدف التحريض، مثل حادثة مقتل الحجاج والاستثمار الإيراني لها، ليأتي احتجاجها على إعدام نمر النمر بذات السياق المرتبك غير المتوقِع لرد الفعل السعودي، إلا أنه وبنفس الوقت يعد مؤشراً خطيراً على بداية ولوج النفوذ الإيراني إلى البيت الداخلي السعودي، مستثمراً عدة معطيات إقليمية ودولية، ولعل أبرزها:

•    انحياز واشنطن التام لطهران والدفع نحو تمكينها وضمان تواجدها كفاعل أساسي في جل ملفات المنطقة وذلك ضمن سياق تفاعلات الاتفاق النووي وعودة إيران بموجبه إلى الحظيرة الدولية.
•    الانقسام الخليجي الخليجي وتضارب السياسات داخل مجلس التعاون، والوضع العربي المتأزم الغارق بملفاته الداخلية.
•    هامش التحرك الذي قد يؤمنه الاتفاق النووي الإيراني وما يستتبعه من رفع عقوبات ستساهم في كسر العزلة الدولية سياسياً واقتصادياً.
تلك المعطيات دفعت إيران لتوجيه فاعليتها تجاه المملكة بشكل مباشر مستغلة "حادثة النمر" على عدة أصعدة وهي:

أ‌-    محاولة إثارة الوضع الداخلي في السعودية عبر استغلال حادثة إعدام لرجل دين شيعي من بين 46 آخرين (شيرازي، يحمل الجنسية السعودية) ومحاولة إثارة المنطقة الشرقية من المملكة في إطار الفوضى الداخلية.
ب‌-    اختبار جدية الاستراتيجية السعودية الجديدة تجاه إيران والقائمة على المواجهة المباشرة، التي اختبرتها طهران في عاصفة الحزم.
ت‌-    الاستمرار بمحاولات الاستئثار بالمكون الشيعي العربي عبر الإيحاء بأن إيران دولة تهتم بالشيعة أينما كانوا حتى لو خارج حدودها، وهذا ما نجحت به نوعاً ما في العراق واليمن.

السلوك السعودي واستراتيجية المواجهة

بالمقابل فإن الرد السعودي الحازم على طهران والمتمثل بقطع العلاقات الدبلوماسية، لم يكن مستغرباً بقدر ما هو رد فعل متوقع لاستراتيجية بدأت ملامحها مع صعود الملك سلمان لعرش المملكة، الاستراتيجية التي يبدو أنها اختارت المواجهة المباشرة مع إيران، مدفوعة بعدة متغيرات، لعل أبرزها:

•    إدراك السعودية لطبيعة وحدود الدور الأمريكي في المنطقة وتحوله من الدخول في الصراعات والتورط بها كطرف، إلى إدارتها واحتوائها، تلك الاستراتيجية التي اعتمدتها إدارة الرئيس أوباما في الشرق الأوسط، خصوصاً بعد الخوض في المستنقع العراقي 2003، ويمكن قراءة الاستجابة السعودية إزاء تلك الاستراتيجية بشكل أوضح في عاصفة الحزم، الموقف الذي بدا في جزء منه احتجاجاً على تلك السياسة وأخذ زمام المبادة في اليمن بعد وضوح انحسار الدور الأمريكي.
•     عدم أهلية بعض الدول العربية في المواجهة المباشرة مع إيران، وانهيار منظومات حكم أخرى نتيجة ظروف ذاتية وموضوعية، ما دفع المملكة للمسارعة إلى مصر لمنع أي سقوط مماثل، وهنا ما يفسر دعم السعودية للدولة بغض النظر عن الحاكم، والذي مثل نقطة خلاف في السياسة الخارجية السعودية، وتحديداً مع بعض دول مجلس التعاون، وتغريد بعض منها خارج السرب الخليجي، ما يفسر أيضاً إنشاء مجلس أعلى استراتيجي بين المملكة وتركيا، معتمداً على الشراكات الاقتصادية والبحث عن عمق إسلامي(اقتصادي) في ظل الانحسار العربي.
•    توسع النفوذ الإيراني في المنطقة بعد موجة الربيع العربي (سوريا، العراق، اليمن) عبر مليشيات عسكرية مباشرة مرتبطة بإيران، ومحاولات لتشكيل خلايا نائمة لنسخة حزب الله في السعودية والكويت والبحرين، ما شكل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي والخليجي.
•    توقيع الاتفاق النووي الإيراني وعودة إيران بموجبه إلى الساحة السياسية الدولية، وما قد يستتبعه من رفع عقوبات ستساهم في إعادة تأهيل الدور الإيراني اقتصادياً وسياسياً.
كل تلك المتغيرات دفعت بالسعودية إلى انتهاج استراتيجية قائمة على ضرورات المواجهة المباشرة مع إيران خارج حدود الدولة، خصوصاً وسط تعدد الملفات وساحات الصراع التي قد يترجم التصعيد المحتمل عبرها.

ثلاثية التصعيد واحتمالاتها المفتوحة

إن قراءة طبيعة الخلاف واحتمالية تصاعده وفقاً لساحات الصراع المتعددة التي تجمع القوتين، ومحاولة استشراف حدوده وارتداداته على الملفات العالقة في المنطقة، إنما يتم عبر تحديد ودراسة أدوات كل من الدولتين وما تستتبعه من فاعلية وتفرضه من أولويات، مقابل قراءة المناخات الدولية الإقليمية وما قد تسمح به من هوامش لتعزيز هذا الصراع أو لجمه. ومدى استيعاب كل من الدولتين لحدود سياسة الأخرى، وفقاً لتلك المناخات.

عسكرياً: زيادة الحديّة والتنافس   

يعد المجال العسكري فضاءً محتملاً لتصعيد الخلاف السعودي الإيراني، وذلك بحكم تعدد ساحات الصراع التي تجمع النفوذين بشكل مباشر، ومناخ الفوضى القائم على مزاحمة القوة العسكرية الدولية والإقليمية في المنطقة، وما فرضه هذا المناخ من متغيرات على الاستراتيجية العسكرية للقوتين

إيران (دولة ضمن الدولة)

 بعد وصول نظام الملالي إلى الحكم إثر ما تسميه طهران "الثورة الإسلامية" تم قولبة تصدير أهداف هذه "الثورة" دستورياً، وبناء عليه بدأت إيران باتباع استراتيجية المواجهة خارج حدود الدولة، ما استتبع سعياً حثيثاً لتشكيل أذرع عسكرية في المنطقة العربية، مستندة بذلك إلى عدة أبعاد (طائفي، سياسي، عسكري)، فكان أن وُجد حزب الله في لبنان وتم دعم الحوثيين في اليمن وفيلق بدر  وغيره في العراق، ومحاولات لتشكيل خلايا نائمة لنسخة حزب الله في السعودية والكويت والبحرين، مقابل تحالفها مع نظام بشار الأسد الذي اعتبرته عمقاً مهماً لاستراتيجيتها، تلك المليشيات والتحالفات أتاحت لطهران مجالاً أوسع لامتداد نفوذها في المنطقة، استناداً لتأمينها عدة نقاط، أهمها:

•    النفس الطويل في الصراعات. نتيجة لتركيبة هذه المليشيات العسكرية وارتباطها العضوي ببلدانها لدرجة ممارستها السياسة كجزء من تركيبة الحكم، وانتهاجها العسكرة وفقاً للاستراتيجية الإيرانية.
•    القدرة على التعطيل السياسي وفقاً للفاعلية العسكرية والأمنية التي تمتلكها تلك المليشيات في بلدانها.
•    الرد بشكل غير مباشر على السعودية نتيجة تعدد ساحات الصراع وامتداد الأذرع من خلالها.
•    استثمار هامش النقاط السابقة للعب دور إقليمي في أغلب ملفات المنطقة.
وإثر اندلاع الربيع العربي ووصول موجة الأحداث إلى سورية، كان أن اتبعت إيران سياسة التدخل المباشر (الحرس الثوري الإيراني) وتجميع كل أذرعها وميلشياتها في الجغرافية السورية (حزب الله، المليشيات العراقية، مليشيات أفغانية) مقابل خلق مجموعة جديدة من المليشيات (حزب الله السوري)، وتوسيع الدعم في العراق واليمن بشكل أكبر.

تلك الأدوات والأذرع الممتدة في أغلب الدول العربية أتاحت لإيران التمتع بمجال عسكري وفاعلية سياسية واسعة خارج حدودها، واستثمار هذا المجال لفرض نفسها كلاعب إقليمي دولي من الصعب تجاوزه. واليوم وبعد تنامي الخلاف السعودي الإيراني تعتبر كل تلك المجالات العسكرية هي ساحات محتملة لتصعيد الخلاف والرد، إلا أن الجغرافية التي تبدو أكثر احتمالية للتصعيد العسكري الإيراني، هي تلك المحاذية للحدود السعودية عبر الملف اليمني، خاصة مع احتمالية تعثر المسار التفاوضي، وذلك من خلال توسيع الدعم العسكري للحوثيين والاستمرار بالقصف المتقطع على المناطق الحدودية (جازان). بالمقابل قد لا تمثل سورية بالنسبة للإيرانيين مجالاً أوسع مما هي عليه للتصعيد العسكري، وذلك نتيجة لمحدودية الدور الإيراني في ظل النفوذ الروسي، الذي فرض نفسه كقوة على الأرض، مقابل استنزاف طهران لطاقتها العسكرية على مدار الخمسة أعوام الفائتة.

المملكة واستراتيجية الاستجابات

أما من جهة المملكة فلا تقوم استراتيجيتها العسكرية على المبادرة بالفعل  بقدر ما تمثله من استجابات على الأفعال الإيرانية في المنطقة، وهذا ما تمثل في وصول الحوثيين إلى صنعاء والاستجابة المباشرة عبر عاصفة الحزم، إضافة إلى دعم المعارضة السورية المسلحة نتيجة توسع النفوذ الإيراني على الأرض؛ لذا ففي الوقت الذي قد لا تشكل فيه الجغرافية السورية مجالاً واسعاً للرد الإيراني، فإنها قد تشكل تحدياً  لتصعيد سعودي واسع و مؤجل إلى أن تحسم نتائج المفاوضات المزمع عقدها في جنيف واختبار جدية الحل السياسي فيها؛ وذلك كون سوريا الساحة التي لم تستنفد فيها السعودية خيارات الدعم العسكري، إضافة لسعي المملكة لإعادة التوازن العسكري على الأرض بمسار داعم للمفاوضات المرتقبة، خصوصاً بعد التقدم الأخير الذي أحرزه النظام بدعم الروس. في حين تتمثل المواجهة الأكثر استراتيجية بالنسبة للملكة بدخولها في الملف العراقي بأدوات جديدة وفاعلية أكبر، وذلك بعد تدارس أهم الأخطاء الماضية التي وقعت فيها، كقبولها المالكي بدلاً من اياد علاوي الذي كان تكتله هو الأكبر برلمانياً كاستحقاق لرئاسة الحكومة العراقية، بالإضافة إلى تجاهل المعارضة العراقية "السنية" المنخرطة في العمل السياسي والمواجهة العسكرية لتنظيمات إرهابية كالميلشيات الشيعية وتنظيم الدولة.

سياسياً: تعزيز سياسة المحاور

 قد يشكل الفضاء السياسي الدولي والإقليمي مجالاً لتصعيد الخلاف السعودي الإيراني، خاصة ضمن التشكيل المنتظر لانبثاق نظام إقليمي جديد يتأثر بالضرورة بالنظام السياسي الدولي، ما ينذر بتصاعد هذا الخلاف سياسياً وفق مسار الحشد الإقليمي والدولي وإعادة رسم خارطة التحالفات، لتأمين غطاء سياسي واسع لأي تحرك مرتقب من قبل القوتين، ما قد ينتج عنه عدة أمور إلّا أنّ أهمها اثنان:
الأمر الأول: تعزيز سياسة المحاور في المنطقة، وفقاً لعدة مداخل أبرزها طائفي (سني، شيعي)، والذي ستحاول إيران الدفع باتجاهه، ضمن فلك وتحولات القطبية العالمية، ما سيترتب عليه تعقيد أكبر للملفات العالقة في المنطقة وزيادة حدة التجاذبات، الأمر الذي يشكل للسعودية تحدياً أكبر من إيران، كون الأخيرة تحالفاتها جاهزة وقديمة، أما السعودية فيترتب عليها أعباء سياسية ودبلوماسية واقتصادية كبرى في كسب (بازار)المواقف السياسية لبعض الدول "السنية"، التي تستغل هذا المناخ المتوتر ولا تعتبر نفسها دولة مواجهة مباشرة مع إيران (مصر، السودان، باكستان). 
الأمر الثاني: كما قد يترجم هذا الخلاف في عرقلة المفاوضات في اليمن، في حين لا تبدو المفاوضات المرتقبة في سورية مجالاً واسعاً للتعطيل وفقاً للفرض الدولي وما رشح من اجتماعات فيينا، بل وعلى العكس ستسعى السعودية إلى دعم المسار السياسي للحل ومحاولة ضبط العملية التفاوضية في سبيل إحراج الجانب الإيراني ووفد النظام، بالمقابل فإن الإيرانيين لن يسعوا إلى إفشال ما أحرزه النظام بالتعاون مع الروس من تقدم عسكري، سيسعى الطرفان لتحويله إلى مكاسب سياسية خلال العملية التفاوضية.  في حين سيمثل مسعود البرزاني في العراق مجالاً حيوياً لسعي القوتين لاستثماره.

اقتصادياً: (عض الأصابع)

 يعد المجال الاقتصادي إحدى السياقات المحتمة لتصاعد هذا الخلاف، خصوصاً مع قرار وكالة الطاقة الذرية بأن إيران التزمت بالبنود الواقعة عليها في الاتفاق النووي. ما يستدعي رفع الولايات المتحدة وأوروبا للعقوبات الاقتصادية عن طهران. الأخيرة التي يبدو أنها لن تستفيد اقتصادياً من كسر العزلة الدولية في الحد الذي كانت تطمح إليه، خاصة وسط الخلاف مع السعودية وانخفاض أسعار النفط العالمية؛ ما سيجعل هامش التحرك الاقتصادي لإيران ضمن هذا الصراع محدوداً وفقاً لعدة معطيات، أبرزها؛ انخفاض أسعار النفط، والذي سيمثل تحدي "عض الأصابع" بالنسبة للقوتين ضمن هذا الصراع، فدول مجلس التعاون وعلى رأسها السعودية تلقت خسارة هائلة جراء انخفاض أسعار النفط، الخسارة ذاتها التي طالت إيران، ولكن دول مجلس التعاون تعول في هذا المجال على عدة ميزات لا تمتلكها إيران، أبرزها؛

•    ما تمتلكه دول المجلس من "صناديق سيادية" كفيلة بسد عجز الميزانية الناجم عن انخفاض أسعار النفط.
•    امتلاك دول الخليج في هذا المجال أقل كلفة إنتاجية لبرميل النفط في العالم.
•    استمرار دول مجلس التعاون وعلى رأسها السعودية بالمحافظة على المستوى الحالي من إنتاج النفط، وعدم تخفيضه، الأمر الذي يبقي أسعار النفط في مستوى منخفض.

لذلك فإن طهران المنهكة بفعل العقوبات الاقتصادية أساساً والمستنزفة في سورية واليمن اقتصادياً قبل عسكرياً، لا تمتلك قدرة دول مجلس التعاون وعلى رأسها السعودية على امتصاص صدمة أسعار النفط، ما يضع إيران في مواجهة عدة أزمات محتملة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، ولعل أبرزها:

أولاً: سيجعل انخفاض أسعار النفط على المدى القصير والمتوسط من رفع العقوبات الاقتصادية غير ذي جدوى بالنسبة للإيرانيين، وذلك كون سوق النفط مشبع والعرض أكبر من الطلب، حيث سيساهم دخول النفط الإيراني إلى الأسواق في زيادة المعروض، وبالتالي انخفاض أكبر لأسعار النفط.  أي أن إيران ستبيع من إنتاجها ولكن بشكل محدود جداً.
ثانياً: احتمالية وقوع الميزانية الإيرانية في عجز مفتوح يزداد مع انخفاض أسعار النفط، خصوصاً أن طهران أعدت ميزانيتها لعام 2016 على أساس سعر 40$ لبرميل النفط، والذي انخفض في فترة إعداد هذه الدراسة إلى أقل من28$ للبرميل الواحد، وذلك قبل ضخ النفط الإيراني إلى الأسواق، مع العلم أن صادرات النفط والغاز تشكل ثلاثة أرباع ما تصدره إيران، والتي تتراوح نسبة مساهمتها ما بين 70 %و75% من الإيرادات الحكومية. الأمر الذي قد يدفع طهران لاتباع سياسات تقشفية، ستحمل ارتدادات حتمية على اقتصادها.
ثالثاً: إن انخفاض أسعار النفط سينسحب على الغاز الذي يقوم سعره على أساس النفط، الأمر الذي قد يخفف هواجس دولة قطر من التحضيرات الإيرانية لرفع العقوبات، والتي سبقتها طهران بمشروعي تطوير حقل(بارس) الحدودي مع قطر لزيادة إنتاجه والاستعداد للتصدير، حيث يقع 40% منه في إيران و60% في قطر، يساهم في ذلك إيقاف السعودية وروسيا وأمريكا للطموحات الإيرانية في مد أنابيب غاز تنطلق من عمان إلى الهند وباكستان، إضافة لإنشاء المجلس الاستراتيجي الأعلى مع تركيا، والذي قد يشكل فرصة لدول الخليج في قطع الطريق على الطموحات الإيرانية بمد أنابيب لتصدير غازها إلى أوربا عبر تركيا.
بالمقابل فإن رفع العقوبات عن إيران سيتيح لها استعادة الأرصدة المجمدة في البنوك الدولية، والتي تقدر 100-150 مليار دولار أمريكي، إضافة لاحتمالية تحركها في هامش القروض الدولية، مما يساهم في دعم اقتصادها الداخلي، وقد يعزز من قدرتها على دعم ميليشياتها العسكرية.  في حين قد تزيد تلك الضغوطات من شراسة إيران في الدفاع عن نظام بشار الأسد كممر وحيد لتصدير غازها عبر أنبوب الغاز الإسلامي المار عبر العراق إلى سورية ومنها عبر المتوسط إلى قبرص. والذي يُخضع الغاز الإيراني لشروط الدب الروسي صاحب النفوذ الجديد في الساحل السوري، والمتربع على عرش الغاز في العالم.

دول الطوق الجديدة

ضمن سياسات إيران الثابتة في المنطقة العربية وتمدد نفوذها وما يرافقه من متغيرات دولية وإقليمية؛ تبدو مؤشرات واحتمالات تصاعد المواجهة مع السعودية كبيرةجداً في كل ساحات الصراع التي تجمع القوتين، وقد تصل إلى مناوشات في مياه الخليج، الذي أيقن بعضه وعلى رأسه السعودية أن المواجهة المباشرة لهذا النفوذ، وإن كانت مؤجلة فلابد منها.

بالمقابل فإن تحسين التموضع بالنسبة للملكة العربية السعودية ضمن هذا الصراع، يتوقف على حسن إدارتها له على المدى البعيد، وسط إدراكها للتهديد الحقيقي  للأمن القومي الخليجي وضرورة حمايته، الأمر الذي لا يمكن أن يتم بمعزل عن قضايا المنطقة وملفاتها، وخصوصاً في ظل إنتاج نظام أمن إقليمي جديد، فخسارة  السعودية المحتملة ضمن هذا الصراع لن تكون ناتجة عن قوى إيرانية، بقدر ماهي حصيلة غياب مشروع عربي نهضوي استراتيجي، يتطلب من دول مجلس التعاون الخليجي هذه المرة مع بعض الدول الإسلامية (باكستان، تركيا) لعب دور دول الطوق الجديدة بكل ما يحمله  الاصطلاح من معنى. وهو الذي أطلق في ستينيات القرن الماضي على بعض الدول العربية التي تطوق إسرائيل (سوريا، لبنان، مصر، الأردن) واستدعى استراتيجية واضحة للمواجهة، فلابد لدول الخليج اليوم من إحكام استراتيجيتها وفقاً لتحالفات دول الطوق الجديدة، حيث يترتب العبء الأكبر خلال هذا الدور على دول مجلس التعاون وعلى رأسها السعودية في مواجهة النفوذ الإيراني، وإدارة هذا الصراع وفق معطيات وأدوات المواجهة المباشرة على مستوى كل الملفات العالقة، والتي تستدعي استراتيجية محكمة على عدة مستويات، لعل أهمها:

•    توحيد الرؤية الخليجية وتحديداً السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون إزاء الملف السوري والملف المصري في المواجهة مع إيران، كون الخطر الإيراني اليوم يهدد كامل دول مجلس التعاون، وهذه الرؤية الموحدة تقع مسؤوليتها بالدرجة الأولى على عاتق المملكة العربية السعودية.
•    توزيع الأدوار ضمن هذا الصراع بين دول مجلس التعاون الخليجي بشكل واضح، واتباع استراتيجية "دول الطوق"، والتي تتضمن قطع العلاقات بشكل كامل (الدبلوماسية، التجارية)، تجريم التعامل مع إيران، الإبقاء ضمن هذه الاستراتيجية على عمان كدولة حيادية لهامش التفاوض، السعي لإدراج كافة أذرع إيران العسكرية على قوائم الإرهاب العربية والعالمية.
•    العمل على إعادة الملفات الإيرانية إلى مجلس الأمن والتصعيد الدولي مع إيران في كل الملفات العالقة، كملف الجزر الإماراتية، ودعم ملف حقوق الإنسان داخل إيران (قضايا الأحواز)، ورفع ملف انتهاكات المليشيات الإيرانية وعلى رأسها الحرس الثوري في الدول العربية إلى المحكمة الجنائية الدولية.
•    قطع الطريق على إيران لإشعال الوضع الداخلي في دول مجلس التعاون (ملعب إيران) وذلك عبر؛ دعم الشيعة العرب والمناهضين لولاية الفقيه، كضرورة استراتيجية لتصفية أي مظلومية تشكل مدخلاً للنفوذ الإيراني.
•    استخدام خطاب قومي وطني عربي مشابه لخطاب العراق أثناء الحرب مع إيران يفصل بين إيران والشيعة، حيث كان حينها غالبية من يقاتل في الجيش العراقي هم من الشيعة العراقيين، مقابل عدم استخدام الخطاب الطائفي.
•    الاستعداد لأي تصعيد عسكري محتمل وتحديداً بحري في مياه الخليج عبر إجراء مناورات عسكرية مشتركة بين دول مجلس التعاون ودول التحالف الإسلامي، الذي أعلنت السعودية عن تشكيله، إضافة لتدعيم درع الجزيرة.
•    توحيد إمكانيات دول الخليج مع الموقف التركي للوصول إلى رؤية واضحة قادرة على مجابهة التطورات التي أحدثها التدخل الروسي في سوريا، عسكرياً ودبلوماسياً، ما يستوجب تغيير نهج المملكة وأدواتها في التعاطي مع الملف السوري.
•    دعم المملكة للمعارضة العراقية "السنية المعتدلة" وللتيارات الشيعية "العلمانية"، الذين يمتلكون مشروعاً وطنياً خالصاً وقدرة كامنة لمواجهة التطرف والإرهاب، وإسنادهما بكافة أدوات الفاعلية الممكنة للدخول وبقوة في المشهد السياسي والعسكري العراقي.
•    ربط الدعم السعودي لجمهورية مصر العربية بمواقف سياسية تتخذها الأخيرة تجاه سورية والعراق تنقلها من التموضعات الرمادية إلى الفاعلية والاتساق مع السياسات الداعمة للتغيير والتمكين المجتمعي.

بقدر ما يشكله هذا الصراع من مخاطر على السعودية ودول الخليج؛ إلا أنه يحمل معه فرصاً كبيرةً كامنة لإعادة تحسين تموضع على مستوى المنطقة، وتلافي أخطاء ارتكبت على مر عقود، حيث أن ما يحدث اليوم ما هو إلا مواجهة مؤجلة، ناتجة عن إهمال الملف الإيراني، وامتداد نفوذ الأخير ليسقط أربع عواصم عربية ويصل إلى الحدود السعودية، فنجاحات إيران ماهي إلا إخفاقات سياسية عربية خليجية وغياب استراتيجية حقيقية.

التصنيف أوراق بحثية

عقد مركز عمران للدراسات الاستراتيجية ندوة بحثية بعنوان "تداعيات الاتفاق النووي الإيراني على سورية والمنطقة"، وذلك في يوم السبت 5 أيلول/ سبتمبر الجاري، في مدينة استانبول التركية.

وشارك بالندوة نخبة من الباحثين المتخصصين في الشأن الإيراني، والعلاقات الدولية، إضافة إلى نخبة من الباحثين المهتمين بمتابعة المتغيرات الإقليمية وأثرها على الشرق الأوسط.

افتتحت الندوة بترحيب المدير التنفيذي لمركز عمران الدكتور عمار قحف بالسادة الحضور والمشاركين، مستهلاً بداية الندوة بإدارة الجلسة أولى التي شارك فيها الباحث في العلاقات الدولية والشؤون الاستراتيجية الأستاذ علي باكير بورقة بحثية بعنوان "الاتفاق النووي الإيراني وفرص الاستمرار من منظور دولي"، حاول فيها الإجابة على سؤال " هل سيصمد الاتفاق النووي الإيراني؟" من خلال اعتماده على عدّة عناصر منها "توجهات الرئيس الأمريكي القادم، وبنية الاتفاق النووي نفسه"، ليرجّح أ. باكير في نهاية ورقته عدّة مسارات قد تتبع إيران بعضها فيما يتعلق بمصير الاتفاق، ومنها الالتزام به، مع خروقات بسيطة متدحرجة مع الزمن إلى حين انتفاء الدافع الأساسي للتوقيع عليه، ومن ثم التخلي عنه، أو الالتزام به وتطوير مسار سرّي موازٍ له.

تلت الأستاذ باكير في الجلسة الأولى الباحثة المتخصصة بالشأن الإيراني الدكتورة فاطمة الصمادي بورقة بحثية حملت عنوان " قراءة في الاتفاق النووي من منظور إيراني"، لتنطلق في مستهلها بفرضية مفادها أن لا اجماع بين المؤسسات السياسية في إيران على قبول الاتفاق النووي وإقراره، لتتوصل في ختام ورقتها إلى خلاصة أنه إن كان الاتفاق يهدف بالفعل إلى تغيير المعادلة السياسية داخل إيران فإن البلاد ستشهد تنافساً بين الأجنحة السياسية لتوظيف تأييد الاتفاق أو معارضته لتعزيز المكانة السياسية أو خلخلتها للطرف المنافس لدى الناخب الإيراني، وسيظهر ذلك واضحاً في الانتخابات البرلمانية التي ستجري العام القادم، مضيفة أنّه مع التوجه الملحوظ للشركات الغربية نحو السوق الإيراني، وخاصة في قطاعي النفط والغاز، فسيكون الاقتصاد والاستثمار الخارجي ملفًّا للصراع والتنافس بين التيار الأصولي من جهة وتيار الاعتدال من جهة أخرى.

أما الجلسة الثانية فكانت من إدارة الدكتور سنان حتاحت، مقدماً فيها الباحث المتخصص في العلاقات الدولية الدكتور مروان قبلان ورقة مشاركة بعنوان "أثر الاتفاق على توازن القوة في المشرق العربي"، قال فيها أنّ ما يؤزّم المشاكل العربية مع إيران ليس بالأساس الاتفاق النووي، لأن قوة إيران التي تستخدمها ضد العرب ليست بالسلاح النووي نفسه، إنّما بتدخلها في مجتمعاتنا العربية، وتفكيكها على أسس طائفية متحاربة.

وأضاف د. قبلان قائلاً: "إن صواريخ إيران البالستية هي أخطر على العرب من سلاحها النووي، في حين أنّ منظومة إيران للطيران متهالكة، حيث أنّ الدّولة تعيش حصاراً منذ 30 عاماً".

تلاه الدكتور أنصار نشانجي بورقة أخرى حملت عنوان " تداعيات الاتفاق النووي على توجهات تركية المستقبلية".

فيما تولى الباحث معن طلَّاع إدارة الجلسة الثالثة التي عرض فيها الدكتور جمال نصار ورقة بحثية بعنوان "تطور العلاقات المصرية الإيرانية ومآلاتها بعد الاتفاق النووي"، أوضح فيها التقارب الواضح في وجهات النظر بين البلدين حول الملف السوري، مؤكّداً أنّ الدافع لهذا التقارب هو موقف السيسي السلبي من تيار الإسلام السياسي، المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين، إضافة للمصلحة الاقتصادية التي ربما يحققها السيسي من هذا التقارب، وخصوصًا في مجال الطاقة.

وخلصت الورقة إلى أن هناك ثلاثة سيناريوهات تحكم هذه العلاقة، وهي "التقارب المشروط مع نظرة دول الخليج، التقارب عبر وسيط، من خلال روسيا لتحقيق مصالح اقتصادية، أما السيناريو الثالث فهو عدم التقارب، حتى لا تؤثر على علاقة السيسي مع إسرائيل"، خاتماً ورقته بترجيح السيناريو الثاني، لحاجة مصر الملحّة لمصادر جديدة للطاقة.

تلى الدكتور نصّار في ذات الجلسة، مشاركة الأستاذ عارف كسكين بورقة حملت عنوان "الحسابات الكردية بعد الاتفاق النووي".

اختتم مركز عمران ندوته البحثية بجلسة رابعة أدارها الدكتور مازن هاشم. مقدماً فيها نائب المدير التنفيذي لمركز عمران الدكتور سنان حتاحت ورقة بحثية بعنوان " أثر الاتفاق النووي على التموضع الإيراني في الملف السوري"، حيث استهل د. حتاحت ورقته بالحديث عن أسباب وأهداف وآليات تدخل إيران في سورية، ثم تبعها بتقييم واقعية فرضيات هذا التدخل، وصولا لاختتام الورقة بعرض انعكاسات الاتفاق النووي على أوضاع نظام الأسد، مقدما سبل عرقلة الأداء الإيراني في سورية.

ومن الجدير بالذكر أن الندوة اعتمدت أسلوب المناقشة والتعقيب بعد عرض الباحثين لأوراقهم في جلسات الندوة الأربعة، كما حضرها شخصيات مهمة كان لها الأثر الكبير في الإثراء المعرفي للندوة من خلال المداخلات التي عملت على إنجاح الندوة وأثارت جو من التفاعل ضمن القاعة، وسط تغطية عدد من القنوات الإعلامية للندوة.

التصنيف الفعاليات
الإثنين كانون1/ديسمبر 30
الملخص التنفيذي لم يُستثنَ اللاجئون الفلسطينيون من تداعيات الصراع في سورية، حيث طرأ تغيير كبير على وضعيتهم القانونية، لجهة حجم الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها على نطاقٍ واسع، والتي تعود…
نُشرت في  الإصدارات 
الأربعاء أيلول/سبتمبر 25
مقدمة أفرز النزاع الدائر في سورية منذ عام 2011 جملة من التحديات التي بدأت ترتسم ملامحها مع اقتراب النزاع من نهايته، ولعل من أبرزها التحديات المرتبطة بعملية التعافي الاقتصادي المبكر…
نُشرت في  الإصدارات 
الإثنين تموز/يوليو 01
المقدمة لا تزال الأسئلة المتعلقة بقطاعي الأمن والدفاع في سورية من أكثر الأسئلة أهمية، وازدادت أهميتها بعد الحراك الثوري، لأن غايات الإصلاح كانت مطلباً رئيسياً في هذا الحراك، كما أنها…
نُشرت في  الإصدارات 
شارك الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، في حوار تلفزيوني ضمن برنامج الصالون…
الأربعاء شباط/فبراير 26
شارك الباحث محمد العبدالله من مركز عمران في تقرير اقتصادي، أعدته جريدة عنب بلدي بعنوان:…
الإثنين شباط/فبراير 17
بتاريخ 9 كانون الثاني 2020، شارك الباحث محمد العبد الله بتقرير موسع نشره موقع السورية…
الجمعة كانون2/يناير 10
رأى الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، معن طلَّاع، أثناء حديثه مع العربي 21 "…
الثلاثاء كانون1/ديسمبر 03