الدراسات

المسارات

الملفات

الباحثون

التصنيف

تاريخ النشر

-

أصدر مركز عمران كتابه السنوي الثالث الذي يتزامن مع بداية العام السابع من الزلزال السوري بعنوان "تحديات النهوض الوطني إبان التدخل الروسي"، هادفاً إلى تقديم قراءة منهجية لأهم متغيرات الملف السوري في عام 2016 ابتداءً من آثار التدخل الروسي في معادلات المنطقة، وكذلك حركية هذا الوجود الروسي وحدوده وأبعاده، إضافة إلى تسليط الضوء على الكمون الاقتصادي والتنموي في مناطق المعارضة وتحليلاً للبُنى الإدارية المحلية القادرة على ملء الفراغ وضبط الأمن وتوفير جسم قادر على الانتقال السياسي الحقيقي ميدانياً.

وتؤكد الدراسات الواردة على أهمية تقوية المكونات المحلية المدنية وخاصة منظومة المجالس المحلية كجسم تمثيلي شرعي رغم التفاوت في مستوى الأداء بما يهدف إلى ملء الفراغ الإداري وتمثيل رأي المواطنين في الحقل السياسي في مقابل طُغيان غير متوازن للفصائل العسكرية والأجسام السياسية التقليدية في المشهد التفاوضي.

التصنيف الإصدارات

انطلاقاً من ضرورات إعادة التشكيل العميق لعامل الحسم غير المرئي في الملف السوري وهو "هيكلية الدولة السورية".  عقد مركز كارنيغي للشرق الأوسط بتاريخ 2 كانون الأول/ديسمبر 2016، ندوة عامّة على مدار جلستين متواليتين حول اللامركزية والإدارة الذاتية في سورية، بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group). تناولت الجلسة الأولى الآليات التي تؤثّر من خلالها اللامركزية على الفاعلين الأساسيين على الأرض في سورية من جهة، وكيف يستغلّها الفاعلين من جهة أخرى.

أما الجلسة الثانية فتمحورت حول تأثير هذه الديناميكيات المحلية على الاستراتيجيات والسياسات التي تنتهجها الجهات الفاعلة الخارجية، وتتطرّق إلى التحديات التي ستواجهها والفرص التي ستتيحها في المستقبل.

برزت خلال الندوة مشاركة الدكتور عمار قحف، المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية. إذ ركز على تجربة المجالس المحلية في مختلف مناطق سورية لاسيما مناطق سيطرة المعارضة السورية كونها الوحيدة التي تعتمد على الشرعية السكانية بوضوح من حيث الانتخاب 35٪‏ والتوافق 62٪‏، إضافة لقيامها بأعباء وظائف مؤسسات الدولة ضامنة بذلك استمرار مؤسسات الدولة. مُدللاً على أهمية دعم وتمكين هذه المجالس كونها شرعية وبديلة عن النظام الحاكم. مبرزاً قدرة المجالس المحلية على إنجاح برامج إعادة الاستقرار محلياً وعلى مستوى المحافظات، في حال تم ذلك بالتوازي مع وقف إطلاق النار ومسار انتقال سياسي ولو تدريجي. لأن ذلك كفيل بضمان وحدة أراضي سورية عبر عقد اجتماعي جديد وآليات لامركزية موسعة أو غيرها من النماذج التي يتوافق عليها السوريون.

حظيت الندوة بمشاركة واسعة من قبل باحثين ومحليين ومستشارين كان من أبرزهم؛

ماريا فانتابيه: باحثة أولى حول الشؤون العراقية في مجموعة الأزمات الدولية، وسام هيلر: باحث في مؤسسة Century Foundation، مالك العبدة: مستشار في مركز الحوار الإنساني، نوا بونسيه: محلّل بارز في مجموعة الأزمات الدولية، بيتر هارلينغ: مؤسس ومدير شركة Synaps.

تجدر الإشارة أنه بختام الندوة تم عرض ملخص عن آخر استطلاع رأي قام به مركز عمران لــ 105 من المجالس المحلية.

التصنيف أخبار عمران

استضافت قناة الرافدين الفضائية في برنامجها حديث العرب معن طلاع/ باحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية للحديث عن الاستراتيجية الايرانية تجاه ملفات المنطقة بشكل عام وحول تموضعها في الملف السوري لا سيما بعد التدخل الروسي المباشر بشكل خاص، كما فكك اللقاء خطاب طهران الاعلامي الذي يدعي النصر وتبيان مدى اتساق هذا الخطاب مع الواقع السياسي والعسكري في سورية، كما ركز اللقاء على طبيعة العلاقة الايرانية الروسية في الملف السوري وتبيان فيما إذا كانت تنافسية أم تكاملية.

مرة أخرى، وكالعادة بالتزامن مع استراتيجيات النظام العسكرية الرامية لإجبار معادلات السياسة والعسكرة لصالحه وحلفائه، طرح المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا لمجموعات صنع القرار المحلي والإقليمي والدولي ملخصاً تنفيذياً حول العملية السياسية في سورية بيّن فيه رؤيته لمجموعة من الأساسيات الناظمة للعملية التفاوضية والمرحلة الانتقالية وصولاً لما سماه المبعوث الدولي "بالمرحلة جديدة في سورية تتمتع فيها بالسلام".

 يترافق هذا الطرح مع تنامي العناصر المدللة على تأزم المشهد السياسي لاسيما مع ظهور عناصر جديدة في معادلات السياسة الدولية والإقليمية بدءً من تعثر "مسيرة الثقة" بين الفاعلين الأمريكي والروسي فيما يتعلق باتفاقات تعنى "بمحاربة الإرهاب ودفع العملية السياسية"، ومروراً بظهور مؤشرات أولية لتغييرات محتملة في خارطة التحالفات لصالح ربط الدول الإقليمية بالبوصلة الروسية التي باتت الأكثر تأثيراً على مسارات الملف السوري بحكم "فتاوى" إدارة أوباما العبثية، ولهاث موسكو نحو تسجيل أكبر قدر ممكن من النقاط قبيل الانتخابات الأمريكية المقبلة والتي ستبقى آثار هذه الإدارة واضحة على سلوكيات أي قيادة جديدة، ووصولاً نحو تكريس قواعد المراوغة في حقول التفاوض بغية كسب الوقت والاستعراض الدبلوماسي والتشويه قدر المستطاع لأولويات ومحددات هذه العملية. كما يتزامن هذا الطرح مع بدء تبلور مفهومين جديدين في معادلات الصراع العسكري سواء على مستوى الاتجاه نحو تكريس مناطق سيطرة عسكرية مصمتة بقسمها الأكبر ومضبوطة "دولياً" بقسمها الأخر... لذا فإن الفرضيات العامة التي انطلقت منها مسارات الدفع نحو الحل السياسي في سورية لم تعد كما هي وهو أمرٌ لم يلحظه دي ميستورا برؤيته الجديدة  التي "باعتقادي" أنها متسق مع مهام ووظيفة أي مبعوث أكثر مما هي متسقة مع تعريف الملف السوري وعناصر تأزمه وأسباب ديمومة أي حل لقضية جذرها الأساسي اجتماعي، مما جعل هذا الملخص مليءٌ بالإشكالات والاختلالات الهيكلية والبنيوية.

مفاهيم عائمة

لم يخرج هذا الملخص عن سابقيه من مخرجات المبعوث الدولي الذي لايزال ينتهج لغة قابلة للتأويل والتفسير المزدوج من جهة واحتمال لتكريس مفاهيم غير متسقة مع الضرورة السياسية في الملف السوري، الأمر الذي يؤكد استمرار تعامل الأمم المتحدة مع القضايا والإشكالات الرئيسية في الملف السوري وفق سياسة الوسطية التي تبرر القتل والإجرام منتهجةً خطط الدفع إلى الأمام ونذكر أهمها:

  1. أطراف الاتفاق: وهو ما يشير إلى أن سياسة تمييع صف المعارضة لا تزال مستمرة، الأمر الذي سنعكس على مخرجات الاتفاق وقواعد صنع القرار.
  2. المقاتلين الأجانب وذكرها في سياقات المجموعات الإرهابية مع غياب الذكر الصريح للميليشيات الأجنبية المساندة للنظام.
  3. العدالة الانتقالية، والمساءلة، هما أساس وشرط الانتقال، أرجئهم الملخص إلى لجنة مستقلة تعينها هيئة الحكم الانتقالية وتقدمها وفق "مسودة مقترحات".
  4. دستورية المخرج: رغم اعتبار أن الاتفاق المؤقت يتمتع بصفة دستورية إلا أنها محددة بأمور لا تطال الدستور الراهن وأرجعها للمرحلة الانتقالية لما وصفها بمراجعات دستورية تؤكد مؤشرات اعتماد دستور 2012 الذي يعد وصفةً متكاملة لشرعنة الاستبداد والتي لا يمكن وفقاً لهذا الدستور من تغييرها دون موافقة الرئيس.
  5. معضلة الرئيس: والذي يمنحه هذا الملخص صلاحيات بروتوكولية تضاف فعلياً إلى مواقع ثابتة لنظامه في أهم مؤسسات الانتقال (هيئة الحكم، المجلس العسكري المشترك، المحكمة الدستورية العليا)، وهي آليات سيستغلها النظام بحكم استحواذه على وظائف الدولة وبناها في إعادة شرعنته خلال كامل المرحلة الانتقالية وما بعدها.

اختلالات في البنية

يتضمن الملخص مجموعة من الإجراءات التي لا ترتبط وظيفياً مع المرحلة المعنونة ضمنها، فعلى سبيل المثال، في مرحلة التفاوض وفي ظل غياب أية شروط منسجمة مع ضرورات التغيير، يؤكد الملخص على ضرورة التوصل لاتفاق يؤكد التعاون والدمج بين القوى المتحاربة لمحاربة المنظمات الإرهابية والتي لاتزال المعارضة السورية مهددة بأن تشمل فصائلها وقواها سواء بتفاهمات دولية، أو بآليات معالجة مجتزأة دولية تراعي الظرف الإقليمي والدولي أكثر من الشرط الوطني المحلي.

ومما يعد اختلالاً واضحاً هو وجود مجتمع مدني في السلطة كما هو وارد في الملخص، وهو أمرٌ يتعارض مع مفهوم السلطة ومفهوم المجتمع المدني. إذ ينبغي أن تضمن مرحلة التفاوض والانتقال دوراً فاعلاً للمجتمع المدني على مستويات المتابعة والمراقبة والتمكين. لا أن تمنحه السلطة الرسمية.

وفيما يتعلق المعضلة القضائية لا سيما في مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية العليا ومحكمة وقوانين الإرهاب بنيةً ووظيفة، فإنه يجب أن تكون ضمن الاتفاق المؤقت في المرحلة التفاوضية إذ أنها الجهة المسؤولة عن شرعية المخرجات ومدى اتساقها مع المبادئ العامة والأساسية المتفق عليها في مرحلة التفاوض.

اما فيما يتصل بدور الأمم المتحدة فلا يمكن حصره في الإشراف على التفاوض والمساعدة في الانتقال ورعاية الانتخابات في النهائية، بينما ينبغي أن يكون دورها في أن تكون المسؤولة عن إجراء انتخابات إضافة لوظائف الرقابة والمساءلة والمتابعة والتقييم.

تفاصيل إشكاليّة

وفي تفاصيل هذا الملخص يمكن أن نذكر مجموعة من الملاحظات التي تدلل على غاية هذه الرؤية وهي "التوصل لاتفاق شكلي" لقضية جذرها الأساسي اجتماعي سياسي لا تستقم معه سياسة الدفع وتوسيع هوامش المناورة، مثل:

  • التعامل مع الحقوق (كإطلاق سراح المعتقلين) كإجراء بناء ثقة!
  • غياب الإرادة الشعبية طيلة فترة الانتقال، وإرجائها إلى المرحلة النهائية.
  • مهمات هيئة الانتقالية واسعة لا تتناسب مع المدة الزمنية.
  • غياب آلية تحديد المسؤول عن فشل الاتفاق إشكالي، وعدم وضوح العواقب كاتخاذ اجراء تحت البند السابع
  • لا يوجد ضمانات لتطبيق كل ما سبق مع وقف عمل المتنفذين في الحكومة الحالية، أي يجب أن يسبق كل ذلك إقالة الحكومة ورؤساء الأفرع الأمنية وتعيين من بديلهم من قبل المجلس العسكري.
  • يجب تشكيل لجان مراقبة وقف إطلاق نار قبل دخول الاتفاق حيز التنفيذ، مع آليات الرقابة والمحاسبة.
  • لا يتم رفع العقوبات الاقتصادية خلال المرحلة المؤقتة وانما مع نهايتها وتسجيل التزام جميع الأطراف في بنود الاتفاق، وتقوم وكالات الأمم المتحدة بسد العجز ريثما يتم رفع العقوبات.
  • لا يوجد تعريف لمفهوم "الحوكمة الفعالة" التي اعتمدها الملخص كمعيار تستند عليه هيئة الحكم في أعادة تشكيل المجالس المحلية، وهو أمرٌ يشير لاحتمالية شمول مجالس المعارضة التي كونت خبرة وكموناً في العمل الإداري النوعي خلال سني الثورة.

مناورة جديدة دون ضمانات

تضمن الملخص أساسيات المرحلة التفاوضية التي "ينبغي" لها أن تفضي لمخرجين أساسيين (اتفاق مؤقت، وهيئة حكم انتقالية)، إلا أن غياب الآليات الملزمة لضرورة التوصل لتلك المخرجات  لاتزال مستمرة، حيث أرجع المبعوث القضية في حال التعثر إلى تقييماته التي سيرفعها للأمم المتحدة والتي بدورها ستقدم "توصيات" لمجلس الأمن، أي ينطلق الملخص من فرضية أنه مخرج المبعوث وليس انعكاساً لرؤية موحدة للمجتمع الدولي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن إجراءات بناء الثقة يعتريها غياب الضمانات الملزمة لهذه الإجراءات والتي بينت حركية العملية التفاوضية في المراحل السابقة وحتى على الصعد الإنسانية عدم تحقق أي بند منها، كما أن تلك الإجراءات نجدها آليات في المرحلة الانتقالية لا سيما في البنود رقم 6،9،11،15  (انظر المرفق)، مما يؤكد غياب الضمانة الحقيقة عن قضايا تعتبر شرطاً أساسياً لانطلاق المفاوضات أكثر مما هي إجراءات بناء ثقة، كما تعد تجاهلاً لضرورة التوقيف الملزم لاستراتيجيات التهجير والإحلال السكاني المتبعة من قبل النظام وحلفائه.

عموماً لا يمكن النظر إلى رؤية دي ميستورا الأخيرة هذه إلا أنها نتاج رغبة أولية (ذاتية ودولية) في تجريب جهد إضافي من شأنه تسكين الملف السوري وفق فرضيات تصوغها الوظيفة الأمنية الدولية العاجزة إلى الآن عن تحجيم الإرهاب بحكم توظيفها له من جهة ولغياب الأجندة الوطنية من جهة أخرى، هذه الصياغة التي تراعي ببوصلتها الأساسية الرؤية السياسية الروسية صاحبة الوكالة الدولية، الأمر الذي يغيب الشروط والمتطلبات الوطنية من هذه العملية برمتها وهو ما يجعلها أقرب إلى شرعنة نظام الاستبداد بادعاءات "الواقعية والشرط الأمني".

التصنيف مقالات الرأي

منذ وصوله للحكم في العام 2002، يدرك جيداً حزب العدالة والتنمية الدور الكبير للجيش التركي في الحياة السياسية، والحساسية العالية لهذا الجيش تجاه الإسلاميين ووصولهم للحكم، بالمقابل يعي الجيش التركي ميل العدالة والتنمية لتقليص نفوذه في الحياة السياسية؛ لذلك لم تخلو العلاقة بين الطرفين من المناكفات والأخذ والجذب طيلة 14 عام من حكم العدالة والتنمية، وبناءً عليه تحاول هذه الورقة التحليلية، الإجابة على السؤال الرئيسي التالي كيف يمكن تفسير هذا التحرك الانقلابي من قبل مجموعة من الجيش التركي؟، وماهي تداعيات فشله على السياسية التركية الداخلية، وخارطة علاقاتها الخارجية.

مقدمة

أقدمت مجموعة من الجيش التركي في الخامس عشر من تموز الفائت على محاولة انقلابية كان مصيرها الفشل، المحاولة التي تعد الخامسة من نوعها منذ قيام الجمهورية التركية 1923، حيث سبقها أربعة انقلابات ناجحة كان أولها على الحكومة المنتخبة برئاسة، عدنان مندريس 1960، في حين كان الثاني في العام 1971 وهو ما عرف "بانقلاب المذكرة"، حيث تم بتوجيه أمر استقالة من الجيش إلى رئيس الحكومة، سليمان ديميريل دون استخدام القوة العسكرية، أما الثالث فقد كان أشدها دموية وحصل في العام 1980 وقاده الجنرال، كنعان إيفرين، ليطيح بالحكومة السادسة التي شكلها سليمان ديميريل، بينما سمّي الرابع بانقلاب" ما بعد الحداثة"، والذي جرى عام 1997 على حكومة حزب الرفاه برئاسة، نجم الدين أربكان، أول رئيس وزراء في تركيا بتوجه إسلامي صريح، حيث عقب هذا الانقلاب تم حظر حزب الرفاه واعتقلت قياداته بما فيهم أربكان ورئيس بلدية اسطنبول آنذاك، رجب طيب أردوغان .
ولعل الانقلابات الأربعة التي سبقت انقلاب تموز الفاشل تشترك بمجموعة من النقاط أهمها:

•    الذريعة الدائمة للانقلابات هي حماية المبادئ الأتاتوركية التي قامت عليها الجمهورية التركية وعلى رأسها العلمانية، كون الجيش التركي ومنذ تأسيس الجمهورية اضطلع دستورياً بدور الحامي للجمهورية وقيمها.
•    الظرف السياسي والاقتصادي السابق للانقلابات كان مهيأ، من حيث وجود ركود وتراجع في المؤشرات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتدني مستوى المعيشة، بالإضافة لحالة من الفوضى السياسية والصراعات بين الأحزاب التي كانت في بعض الحالات دموية كما في انقلابي 1971 و1980، الأمر الذي كان يساهم بخلق حاضنة شعبية للانقلاب.
•    قيادة الانقلابات كانت تشتمل على كبار الضباط في الجيش التركي، بالإضافة إلى الوحدات التي تمثل القوة الضاربة لهذا الجيش، وخصوصاً الجيش الأول التركي، وهو الأكثر تعصباً للقيم العلمانية داخل الجيش.
•    وجود غطاء ومباركة دولية للانقلابات، وبخاصة من شركاء تركيا في حلف الناتو الذين يرغبون بالحفاظ على الصورة التي تخدم مصالحهم للجمهورية التركية، كدولة علمانية تقف في وجه الامتداد الإسلامي خاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية في طهران، وفي وجه تمدد الاتحاد السوفييتي سابقاً في الشرق الأوسط ومن بعده روسيا.

ومنذ وصوله للحكم في العام 2002، أدرك جيداً حزب العدالة والتنمية الدور الكبير للجيش التركي في الحياة السياسية، والحساسية العالية لهذا الجيش اتجاه الإسلاميين ووصولهم للحكم، لذا حاول على امتداد الأربعة عشر عاماً الماضية إجراء تغييرات تشريعية ودستورية تخفف من سيطرة هذا الجيش على الحياة السياسية، تحت غطاء تلبية متطلبات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي مستفيداً في هذا الإطار من كون الاتجاه نحو الغرب هو مطلب أتاتوركي ويلقى تأييداً من كل أطياف الشعب بمن فيهم العلمانيين والليبراليين.

بالمقابل كان الجيش التركي يعي جيداً هذا الميل لتقليص نفوذه من قبل حزب العدالة والتنمية، لذلك لم تخلُ العلاقة بين الطرفين من المناكفات والتجاذبات طيلة الفترة الماضية من حكم العدالة والتنمية، لكن الإنجازات التي حققها العدالة والتنمية خلال زمن قياسي، والتي تمثلت بنهضة حقيقية على مستوى الاقتصاد والبنية التحتية والصحة والتعليم والعلاقات الخارجية لتركيا، وقفت في وجه أي محاولة من قبل الجيش للإطاحة به، وذلك بسبب التأييد الشعبي الكبير للحزب داخلياً والارتياح الأمريكي لتجربة العدالة والتنمية كحزب إسلامي وسطي يشكل نموذجاً للإسلاميين الذين تبحث عنهم الولايات المتحدة الأمريكية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 .

بناءً عليه تحاول هذه الورقة التحليلية الإجابة على السؤال الرئيسي التالي: كيف يمكن تفسير هذا التحرك الانقلابي من قبل مجموعات داخل الجيش التركي؟ وماهي تداعيات فشله على السياسية التركية الداخلية وخارطة علاقاتها الخارجية؟

ويتفرع عن هذا السؤال الرئيسي مجموعة من الأسئلة الفرعية، كالتالي:

1.    ما هي الظروف التي هيأت مناخاً مناسباً للتحرك من وجهة نظر الانقلابيين على الصعيدين الداخلي والخارجي؟
2.    هل فعلاً كان هذا الانقلاب مفاجئاً وغير متوقع بالنسبة للحكومة التركية؟
3.    ما هي أسباب فشل هذا الانقلاب؟
4.    هل يعتبر رد فعل الحكومة التركية غير مسبوق ومبالغ فيه؟
5.    ما هي انعكاسات تلك المحاولة على صعيد السياسة الداخلية والخارجية التركية؟

أولاً: العلاقة بين الجيش وحكومة العدالة والتنمية

يبدو أن لبعض عناصر الجيش التركي أسبابها لحمل الضغينة تجاه حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان. فعلى مدار التاريخ التركي، تمتع الجيش بسطوة كبيرة على الشؤون السياسية في البلاد، وقد نفذ أربع انقلابات عسكرية، مُجبراً السياسيين على الاستقالة وتعامل مع نفسه دائماً على أنه الحارس الأوحد للديمقراطية العلمانية، والذي لا يخضع للمُساءلة.

ومنذ وصوله إلى السلطة عام 2002، انبرى حزب العدالة والتنمية لتقليص النفوذ السياسي للجنرالات، ولتحقيق شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي، حيث شرعت أنقرة بإجراءات لجعل الجيش خاضعاً بشكل أكبر للسلطة المدنية. وقلصت صلاحيات المحاكم العسكرية لصالح المزيد من الصلاحيات للمحاكم المدنية فأصبحت الحكومة تلعب دوراً أكثر فاعلية في تعيين القادة الكبار للجيش. وفي أبريل/نيسان 2007، تعرض الجيش لضربة قوية بعد أن نشر على صفحته الإلكترونية إنذاراً سُمي فيما بعد بـ "الانقلاب الإلكتروني"، يُحذر فيه حزب العدالة والتنمية من مغبة دعم عبد الله غول المعروف بانتمائه التقليدي للتيار الإسلامي، والذي تلبس زوجته الحجاب في انتخابات الرئاسة.

أثار الأمر حينها حفيظة حزب العدالة والتنمية وأنصاره ودفعهم إلى تأكيد موقفهم وإيصال غول إلى منصب الرئاسة. وهكذا فمن خلال محاولته التدخل ضد الحزب ذو الجماهيرية الكبيرة عرض الجيش نفوذه لضربة قاسية، وفي أقرب انتخابات بعد "الانقلاب الإلكتروني" ازداد التصويت لحزب العدالة والتنمية بنسبة 13%.

وفي العام 2008، أطلق حلفاء الحكومة في جهاز القضاء من أنصار فتح الله غولن تحقيقات واسعة حول أنشطة ضباط الجيش في قضية " أرغينيكون" وقضية "المطرقة"، والتي اتهم فيها بعض عناصر الجيش بتدبير انقلاب ضد حزب العدالة والتنمية، حيث جرى حبس العشرات من الجنرالات وتم احتجاز المئات من المسؤولين العسكريين المُتقاعدين.

وفي سبتمبر/ أيلول من العام 2010 أجرت الحكومة التركية، استفتاءً على تعديل بعض بنود الدستور التركي القائم حالياً، والذي وصفه الرئيس أردوغان بـ"دستور الانقلابيين"، باعتبار أن من شرعه في 1982 هم قادة الانقلاب العسكري الثالث بزعامة كنعان إفرين. وتضمنت تلك التعديلات حزمة متعلقة بتقليص سلطة الجيش، وهيئة الأركان، والمحاكم العسكرية، والقوى القومية التركية المتشددة على الحياة السياسية، والمدنية الاجتماعية، لصالح تمكين السلطة السياسية المدنية والمؤسسات المدنية للدولة، وعدم جواز مقاضاة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في غير زمن الحرب، وحصر مهام المحاكم العسكريّة بالنظر في العمليات العسكرية والعسكريين. والأهم كان تعديل المادة 15 التي كانت تحصن الانقلابيين من المحاكمة، حيث تم تعديلها بأثر رجعي، الأمر الذي أدى لمحاكمة قادة انقلاب 1980 في عام 2012، وقادة انقلاب 1997 في 2013.

تُوج الصراع بين الحزب والجيش بالاستقالة الجماعية للمجلس العسكري التركي الأعلى في أواخر يوليو/تموز 2011، الاستقالة التي اعتبرت آنذاك علامة فارقة على استسلام الجيش للمدنيين، وفي أغسطس/آب 2013 عينت الحكومة قادة جدداً للجيش في إطار تغييرات شاملة في القيادات الكبرى تؤكد سيطرتها على القوات المسلحة، وقدرتها على تحجيم دور الجيش الذي ظل يهيمن خلال حقبة طويلة على الحياة السياسية في البلاد. وقرر مجلس الشورى العسكري الأعلى -في اجتماع ترأسه رئيس الوزراء أردوغان-تعيين الجنرال خلوصي أكار قائدا للقوات البرية، وتعيين نائب الأميرال بولنت بستان أوغلو قائداً للقوات البحرية، والفريق أكين أوزترك قائداً للقوت الجوية، والجنرال ثروت يوروك قائداً لقوات الأمن.

بعد ذلك الحين ظهرت عدة مؤشرات تدل على ابتعاد الجيش عن الحياة السياسية، وخضوعه لسلطة الحكومة المدنية المنتخبة، ولعل أصدق تعبير عن تلك الحالة كان في ديسمبر/كانون الثاني 2013، حيث تعهد الجيش بعدم التدخل فيما وُصف بأنه "فضيحة فساد" تتعلق بالحكومة، دعت بسببها المعارضة جماهيرها إلى تنظيم مظاهرات للمطالبة برحيل الحكومة. وأكدت القوات المسلحة التركية أنها "ستحرص بشدة على تفادي الجدل السياسي وتبعد نفسها عن أية آراء وتشكيلات سياسية". ثم مرر البرلمان التركي في شباط فبراير 2014 تعديلات جديدة على قانون الجيش صادق عليها رئيس الجمهورية عبد الله غل. ويقضي أبرز هذه التعديلات بفتح الطريق أمام إمكانية محاكمة رئيس هيئة الأركان العامة وقادة القوات المسلحة وقوات الدرك أمام محكمة الديوان العليا بدل المحكمة الجنائية، في حال ارتكابهم جرائم تتعلق بمناصبهم، الأمر الذي يعني تطويق الحكومة المدنية لأي إمكانية لانقلاب الجيش عليه.، وتمت ترجمة حالة الهدوء في العلاقة بين الجيش والحكومة إلى جملة من أحكام البراءة صدرت عن المحاكم التركية في عامي 2014-2015 بحق ما يقارب 300 ضابط، اتهموا بالتآمر ومحاولة الانقلاب على حكومة العدالة والتنمية في قضايا "أرغنيكون" و" المطرقة".

ما استعرضناه من سياق العلاقة بين حكومة العدالة والتنمية والجيش التركي، يشير إلى حالة من عدم الثقة المتبادلة بين الطرفين، اتسمت بمحاولات احتواء دور الجيش في الحياة السياسة وإعادته إلى دوره الطبيعي في حماية الحدود فقط من جانب الحكومة، مقابل حالة من عدم القبول والمقاومة المستمرة من قبل الجيش -الذي يعتبر نفسه الحامي للمبادئ العلمانية-لخسارة موقعه المسيطر على المشهد السياسي التركي.

لذا فإن الجيش التركي وإن بدا بمجمله قد رضخ للحكومة وابتعد عن التدخل في الشأن الداخلي، إلا أن انقلاب تموز الفاشل قد بين وجود مجموعة داخل هذا الجيش ترفض هذا الخضوع، وأنها كانت تنتظر اللحظة المناسبة للانقلاب على حكومة العدالة والتنمية وإعادة الحالة التركية إلى ما كانت عليه قبل العام 2002، مدفوعين على ما يبدو بقناعة أن ما تعيشه تركيا من حالة عزلة خارجية وتوترات داخلية قد يخلق لهم غطاءً دولياً للانقلاب.

ثانياً: الوضع الخارجي والانعطافة الخاطفة (رفع الغطاء الدولي)

يبدو أن الانعطاف الخاطف في العلاقات الخارجية التركية، والذي سبق الانقلاب بفترة وجيزة؛ كسر من حالة العزلة التي كانت تعيشها الحكومة التركية، وحرم الانقلابيين من استغلالها كغطاء دولي لتحركهم، لذا من الأهمية بمكان دراسة هذا الانعطاف والتحول كمرحلة سابقة للانقلاب، وأساس لاستشراف التحولات التي ستشهدها السياسة التركية الداخلية والخارجية بعده، فبقدر ما كان الانقلاب الفاشل في تركيا 15تموز 2016 مفاجئاً؛ بقدر ما كانت بعض أسبابه مفسرة للتحول في السياسة الخارجية التركية الذي حدث قبل أسبوعين فقط، والذي تمثل بحدثين هامين جداً:

الأول: المرونة التي أبداها الرئيس رجب طيب أردوغان فيما يتعلق بالمطالب الروسية لإعادة العلاقات بين البلدين إثر الخلاف حول إسقاط الطائرة الروسية من قبل تركيا.

 الثاني: تسوية الخلاف مع إسرائيل المتعلق بسفينة مرمرة وإبداء مرونة حول شرط رفع الحصار عن غزة لإعادة تطبيع العلاقات تدريجياً مقابل الاعتذار والتعويض لذوي الضحايا.

إن تلك المصالحات المفاجئة والمتزامنة الحدوث بفارق يوم واحد كانت صادمة للجميع، حيث اقتصرت معظم التحليلات التي تناولتها على ربطها بحالة العزلة الدولية التي باتت تعيشها تركيا مع ازدياد أعدائها بعد أزمة الطائرة الروسية، وحالة الجفاء والفتور بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تضارب وجهات النظر حول الأزمة السورية، وانقطاع العلاقة مع مصر بعد انقلاب السيسي، ومع العراق على خلفية محاولة دخول الجيش التركي إلى شمال العراق، وتوتر العلاقات التركية الإيرانية بسبب الملف السوري وتقارب تركيا مع السعودية، بالإضافة إلى تعرقل تطبيق اتفاق أنقرة مع الاتحاد الأوروبي حول اللاجئين، والذي كان يمكن أن يشكل أحد بنوده والمتعلق بإعفاء الأتراك من تأشيرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي خطوة باتجاه انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، بحيث باتت تركيا تتجه نحو صفر أصدقاء بدل من صفر مشكلات وهي الاستراتيجية المعلنة لحزب العدالة والتنمية منذ وصوله للحكم.

ولكن لم يكن متوقعاً أن تنعكس تلك الأزمات على الداخل التركي، والتي تمثلت بتحدٍ اقتصادي نتيجة العقوبات التي فرضتها موسكو على المنتجات التركية وتعليق بعض الاتفاقيات الهامة المتعلقة بالطاقة بين البلدين، إضافة لارتفاع وتيرة العمليات الإرهابية التي ضربت المدن التركية الكبرى (أنقرة واسطنبول) وانهيار اتفاق التهدئة مع حزب العمال الكردستاني وعودة الاضطرابات إلى محافظات الجنوب التركي وخسائر القوات التركية التي تجاوزت الخمسمائة جندي خلال عام، وازدياد احتمالات تشكل إقليم كردي في سورية قد يصل ببعض الضباط الأتراك للانقلاب.

إلا أن ما رشح من معلومات حول الانقلاب يشير إلى أن هذا التحرك العسكري كان ضمن حسابات الحكومة التركية، وأنها باغتته بتغييرات على صعيد السياستين الداخلية والخارجية ساهمت بإحباط إمكانية استغلال الانقلابيين لتوتر العلاقات الخارجية التركية وإشكاليات السياسة الداخلية بين حزب العدالة والتنمية وأحزاب المعارضة بأطيافها المتنوعة لتشكيل غطاء شرعي للانقلاب، مما جعل الانقلاب حركة ارتجالية من ضباط تحت المراقبة غامروا بالتحرك كخيار أخير، قبل أن يتم اجتثاثهم في اجتماع مجلس شورى الجيش التركي المقرر بعد شهر من تاريخ الانقلاب. وضمن هذا السياق يمكن فهم سبب عزم حكومة بن علي يلديريم على إعادة هيكلة العلاقات الخارجية التركية والعودة إلى سياسة صفر مشاكل، لرفع أي غطاء دولي محتمل لأي تحرك عسكري متوقع داخل صفوف الجيش.

إسرائيل وموسكو (الملفات متشابكة)

يشير حرص تركيا على تطبيع العلاقات مع إسرائيل، والذي أنهى التوتر المتصاعد منذ عام 2010، بالتوازي مع تحسين العلاقات مع روسيا، إلى أنها تسعى إلى خلق فضاءات للمناورة في سياستها الخارجية، وهو ما يعود إلى اعتبارات عديدة، يرتبط بعضها بالتطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الداخلية التركية، ويتعلق بعضها الآخر بالتداعيات التي فرضتها تلك السياسة على مصالح تركيا التي تواجه تحديات عديدة خلال الفترة الحالية في ظل تصاعد العمليات الإرهابية في بعض المدن الرئيسية واستمرار الأزمة السورية دون تسوية.

قد يفسر اتجاه تركيا نحو تسوية المشكلات العالقة مع كل من روسيا وإسرائيل في وقت واحد في ضوء اعتبارات عدة، نذكر أهمها:

أولاً: احتواء المشكلات

تسعى أنقرة إلى العودة من جديد لتبني سياسة تقليل الأعداء مع بعض القوى المعنية بأزمات الشرق الأوسط، بعد أن تصاعدت تلك الإشكالات بدرجة غير مسبوقة، سواء مع روسيا بسبب أزمة إسقاط المقاتلة الروسية في نوفمبر 2015، أو مع إسرائيل بسبب أزمة الهجوم الإسرائيلي على "أسطول الحرية" في عام 2010، أو مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الخلاف حول التعامل مع تطورات الأزمة في سورية، لاسيما فيما يتعلق بالموقف من دور الميليشيات الكردية في الحرب ضد تنظيم "داعش" ومن إقامة منطقة آمنة في شمال سورية، أو مع إيران التي تتباين مصالحها وسياستها مع تركيا بشكل كامل في سورية. وقد انعكس هذا التوجه الجديد الذي تتبناه أنقرة في تصريحات رئيس الوزراء، بن علي يلدرم، والتي أكد فيها أن "تركيا تسعى إلى تقليص الأعداء وزيادة الأصدقاء"، هذا التصريح تحديدًا يشير إلى حرص يلدرم على انتهاج سياسة جديدة تعيد فتح علاقات توترت سابقاً من خلال "تصفير المشكلات" مع دول الجوار، والتي بدا أنها واجهت عقبات عديدة بسبب تحول أنماط علاقات تركيا مع معظم تلك الدول من التعاون إلى الصراع والخلاف في الأعوام الأخيرة.

ثانياً: تقليص وتفكيك حجم الضغوط

تعرضت تركيا لعدة ضغوطات بسبب سياستها الخارجية، لا سيما تجاه الأزمة السورية، حيث بدا جلياً أن الأكراد حاولوا استثمار التوتر التركي –الروسي من أجل الحصول على مكاسب سياسية من أنقرة. وقد كان إسقاط مقاتلي حزب العمال الكردستاني لمروحية تركية بصاروخ روسي الصنع في مايو 2016، فضلاً عن التقارب الملحوظ بين روسيا والأكراد، والذي انعكس في الزيارات التي قام بها بعض المسؤولين الأكراد إلى موسكو، إشارة إلى التداعيات السلبية التي يمكن أن ينتجها استمرار التوتر في العلاقات بين أنقرة وموسكو، وبعبارة أخرى، فإن أنقرة سعت من خلال تقليص حدة التوتر في العلاقات مع موسكو، إلى فرض مزيد من الضغوط على الأكراد، في ظل الصراع المتصاعد بين الطرفين، سواء بسبب اتهام تركيا للأكراد بممارسة أنشطة إرهابية، أو بسبب مخاوفها من احتمالات تعزيز دورهم في سورية في ظل الدعم الدولي الذي تحظى به بعض الميليشيات الكردية بسبب دورها في الحرب ضد "تنظيم الدولة الاسلامية". ومثل ذلك بدوره محوراً للخلاف مع بعض القوى الدولية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي ترى أن الدور الذي تقوم به الميليشيات الكردية حيوي في إلحاق أكبر قدر من الخسائر في صفوف التنظيم. وقد كانت تلك المخاوف سبباً في الجهود الحثيثة التي بذلتها أنقرة من أجل منع الأكراد من المشاركة في المفاوضات التي تجري بين النظام السوري ووفد المعارضة في جنيف للوصول إلى تسوية سياسية للأزمة السورية، والتي توقفت في الفترة الحالية بسبب استمرار الملفات الخلافية العالقة بين الأطراف المعنية بالأزمة.

ثالثاً: التنسيق السياسي الأمني

تسعى تركيا إلى رفع مستوى التنسيق السياسي والأمني مع كل من روسيا وإسرائيل في التعامل مع تطورات الأزمة السورية، خاصة في ظل الأهمية التي تبديها موسكو وتل أبيب لتلك الأزمة، حيث تحولت الأولى إلى طرف رئيسي في الصراع بعد رفع مستوى انخراطها العسكري والسياسي في الأزمة، فيما تتابع الثانية بدقة تطورات المواجهات المسلحة بين النظام السوري وحلفائه، لا سيما حزب الله اللبناني، وقوى المعارضة المسلحة إلى جانب نشاط التنظيمات الإرهابية، خاصة "تنظيم الدولة ".

وهنا، فقد تعتبر أنقرة أن تحسين العلاقات مع كل من موسكو وتل أبيب يمكن أن يساعدها بإعادة تفعيل دورها في "الأزمة" السورية، الذي تراجع في الفترة الماضية، بسبب اتساع نطاق الخلاف مع واشنطن حول الموقف من الدور الكردي في الحرب ضد "تنظيم الدولة" وإقامة منطقة آمنة في شمال سورية، فضلاً عن اتجاه واشنطن إلى التفاهم مع موسكو حول الوصول إلى تسوية سياسية "للأزمة" بشكل، ربما ينتج تداعيات لا تتوافق بدرجة ما مع مصالح أنقرة. فضلاً عن ذلك، فإن رفع مستوى التنسيق السياسي والعسكري من خلال تحسين العلاقات مع موسكو وتل أبيب يمكن أن يساعد أنقرة في التعامل مع التهديدات التي تتعرض لها بسبب تصاعد حدة العمليات الإرهابية التي تقع داخل المدن التركية الرئيسية مثل اسطنبول وأنقرة.

رابعاً: المصالح الاقتصادية

كان للمصالح الاقتصادية دورها في اتجاه تركيا إلى تحسين العلاقات مع روسيا وإسرائيل، حيث بدا واضحاً أن التوتر في العلاقات مع موسكو فرض خسائر عديدة على الاقتصاد التركي بسبب تراجع السياحة الروسية وتقييد استيراد المواد الغذائية من تركيا، في الوقت الذي عاني فيه الاقتصاد من تحديات عديدة، لا سيما وأن روسيا تزود تركيا بأكثر من 70% من وارداتها من الغاز الطبيعي وبأسعار تفضيلية، الأمر الذي يجعل من الصعب على الأتراك إيجاد بدائل عن الغاز الروسي. إضافة إلى ذلك يلحظ ارتباط الطرفين بمشاريع استراتيجية مثل العقد الروسي لإنشاء محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية بقيمة 20 مليار دولار في مدينة مرسين التركية، وخط السيل التركي الذي ينقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية، والذي يعد استراتيجياً لروسيا بقدر ما يخدم المصلحة التركية بالتحول إلى ممر لنقل الطاقة إلى أوروبا. وهنا يلعب الغاز الإسرائيلي المكتشف حديثاً في حقول البحر المتوسط دوراً في حاجة الطرفين التركي والإسرائيلي إلى تصفية الخلافات بينهما، كون تركيا ترغب باستيراد الغاز الإسرائيلي لتنويع مصادرها. وبالمقابل تعتبر إسرائيل السوق التركية سوقاً واعدة ومغرية بالنسبة لها، كما تحاول تركيا استجرار الصادرات الإسرائيلية من الغاز للمرور عبر أراضيها، لقطع الطريق على المشروع الذي تعتزم إسرائيل إقامته بالتعاون مع قبرص واليونان لمد خط أنابيب ينقل غاز إسرائيل وقبرص عبر البحر إلى اليونان ومن ثم إلى أوروبا، وهو ما تم الاتفاق بين الدول الثلاثة على تشكيل لجنة لدراسته عقب اجتماع جمع قادة البلدان في كانون الثاني/يناير 2016.

ثالثاً: الوضع الداخلي (مؤشرات)

منذ وصوله للحكم في العام 2002، استطاع حزب العدالة والتنمية تحقيق نقلة نوعية شاملة في تركيا على صعيد الاقتصاد التركي والبنية التحتية والصحة والتعليم والعلاقات الخارجية من حيث الانفتاح على المنطقة العربية وإنجاز العديد من الشروط اللازمة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، الأمر الذي وسع من قاعدته الشعبية وزاد من حجم التأييد له في الشارع التركي، مما انعكس في قدرته على البقاء في السلطة لمدة 14 عاماً. ولكن ومع بداية الربيع العربي في العام 2011 وانخراط تركيا كداعم واضح لتطلعات الشعوب، وخاصة الثورة السورية، بدأت تظهر بعض المؤشرات المعارضة للسياسة التي ينتهجها العدالة والتنمية في الأوساط السياسية والعسكرية نتيجة الأعباء التي تركتها سياسة الانخراط في الشرق الأوسط على الوضع الداخلي التركي. لذلك يبدو أن انعكاس أزمات تركيا الخارجية على الوضع الداخلي بشكل أزمات مركبة (سياسية، أمنية، اقتصادية)، شكل مؤشرات وثغرات يبدو أن الانقلابيين التقطوها وتصوروا بأنها يمكن أن تعطي لتحركهم زخماً شعبياً وغطاءً شرعياً.

ويمكن إجمال أبرز توترات الوضع الداخلي التركي خلال السنوات الخمس الماضية في النقاط التالية:

•    "الأزمة" السورية: عاد الملف السوري بتداعيات عدة على حكومة العدالة والتنمية، حيث رتب أعباء مالية على كاهل تركيا، فعلاوة على الاستنزاف المادي بسبب التكلفة الباهظة لدعم المعارضة المسلحة ولصد طموحات حزب العمال الكردستاني في سورية، تحملت أيضاً تكلفة باهظة لإيواء 3 ملايين من اللاجئين السوريين.
•    الصعود الإسلامي: يُعد توجه تركيا نحو العالم العربي والإسلامي سياسياً واقتصادياً قُبيل أحداث الربيع العربي أحد أسباب الاحتقان الداخلي بين أحزاب المعارضة وجماعة غولن مع حزب العدالة الحاكم. وتتهم أحزاب المعارضة حزب العدالة بأنه دعم أحزاباً إسلامية للوصول للحكم في دول عربية بما يُعتبر لدى البعض مؤشرات داخلية خطرة على علمانية الجمهورية التركية. كما أن دور تركيا في دعم التحالف الإسلامي على الإرهاب الذي دعت إليه السعودية وغيره من المبادرات مع الدول المسلمة تم تصديره بأنه ابتعاد عن الحليف الأمريكي والأوروبي، ولا يخفى أن هذه المواقف لاقت إعجاباً وتأييداً من بعض الأطراف الغربية. كما أن "الخطاب الإسلامي" المتزايد للحزب وانفتاحه المتزايد مع الحركات الإسلامية في الدول العربية أدى لمزيد من الاحتقان الداخلي.
•    الاحتجاجات الشعبية: في الثامن والعشرين من أيار 2013 اندلعت في تركيا موجة من الاحتجاجات الشعبية على تعامل أجهزة الأمن التركية مع اعتصام قريب من "حديقة غيزي "، يناهض سياسات الحكومة البيئية وخطتها في توسيع ساحة تقسيم في تلك المنطقة. إلا أنّ ما أجّج تلك الاحتجاجات هو الدعاية التحريضية التي استغلتها المعارضة التركية حول ما يرونه تضييقاً على الحريّات، و"فضائح الفساد التي طالت حزب العدالة والتنمية نفسه وعدداً من وزرائه، وتزايدِ سطوة الحزب الحاكم وتهديد مبادئ الدولة التركية العلمانيّة وغير ذلك".
•    النظام الرئاسي: طرح الرئيس رجب طيب أردوغان تحويل النظام التركي إلى نظام رئاسي، الأمر الذي أدى إلى تصاعد الأصوات المعارضة لهذا الطرح في الشارع التركي، وانعكس ذلك في نتائج انتخابات حزيران/ يونيو 2015 والتي لم يتمكن فيها الحزب من الحصول على الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة بمفرده، حيث حاز على 41% من الأصوات فقط، وترافق ذلك بصعود نجم حزب الشعوب الديمقراطي الكردي.
•    أزمات اقتصادية: كان لتوتر علاقات تركيا مع محيطها الإقليمي، ودخولها في صدامات دبلوماسية مع روسيا بعد إسقاطها لطائرة روسية على الحدود التركية السورية، وتعرضها لعقوبات روسية آثار صعبة على الاقتصاد التركي، من حيث تراجع السياحة والصادرات التركية وارتفاع نسبة التضخم، الأمر الذي انعكس على المستوى المعيشي للمواطن التركي.
•    توترات حزبية: ظهرت تجاذبات داخل حزب العدالة والتنمية كانت تتفاعل منذ فترة ليست بالقصيرة، بين طرفين داخل الحزب، طرف يمسك بزمام الأمور، يتلقى التوجيهات من الرئيس رجب طيب أردوغان بشكل مباشر، وطرف آخر أقل حجماً وأضعف تأثيراً يلتف حول رئيس الوزراء أحمد داوود أوغلو، وانتهت تلك التوترات بغياب عبد الله غول عن المشهد السياسي واستقالة أحمد داوود أوغلو.
•    الحريات العامة: ارتفعت وتيرة حملات منظمة ضد الحكومة التركية ترفع ادعاءات قمع الحريات العامة من قبل منظمات حقوقية وصحفية، وبلغت تلك الحملات أوجها في قضية محاكمة الصحفي جان دوندار في أيار/مايو 2016، والتي حضرها ستة من قناصل الدول الأوروبية في خطوة استفزازية للحكومة التركية تعبر عن احتجاج غربي على تلك المحاكمة.
•    التهديد الأمني: انهيار اتفاق الهدنة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، واستئناف الأخير لعملياته الإرهابية الموجهة ضد الجيش التركي، والتي أدت إلى قتل مئات الجنود الأتراك، بالإضافة لإعلان داعش عن تبني العديد من الهجمات الإرهابية على الأراضي التركية، الأمر الذي أدى إلى تشكل حالة من القلق في الشارع التركي نتيجة ما يراه البعض تقصيراً أمنياً داخل الجيش التركي والأحزاب التركية المعارضة وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري حول الأخطاء التي ترتكبها الحكومة في تعاطيها مع الملف السوري.

لقد عمل حزب العدالة على إجراء العديد من المراجعات الداخلية لمحاولة احتواء التوترات الداخلية ومعالجة أسبابها سواء المفتعلة من جهات مصلحية أو دولية أو الحقيقية -وخاصة بعد انتخابات حزيران/يونيو 2015-، والتي من شأنها سحب المبررات الموجبة لأي انقلاب محتمل. ومن أبرز الإجراءات الداخلية:

1.    إدراك حزب العدالة والتنمية لما حملته نتيجة انتخابات حزيران/يونيو 2015 من مضامين، وتنامي أطروحات تشكيل حكومة ائتلافية جامعة. فدخل مع باقي الأحزاب في مفاوضات لتشكيل حكومة ائتلافية، واستغلّ جيّداً إعلان حزب الحركة القومي اليميني عن رفضه المشاركة في حكومة ائتلافية مع "العدالة والتنمية"، وهو ما فعله حزب الشعوب الديموقراطي، وكذلك حزب الشعب الجمهوري، الذي قدّم مطالب وشروطاً شبه تعجيزية. وقدم حزب العدالة والتنمية نفسه بصفته الحزب الوحيد القادر على قيادة تركيا وتوحيد الصف الداخلي، وإعادة الاستقرار السياسي الاقتصادي الأمني لها، متّهماً أحزاب المعارضة بالمسؤولية عن حالة عدم الاستقرار لرفضها تشكيل ائتلاف مستقر.
2.    غيّر حزب العدالة والتنمية كذلك تكتيكاته واستراتيجيته الانتخابية بالكامل، حيث أعاد تشكيل لائحة مرشحيه، لتكون أكثر قبولاً، خصوصاً في المناطق الكردية، وأنجز تفاهمات مع زعماء العشائر وقادتها.
3.    قاد رئيس الوزراء زعيم الحزب، أحمد داود أوغلو الحملة الانتخابية للحزب، وغاب الرئيس رجب طيب أردوغان عن واجهة الحملة، كما تم إبعاد بند النظام الرئاسي المثير للجدل عن جدول الأعمال، تلك الإجراءات ساهمت بازدياد شعبية الحزب التي تراجعت في انتخابات يونيو خلال خمسة أشهر فقط لترتفع بمعدل 9% في انتخابات نوفمبر 2015 ليحصد الحزب 317 مقعداً من أصل 550 مقعداً في البرلمان التركي، مع تراجع شعبية باقي الأحزاب.
4.    قدرة قيادة حزب العدالة والتنمية على تصفية الخلافات داخل الحزب بهدوء وعبر التفاهمات، وعدم تصدير تلك الأزمة إلى خارج نطاق الحزب، حيث ظهر الحزب موحد الصفوف وصعب التفتيت من الداخل، الأمر الذي عبر عنه رئيس الحزب المستقيل داوود أوغلو في كلمته الشهيرة 5 مايو /أيار 2016 التي أعلن فيها عدم ترشحه لرئاسة الحزب.
5.    تعيين بن علي يلدرم رئيساً للحكومة، وهو "رائد التنمية ومهندس تطوير البنية التحتية التركية"، في رسالة تثبت التزام حزب العدالة والتنمية بخطته التنموية وصولاً إلى تحقيق رؤيته لتركيا 2023، وقد بدأ يلدرم منذ الأيام الأولى لتوليه الحكومة بطرح مشروعات تنموية خاصة في الولايات ذات الأغلبية الكردية، وأعلن عن تقريب مواعيد افتتاح بعض المشروعات الاستراتيجية مثل مشروع نفق أوراسيا.

رابعاً: الانقلاب الفاشل ورد فعل الحكومة

شكلت جملة العوامل الداخلية والخارجية على ما يبدو مجالاً يمكن استغلاله للانقلاب على حكومة العدالة والتنمية، والتي تشير عدم قدرتها على كشف الموعد الدقيق لتحرك الانقلابيين مسبقاً؛ إلى أنها أمِنَت في الفترة الأخيرة جانب الجيش. ولعل تأجيل تسريح بعض الضباط المشكوك فيهم إلى آب/أغسطس موعد انعقاد المجلس الأعلى للقوات التركية قد يدلل على ذلك، ومنهم قائد الانقلاب أكين أوزتورك الجنرال الذي أقيل من رئاسة القوات الجوية التركية، ولكنه بقي عضواً في المجلس الأعلى، لذا يبدو أنه اختار التحرك في هذا الوقت.

بالمقابل يبدو أن الانقلابيين غاب عنهم دراسة مزاج الشارع التركي وهو أمر معتاد في تعاطي العسكر مع المدنيين، لذا استخدموا الوسائل التقليدية للانقلاب ونزلت الدبابات إلى الشوارع وتمت السيطرة بالقوة على وسائل الإعلام، وأذيع البيان الأول للانقلابيين، موجهين عبره رسالتين الأولى: كانت للداخل التركي وتمحورت حول حماية قيم الجمهورية والعلمانية. والثانية: كانت للخارج وحملت إشارات لتغيير السياسة الخارجية التركية، حيث تم التعبير عن رغبة الانقلابيين بتأسيس علاقات أقوى مع المنظمات والمجتمع الدوليين "لإحلال السلام والاستقرار العالمي"، ولعل تلك الرسالتين تدعمان ما تقدم من تحليل حول علاقة الظروف الداخلية والخارجية التي تمر بها تركيا وتوقيت تحرك الانقلابيين.

حسم الشعب التركي خياره ليلة الانقلاب ودافع عن خياره الديمقراطي وحكومته الشرعية، وأفشل المحاولة الانقلابية في موقف بطولي يعبر عن ديمقراطية راسخة ورفض العودة إلى عصر الانقلابات وعدم الاستقرار، لتبدأ بعدها قوات الأمن الداخلي التركية بتصفية فلول الانقلابيين، ومن يقف وراء تلك المحاولة الفاشلة من عسكريين ومنتسبين إلى ما يعرف بـ "جماعة الخدمة " أو "الكيان الموازي" التابع لفتح الله غولن، والذي اتهمته الحكومة التركية بالوقوف خلف تلك المحاولة. وشنت الشرطة التركية حملة اعتقالات طالت بحسب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطاب متلفز يوم السبت 23 تموز/ يوليو، " 13165 من بين هؤلاء 8838 عسكريا و2101 من القضاة والمدعين العامين و1485 من الشرطة، و52 من رؤساء الخدمة العامة و689 مدنيا"، وبحسب الرئيس" تم غلق 934 مدرسة و15 جامعة، إلى جانب 104 منظمات و1125 جمعية. وقد تمت مصادرة كل ممتلكاتهم من قبل الدولة" ، كمابلغ عدد من تسريحهم من وظائفهم 45 ألف موظف في مختلف المؤسسات التركية.

حملة الاعتقالات والتسريحات تلك رغم أنها تمت في سياق قانوني ودستوري إلا أنها أحدثت ضجة إعلامية كبرى، وأثارت عاصفة من التصريحات الأوروبية والأمريكية التي اعتبرت ما يحدث "عملية انتقامية" من طرف الحكومة، لكن رد فعل الأخيرة على الانقلاب والذي شكل فرصة لها لاجتثاث "الكيان الموازي" من جذوره، يلاقي تأييداً شعبياً في تركيا كونه لم يخرج عن إطار المألوف التركي في مثل هذه الحالات، فالاعتقالات والتسريح في المؤسسات العسكرية والمدنية هو ما كان يحدث عقب أي انقلاب في تركيا، والفارق هنا أن الانقلاب كان فاشلاً فقامت الحكومة بتلك الاعتقالات وليس العكس.

ففي الانقلاب الأول الذي شهدته تركيا في العام 1960 تم إقالة 235 قائداً وأكثر من 3000 ضابط مكلف على التقاعد؛ وتم تسريح أكثر من 500 قاض ونائب عام، و1400 من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات؛ وتم إعدام رئيس الحكومة عدنان مندريس ووزير الخارجية فطين زورلو ووزير المالية حسن بولاتكان. أما الانقلاب الثاني والذي عرف بانقلاب المذكرة، دون تدخل الجيش بقوات على الأرض، فقد أعقبه تعطيل الدستور وحظر للعديد من الأحزاب والنقابات العمالية والتنظيمات الشبابية.

وفي 1980 كانت حصيلة انقلاب كنعان إيفرين اعتقال 650 ألف شخص، ومحاكمة 230 ألف شخص، و517 حكماً بالإعدام، و299 حالة وفاة بسبب التعذيب، كما انتحر 43 شخصاً وقُتل 16أثناء هروبهم، واعتبر الآلاف في عداد المفقودين، ناهيك عن إقالة 3654 مدرساً و47 قاضياً و120 أستاذاً جامعياً، ورصدت الأجهزة الأمنية التابعة للانقلاب مليون ونصف مواطن تركي وقيدتهم في سجلات الأمن كمطلوبين أمنياً وخطر على الأمن القومي التركي، وفر 30 ألف شخص من المعارضين والمفكرين وطلبوا حق اللجوء السياسي خارج تركيا، وتم إسقاط الجنسية عن ما يقارب 13 ألف مواطن تركي.

في حين أعقب انقلاب "ما بعد الحداثة" عام 1997 حظر لحزب الرفاه بحكم قضائي وفقاً لقانون 1982 بتهمة "السعي إلى تطبيق الشريعة وإقامة النظام الرجعي"، وتم إيداع رئيس الحزب نجم الدين أربكان في السجن مع مجموعة من قادة حزبه ومنهم رجب طيب أردوغان، وحرمان بعضهم من العمل السياسي لمدة 5-10 سنوات.

خامساً: المآلات المحتملة

رغم فشل الانقلاب، إلا أنه سيشكل تحولاً كبيراً ومنعطفاً هاماً في الحياة السياسية التركية عامةً وفي مسيرة حزب العدالة والتنمية بشكلٍ خاص، وسيرتب عليه تسريع وتيرة التغيرات الداخلية والخارجية التي بدأها قبل الانقلاب؛ لاستدراك الأخطاء التي تم استغلالها من قبل الانقلابيين. وبناءً على ذلك يمكن استخلاص بعض النتائج التي ستتمخض عن تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة، على صعيد السياسة التركية الداخلية والخارجية:

على الصعيد الداخلي:

1.    ستشهد الفترة المقبلة تركيز اً لجهود الحكومة التركية على استكمال ما بدأته فوراً عقب الانقلاب من عملية "اجتثاث" نهائي لما يسمى الكيان الموازي الموالي لفتح الله غولن، ومحاولات تطهير كافة المؤسسات التركية من أنصاره، وبخاصة القضاء والتعليم.
2.    استمرار عملية إعادة الهيكلة الشاملة للجيش وقوى الأمن الداخلي والشرطة التركية، والتي كانت بداياتها من اجتماع المجلس الأعلى للجيش التركي، والذي عُقد قبل موعده الرسمي بأيام.
3.    ازدياد شعبية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه في الشارع التركي، الأمر الذي سيخلق غطاءً شعبياً للحملة التي يشنها على الكيان الموازي، ولكن هذا لا يمنع أن التوسع في الاعتقالات والتسريح من العمل، والذي طال عشرات الآلاف في المؤسسات التركية المختلفة قد يخلق حالة من الخلل الأمني أو المجتمعي في الأيام المقبلة ناتجة عن فقد الوظائف.
4.    موقف الأحزاب التركية الداعم للحكومة الشرعية والرافض للانقلاب، سيُساهم بتخفيف حدة التجاذبات والاستقطاب التي كانت سائدة بينها وبين العدالة والتنمية ويهيئ للدخول في مرحلة جديدة مبنية على أسس من التفاهم، وهذا سيتطلب من حزب العدالة والتنمية التعامل مع هذا الموقف الإيجابي بحذر من ناحية التغييرات الهيكلية التي سيجريها في الجيش والقضاء وباقي المؤسسات التركية كي لا تفهم باتجاه تعميق سيطرته على مرافق الدولة والحكم، كما تتطلب الأيام القادمة تأجيل أو التدرج في طرح تعديل النظام التركي وتحويله إلى نظام رئاسي، وهو ما ترفضه الأحزاب المعارضة جميعها.
5.    على الرغم من توجيه الجيش التركي ضربة جوية لمواقع حزب العمال الكردستاني في العراق بعد خمسة أيام على محاولة الانقلاب، في رسالة تحذيرية لعدم استغلال ما حدث في تصعيد هجماته، إلا أن حجم الاعتقالات الكبير الذي طال قيادات عسكرية وأمنية، مقابل إعادة هيكلة تلك المؤسسات؛ لا بد أن يلقي بظلاله على الوضع الأمني داخل تركيا على المدى القصير والمتوسط من حيث احتمال ازدياد عمليات حزب العمال الكردستاني و"داعش".

على الصعيد الخارجي:

سادت في تركيا بعد الانقلاب حالة من الخذلان على المستوى الشعبي والرسمي نتيجة للمواقف المتأنية في إدانة الانقلاب في لحظاته الأولى من كافة الدول تقريباً، وعلى رأسها حلفاء تركيا في الناتو (الأمريكان والأوربيون)، لذا فإنه من المتوقع أن تشمل إعادة الهيكلة حتى العلاقات الخارجية التركية، على أساس الانقلاب وما تلاه من مواقف للدول، وما سيرشح في الأيام القادمة حول احتمالات تورط بعض الدول في التخطيط للانقلاب، وعليه:

1.    لا يبدو أن حالة الفتور في العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية ستنتهي قريباً، خصوصاً بعد الموقف الأمريكي المتأخر في إدانة الانقلاب، وإثارة تساؤلات كثيرة حول دور أمريكي محتمل في الانقلاب بعد اكتشاف تورط قاعدة إنجيرلك فيه، ورغم تشديد الرئيس التركي عقب الانقلاب على استراتيجية العلاقة مع واشنطن إلا أن تلبية واشنطن لطلب أنقرة في تسليم فتح الله غولن سيشكل اختبار ثقة بين الطرفين وسيكون له انعكاسات كبرى على العلاقة بين البلدين، هذا بالإضافة إلى ملف دعم الولايات المتحدة الأمريكية لقوات سورية الديمقراطية، والتي تشكل عمودها الفقري مليشيات الـ PYD الكردية التابعة لحزب العمال الكردستاني .
2.    العلاقة مع الاتحاد الأوروبي لن تكون أفضل حالاً مما كانت عليه قبل الانقلاب، بل من الممكن أن يزداد ملف تطبيق الاتفاق الثنائي حول اللاجئين وملف انضمام تركيا تعقيداً، خصوصاً عقب الموقف المتأخر للاتحاد الاوروبي ومعظم أعضائه من الانقلاب، ومن ثم سلسلة من الانتقادات الحادة على لسان فريدريكا موغريني وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي للإجراءات التركية عقب الانقلاب، والتهديد بحرمان تركيا نهائياً من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي إذا تمت إعادة عقوبة الإعدام.
3.    حالة الفتور التي تعمقت بعد الانقلاب بين تركيا وحلفاءها "الناتويين"؛ ستدفع تركيا لاستكمال ما بدأت به قبيل الانقلاب من مصالحة مع روسيا وإسرائيل وتسريع إعادة العلاقات معهما إلى شكلها الأمثل كونها بحاجة لدعمهما في ما تقوم به من إجراءات داخلية بعد الانقلاب، ولتعزيز دورها في المشهد الإقليمي على مستوى القضيتين السورية والفلسطينية، بعد أن تم تطويق هذا الدور بفعل التقارب الأمريكي الروسي من جهة و التنسيق الإسرائيلي الروسي في ما يخص سورية من جهة أخرى، بالإضافة إلى الضرورة الأمنية والاقتصادية التي تفرض على تركيا تسريع التطبيع على كافة المستويات مع روسيا وإسرائيل، ولعل زيارة الرئيس التركي المرتقبة لروسيا في التاسع من الشهر الجاري، ستحمل إجابات حول نتائج هذا التقارب على الصعيدين الداخلي والخارجي التركي وبخاصة حول الملف السوري .
4.    قد يؤدي الموقف الإيراني المبكر في رفض الانقلاب ودعم الحكومة الشرعية في تركيا، رغم الخلافات بين البلدين حول عدة قضايا وبخاصة الملف السوري، إلى تعميق التعاون بين البلدين وخصوصاً فيما يخص الملف الكردي وحزب العمال الكردستاني، والذي أعلن في آذار /مارس الماضي استئنافه العمل العسكري في إيران بعد 23 عام على توقفه، أما فيما يخص الملف السوري فلا فرص لهذا التعاون خصوصاً في ظل التقارب التركي الروسي والتركي السعودي.
5.    على مستوى العلاقات العربية، فالواضح أن العلاقة التركية القطرية ستبقى كما كانت هي الأقوى، كون موقف قطر الرسمي كان من أوائل المواقف الداعمة للحكومة وبدا الدعم القطري واضحاً من خلال موقف أمير قطر وطبيعة تغطية قناة الجزيرة لأحداث الانقلاب. أما العلاقات السعودية فستبقى تنمو نحو التحسن ومزيد من التنسيق الأمني والعسكري. أما الموقف المصري من الانقلاب فيشير إلى صعوبة إجراء مصالحة قريبة مع تركيا، وكذلك الأمر بالنسبة للعراق والذي يرفض توغل القوات التركية في أراضيه ومشاركة قوات تركية في معركة الموصل القريبة، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية العراقي في كلمته لمؤتمر القمة العربية الأخير في نواكشوط التي ربط فيها المصالحة مع تركيا بوقف دخول قواتها إلى الأراضي العراقية.

على مستوى الملف السوري:

أ‌.    الصعيد الميداني: كان لانشغال الحكومة التركية بالوضع الداخلي عقب الانقلاب، أثراً خطيراً بدأت تتبدى ملامحه على الوضع الميداني وبخاصة في الشمال السوري، حيث كثف النظام وروسيا غاراتهم على حلب مستهدفة مقومات الصمود وأهمها المستشفيات بعد قطع طريق الكاستيلو، مما مهد إلى إطباق الحصار على حلب لكسب نقاط قوة تفاوضية للنظام وروسيا، ولكن الرد الكبير لفصائل المعارضة المسلحة في حلب وقلب الطاولة على النظام وروسيا، حيث باتت مناطق سيطرة النظام في حلب تقع تحت حصار المعارضة، من الممكن أن يعكس رغبة تركية في استباق زيارة الرئيس التركي إلى روسيا بانتصار على الأرض يعزز قدراتها على المناورة حول الملف السوري، ويشكل ورقة للضغط على موسكو لفرض هدنة في الشمال السوري، وهنا تلتقي الرغبة التركية والأمريكية. كما قد ينعكس هذا التقارب بشكل تخفيض الدعم الروسي لقوات سورية الديمقراطية.

ب‌.    الصعيد السياسي: أثارت المصالحات التركية مع روسيا وإسرائيل وإعلان أنقرة رغبتها في العودة إلى تبني سياسة صفر مشاكل في علاقاتها الخارجية مع مجيئ حكومة بن علي يلدريم، العديد من الشكوك حول إمكانية تغير الموقف التركي من الأزمة السورية، خصوصاً بعد صدور تسريبات –نفتها الحكومة التركية-حول إمكانية القبول ببقاء الأسد لفترة انتقالية،الأمر الذي يشير إلى مرونة تركية اتجاه الرؤية الروسية في حل الأزمة السورية. واليوم وبعد الانقلاب الفاشل والحاجة التركية إلى العلاقة مع موسكو، فهناك احتمال كبير لقيام أنقرة بالضغط على المعارضة السورية للتنازل عن بعض المطالب بهدف الوصول إلى انتقال سياسي.

الخاتمة

كان انقلاب 15 تموز الفاشل نتيجة لتفاعل جملة من العوامل الداخلية والخارجية في تركيا، والتي شكلت للمتربصين بحزب العدالة والتنمية على ما يبدو فرصة للتحرك ضده، ولكن مرونة الحزب في التعاطي مع الملفات الداخلية والعلاقات الخارجية، بالإضافة إلى كم الإنجازات الكبير الذي حققه خلال 14 عام من الحكم ساهم في وأد هذا التحرك، وسيعطي الفرصة للحزب لاستكمال مسيرته في تثبيت قواعد الديمقراطية في تركيا عبر التغييرات البنيوية والتشريعية التي يجريها بهدف طي صفحة تدخل الجيش في الحياة السياسية، والقضاء على ما يسمى بالكيان الموازي؛ الأمر الذي سيدعم الجبهة الداخلية التركية، ويفتح المجال أمام تركيا للتعاطي بأريحية أكبر مع الملفات الإقليمية .

التصنيف أوراق بحثية

بتاريخ 28 نيسان / إبريل 2016، استضافت قناة TRT العربية ضمن برنامجها "جيران" المدير التنفيذي لمركز عمران الدكتور عمار القحف، بهدف الحديث حول أفق الحل السياسي للأزمة السورية خصوصاً بعد تعليق المعارضة لمشاركتها في محدثات جنيف علاوة عما يحدث على الأرض من تصعيدات خطيرة خصوصاً بعد استمرار عمليات القصف الأسدي واستهدافه الممنهج للمدنيين.

حضر المدير التنفيذي لمركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ندوة نظمها مركز أورسام (ORSAM) بتاريخ 26 نيسان / إبريل 2016، لمناقشة التقرير الذي يحمل عنوان "آثار الأزمة السورية على الدول المجاورة"، الذي تم إعداده استناداً على عدد من البحوث الميدانية التي يدعمها مكتب مؤسسة كونراد أديناور في تركيا.

بكلمة ترحيبية افتتح الأستاذ شعبان كاردش الرئيس التنفيذي لمركز أورسام ورشة العمل، تلاه الأستاذ كولن دوركوب رئيس مكتب KAS في تركيا.استعرضت الندوة بعد ذلك التقرير المُعد، كما تضمن العرض تحليلاً لآثار الأزمة السورية على الدول المجاورة حيث كان لمركز أورسام نصيب كبير فيه.

يذكر أن الندوة تميزت بالعديد من المداخلات والمناقشات التي زادت من إثرائها العلمي والمعرفي.

التصنيف أخبار عمران

تغطية قناة الأورينت نيوز للندوة البحثية التي عقدها مركز عمران للدراسات الاستراتيجية بولاية غازي عينتاب التركية بتاريخ 19 آذار / مارس 2016، جاءت الندوة بمناسبة إصدار المركز لكتابه السنوي الثاني بعنوان: "اختبارات وطنية في مواجهة سيولة المشهد السوري"، والذي أصدر بالتزامن مع الذكرى الخامسة للثورة السورية.

عقد مركز صحيفة الصباح اليومية لدراسة السياسات في تركيا مؤتمراً على مدار يومي 10 و11 نيسان / إبريل 2016. ركز فيه على المشهد السياسي والاجتماعي في تركيا وانعكاساته على الصعيدين الإقليمي والعالمي. بغية توفير فهم واسع ومتسق من خلال تلاقح عدد من الآراء ووجهات النظر التي ناقشها وحللها جمع من الأكاديميين والباحثين وصناع القرار.

كان أبرزهم؛

  • الأستاذة فاطمة سيرين يازكان نائب مدير المخابرات والأمن في وزارة الشؤون الخارجية؛
  • البروفسور خلدون يالتشن كايا أستاذ ورئيس قسم العلاقات الدولية في جامعة الاقتصاد والتكنولوجيا في أنقرة.
  • الدكتور مسعود أوزكان، رئيس الأكاديمية الدبلوماسية في وزارة الخارجية التركية؛
  • البروفيسور بيرول أكغون، المدير العام لمعهد التفكير الاستراتيجي؛
  • البروفيسور علي مراد ييل، أستاذ في جامعة مرمرة، كلية الاتصالات في اسطنبول؛
  • الأستاذ صادق أوناي، خبير في الاقتصاد السياسي والدبلوماسية الاقتصادية في مركز سيتا؛

وعلى مدار اليومين جاء المؤتمر بأربع جلسات ناقشت المواضيع التالية:

  1. "السياسية والاقتصاد في عصر ما بعد الانتخابات في تركيا".
  2. "الأزمة السورية وآثارها الإقليمية والعالمية".
  3. "إدارة أزمة اللاجئين: دراسة التجربة التركية".
  4. "مكافحة ظاهرة الإرهاب".

وضمن الجلسة الثالثة للمؤتمر برزت مشاركة مركز عمران للدراسات الاستراتيجية. حيث تولى عضو مجلس إدارة المركز الدكتور ياسر تبارة تسيير نقاش الجلسة التي تحدث فيها كلاً من البروفسور إبراهيم كايا أستاذ في كلية الحقوق في جامعة إسطنبول، والأستاذ أنيس بيرقلي الباحث في الدراسات الأوروبية في سيتا، والأستاذ بورا البيركتار الممثل عن اسطنبول ومراسل في يورونيوز.

وفي الختام يجدر الذكر أن مركز صحيفة الصباح اليومية لدراسة السياسات في تركيا. يصدر صحيفته التركية باللغة الإنكليزية بعنوان Daily Sabah.

التصنيف أخبار عمران

يعتري الأداء السياسي الجمعي للمعارضة السورية جملة مغالطات تقديرية تختلف مستوياتها وأوجهها، والثابت المستمر هو التموضع السلبي والمتأخر في الذهنية المحلية والإقليمية والدولية، ولعلّ أهمها اضمحلال المنطق الدولتي في السلوكيات والسياسات العامة وعلى كافة الصعد، ومرد بعض هذه المغالطات متعلق بسياقات موضوعية فرضتها الظرفية الثورية وتحولاتها من الأطر المحلية إلى الدولية بحكم متغيرات وتطورات الملف السوري، والجزء الآخر مرتبطٌ بالحالة السائلة للمعارضة التي تضم بين طياتها مختلف المشارب والعقائد والانتماءات، بشكل يمنع المراقب العام أن يتلمس فيها انسجامًا وتماسكًا هيكليًا أو وظيفيًا، ويرجع سبب الجزء الأخير (والأهم) من هذه المغالطات لاستنتاجات قاصرة لبعض تيارات وشخوص المعارضة، مستنبطة من ظلال معتمدي حلفائها الإقليميين والدوليين، كقدرة إسرائيل على التحكم في مختلف زمام الأزمات العربية وحتى الدولية، وأن تمتين العلاقة مع "ربيب وحبيب الغرب" هو بمثابة بطاقة اعتماد سياسية تزيد من فرص تمكين هذا التيار أو ذاك الشخص!!

وتفكيك هذه المغالطة التي بدأت بالتنامي في الآونة الأخيرة وتبيان مخاطرها وأثرها على زيادة السيولة التي تكتنف تفاعلات الملف السوري، وعلى تعميق حالات الاستقطاب الحادة في المشهد بشكل عام، ينبغي تفنيد ادعاءات اتكاء المتهافتين في هذه الفئة من المعارضة السورية نحو تمتين العلاقة مع إسرائيل بما فيها تموضعها في فضاء التحالفات الإقليمية.

إذ يتم التعاطي - عند هذه الفئة - مع المخاوف العامة للهواجس الأمنية التي يبديها صناع القرار الإسرائيلي من "الأزمة السورية" من منطلق ضرورة ترسيخ صورة فكر ليبرالي غير معادٍ، بغية الولوج في القوائم الدولية للـ "البدائل المحتملين" لرئيس النظام الذي تعتبره إسرائيل شيطانًا لا تجهله وتمكّنت من التكيّف معه إلى حدّ كبير، في حين أن منافسيه "فصائل إسلامية راديكالية" سيساهم احتمال نجاحها من توليد مناخات عدائية مع إسرائيل بمجرّد أن تتمكن من توطيد سلطتها، أو سيعزز استمرار صراعاتها المختلفة من تزايد فرص تهديد الاستقرار في لبنان والأردن المجاورين، وبالتالي ترشح الأزمة إلى حدود إسرائيل التي تعلي من أمنها وصيانته فوق باقي الاعتبارات الأخرى.

وفي هذا التعاطي تجاهلًا مقصودًا لأسباب الحراك الثوري الذي تشكل أحد مسوغاته مطالب المشاركة في صياغة الثوابت والمحددات العامة للسياسات المحلية والخارجية عبر تثبيت عقد وطني جديد يعمق الهوية السورية الحضارية المتسقة مع مميزات مكوناته الاجتماعية التي تشكل إسرائيل خطرًا وجوديًا في وجدانها الجمعي، واحتلالًا يغتصب الأرض المقدسة ويهجر أبناءها ويجتهد في طمس هويتها، ويأتي هذا العبث السياسي المستند على فلسفة الاعتمادية الخارجية لا على الشرعية المحلية كمؤشر واضح في تبني أفكار وحوامل الثورة المضادة المتصالحة مع هذا المحتل.

كما تضخم هذه الفئة (التي تطبل الصحافة الإسرائيلية لخطواتهم وما قيل إنه رسائل تطالب بالحوار) من قدرة تل أبيب على التحكم في سير واستقرار خارطة التحالفات الإقليمية التي تظن أن المحور الذي تباركه ولا تعاديه سيكون له الحظ الأوفر في الاستمرار والبقاء، منطلقين بهذا الاستنتاج - الذي تسوقه بعض التيارات أو الشخصيات السياسية العربية الدافعة لموجات الثورة المضادة - من استراتيجية إسرائيل نفسها الطامحة لضمان تفوقها العسكري الاستراتيجي المطلق على كل القوى المجاورة عربية كانت أم إقليمية، بالإضافة إلى حتمية عدم التفريط بأي حال من الأحوال بالعلاقة فوق الاستراتيجية أو الاستثنائية التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة على الرغم من تراجع الدور والنفوذ الأمريكيين في إدارة الصراعات الدولية لاسيما في منطقة المشرق العربي، التي باتت تتعامل معها بسياسات غير مكلفة قد تخلف معها "فراغ القوة" الناشئ عن الغياب الأمريكي الإرادي في ظل تشبث أوباما بتنحية مبدأ الاشتباك وتغليب خيار مكافحة وتحجيم تنظيم الدولة الإسلامية عبر حلفاء محليين إشكاليين، ومن خلال ضربات جوية يعتريها الكثير من التوظيفات والتطويعات السياسية، ناهيك عن حرص إسرائيل على كسب الصداقة والتحالف مع القوة الدولية العائدة والمنافسة بقوة للنفوذ الأمريكي خاصة في المنطقة أي روسيا الاتحادية.

كما تجد هذه الفئة من لهاث وحرص تل أبيب على استغلال الظرف السياسي العربي لتجديد حيوية الوظيفة التاريخية لـ "دولة إسرائيل" بالنسبة للعالم الغربي كله، كدولة "أنموذج في الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير" قابلة لأن تكون حليفًا محتملًا للدول العربية السنية في مواجهة المشروع الإيراني، خاصة مع التآكل الواضح لقيمة مفهوم قضية العرب المركزية.

وتغفل هذه الفئة من حساباتها الضيقة أن خيوط التحالفات الناشئة لاتزال قلقة وغير مستقرة وسيكتنفها الكثير من المتغيرات الطارئة التي أضحت سمة التفاعلات السياسية في المنطقة، وسيبقى معيار الاتساق الهوياتي هو الأساس الذي يكسبها عوامل الأمن والاستقرار، وأن أي مراهنة على فعالية إسرائيل إقليميًا ستكون لحظية غير استراتيجية، ولا تراعي ثنائية خيارات إسرائيل المصلحية وهي إما بقاء النظام الذي اتقن عبر عقود مضت لعبة ضبط الحدود وتسكين الجبهات وتوازن المعادلات الأمنية معها، أو استمرار الفوضى المضبوطة بحكم مبدأ إدارة الأزمة وتشجيع المسارات السياسية المفضية لعملية شكلية تنتج نظامًا غير قادر على الفعل الإقليمي لسنين عديدة، وبهذا المعنى تكون سلوكيات هذه الفئة ضمن مفهوم استغلال الهوامش لمصالح حزبية أو شخصية ضيقة.

ثابت القول باعتقادي أن مؤشرات "البوصلة المنحرفة" في التعاطي السياسي ستزيد من التيه والتشظي في حراك المعارضة، وسيزيد من تمييع اتجاهاتها، فالمسير السويّ تفرضه الأجندة المحلية والوطنية وليس الضرورات الإقليمية فحسب، وتنفذه رجالات دولة تعلي من الاهتمامات الوطنية، وترسم ملامح دربه مطالب التغيير السياسي الحقيقي التي ترفض العبث في هوية المجتمع السوري وقضاياه المركزية.

المصدر موقع نون بوست: http://goo.gl/efx21I

التصنيف مقالات الرأي
الإثنين كانون1/ديسمبر 30
الملخص التنفيذي لم يُستثنَ اللاجئون الفلسطينيون من تداعيات الصراع في سورية، حيث طرأ تغيير كبير على وضعيتهم القانونية، لجهة حجم الانتهاكات الجسيمة التي تعرضوا لها على نطاقٍ واسع، والتي تعود…
نُشرت في  الإصدارات 
الأربعاء أيلول/سبتمبر 25
مقدمة أفرز النزاع الدائر في سورية منذ عام 2011 جملة من التحديات التي بدأت ترتسم ملامحها مع اقتراب النزاع من نهايته، ولعل من أبرزها التحديات المرتبطة بعملية التعافي الاقتصادي المبكر…
نُشرت في  الإصدارات 
الإثنين تموز/يوليو 01
المقدمة لا تزال الأسئلة المتعلقة بقطاعي الأمن والدفاع في سورية من أكثر الأسئلة أهمية، وازدادت أهميتها بعد الحراك الثوري، لأن غايات الإصلاح كانت مطلباً رئيسياً في هذا الحراك، كما أنها…
نُشرت في  الإصدارات 
شارك الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، ساشا العلو، في حوار تلفزيوني ضمن برنامج الصالون…
الأربعاء شباط/فبراير 26
شارك الباحث محمد العبدالله من مركز عمران في تقرير اقتصادي، أعدته جريدة عنب بلدي بعنوان:…
الإثنين شباط/فبراير 17
بتاريخ 9 كانون الثاني 2020، شارك الباحث محمد العبد الله بتقرير موسع نشره موقع السورية…
الجمعة كانون2/يناير 10
رأى الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، معن طلَّاع، أثناء حديثه مع العربي 21 "…
الثلاثاء كانون1/ديسمبر 03